بين الوعظ السياسي وتعقيد التجربة الحزبية.. تفاعلا مع الاستاذ محمد يتيم

هوية بريس-حسن حمورو
نشر الأستاذ محمد يتيم، الوزير السابق عن حزب العدالة والتنمية، قبل أيام، مقالا بعنوان “في النقد الثقافي لنموذج الزعيم وجماعة الاتباع في الأحزاب المغربية، حاول ان يقارب فيه التأثيرات السلبية للزعامة على المؤسسات الحزبية، ومؤسسات التنظيمات الجماعية بشكل عام.
ويثير هذا النوع من المقالات خاصة التي تصدر عن قيادات سياسية وتنظيمية معروفة، نقاشا يتجاوز مضمونها المباشر، إلى ما يرتبط بسياقها وتوقيتها والخلفيات التي تتحكم في كتابتها ونشرها.
إنه عندما يُعاد فتح موضوع الزعامة والمؤسساتية والطاعة، داخل التنظيمات السياسية، يصبح من الطبيعي طرح سؤال التوقيت، ولماذا يُستدعى هذا النقاش الآن تحديدا؟ وما الذي يجعل بعض القيادات من قبيل الأستاذ محمد يتيم، تعود إلى هذه المفاهيم في لحظات سياسية بعينها دون غيرها؟ لأن الكتابة السياسية ليست بريئة من سياقها، وحتى أكثر النصوص تجريدا، تحمل في طياتها رسائل وإشارات ومواقف من وقائع قائمة، وهذا مجرد تحليل لا علاقة له باتهام النوايا.
وإذا كان من حق أي كاتب أو فاعل سياسي، أن يدافع عن تصور معين للعلاقة بين القيادة والمؤسسات، فإن الإشكال في هذا النوع من الطروحات أنها تقدم نفسها وكأنها خلاصات مطلقة ومتعالية عن الزمن، بينما هي في الحقيقة مواقف مرتبطة بتجارب بشرية وسياقات سياسية محددة.
لذلك يبدو لافتا أن مقال الأستاذ يتيم، رغم لغته المكثفة واستدعائه للآيات القرآنية والمقولات والأمثلة التاريخية، جاء خاليا من أي إحالة واضحة على الواقع الحزبي المغربي اليوم، وكأن النقاش يدور في فراغ نظري لا علاقة له بما يجري داخل الأحزاب والتنظيمات السياسية من تحولات وتوترات وأسئلة حقيقية.
فالحديث عن المؤسساتية والديمقراطية الداخلية، لا يمكن أن يظل خطابا أخلاقيا عاما، بل يفترض أن ينطلق من الواقع، ومن تجارب الأحزاب، ومن طبيعة علاقتها بقياداتها، ومن حدود الديمقراطية الداخلية فيها، ومن إشكالات التداول، ومن الأعطاب التي تنتجها أحيانا الزعامات، كما تنتجها أحيانا أخرى البيروقراطيات التنظيمية الجامدة، أما الاكتفاء بإطلاق أحكام عامة حول “الزعيم” و”الأتباع” و”الطاعة”، فهو أقرب إلى التبسيط منه إلى التحليل.
ثم إن المقال يقع في خلط واضح بين مستويات متعددة ومختلفة بطبيعتها، فهو ينتقل من الاستشهاد بآيات قرآنية إلى مقولات سياسية، ثم إلى استنتاجات تحليلية، ثم إلى مرويات ومأثورات عن الصحابة والسلف، وكأن هذه المستويات جميعها تنتمي إلى الحقل نفسه وتنتج المعنى ذاته، والحال أن الاستشهاد الديني والأخلاقي له وظيفته الرمزية والقيمية، لكنه لا يعفي من ضرورة بناء تحليل سياسي يستند إلى الوقائع والتجارب والمعطيات.
فالعمل السياسي ليس مجرد امتداد مباشر للمثال الأخلاقي، بل هو مجال معقد تحكمه موازين القوى والسياقات الاجتماعية والثقافية والتاريخية، وما يصلح لتفسير تجربة جماعة بشرية في لحظة تاريخية معينة، قد لا يصلح بالضرورة لتفسير تجربة أخرى مختلفة في الزمان والمكان والبنية السياسية، ولهذا تبدو محاولة إسقاط بعض الثنائيات الجاهزة على الواقع الحزبي المعاصر، نوعا من التبسيط الذي لا يساعد على الفهم، بقدر ما يدفع نحو إصدار أحكام معيارية مسبقة.
ولعل أكبر مظاهر هذا التبسيط هو استدعاء ثنائية “ما أريكم إلا ما أرى”، في مقابل “اتبعوني أهدكم سبيل الرشاد”، وكأن العمل السياسي والتنظيمي بالنسبة للأستاذ يتيم، ينقسم بين نموذج استبدادي مغلق ونموذج رشيد مثالي، بينما الواقع أكثر تعقيدا بكثير، لأن الزعامات ليست كلها استبدادية، وليست كل المؤسسات ديمقراطية، فكم من تنظيم يرفع شعار المؤسسات، بينما القرار الحقيقي يُصنع في دوائر ضيقة، وكم من قيادة قوية، كانت أكثر انفتاحا على النقد والحوار، من هياكل تنظيمية متخشبة لا تنتج سوى الصمت والتوافقات الشكلية.
إن معيار الحكم الحقيقي لا يكمن في الشعارات المرفوعة، بل في طبيعة الممارسة الفعلية، وفي قدرة التنظيم على إنتاج النقاش الحر، وعلى تدبير الاختلاف الداخلي، وعلى احترام الإرادة الجماعية، دون الوقوع في الشعبوية أو الشخصنة أو التحكم المقنع باسم المؤسسات، لأن المؤسساتية ليست مجرد هياكل ولوائح، بل ثقافة سياسية وسلوك يومي وآليات فعلية للتنخيب وللمحاسبة والتداول.
إن السياسة، بخلاف ما توحي به بعض الكتابات الوعظية، ليست مجالا للحقيقة المطلقة، بل مجال للاجتهاد البشري النسبي، ومحاولة تحويل النقاش السياسي إلى مواجهة بين “الرشاد” و”الضلال”، أو بين “الطاعة” و”الاستبداد”، يفرغ السياسة من طبيعتها المركبة، ويحولها إلى درس أخلاقي أكثر منها تجربة إنسانية مفتوحة على التعدد والاختلاف.
لقد أنتجت البشرية عبر تاريخها أشكالا متعددة من القيادة والعمل الجماعي، بعضها نجح بفضل قوة المؤسسة، وبعضها نجح بفضل حضور القيادة الكاريزمية، وبعضها انهار رغم توفر الاثنين معا، وهذا يعني أن المسألة أعقد من مجرد المفاضلة الأخلاقية بين “الزعيم” و”المؤسسة”.
فالتجارب السياسية لا تُفهم بالشعارات، بل بقراءة شروطها التاريخية والاجتماعية، وبفهم طبيعة المجتمعات والتنظيمات والتحولات التي تخضع لها.
ومن هنا فإن النقاش الجاد حول الديمقراطية الداخلية والمؤسساتية لا يحتاج إلى لغة التخويف من الزعامة، ولا إلى استدعاء ثنائيات أخلاقية جاهزة، بقدر ما يحتاج إلى تحليل هادئ وواقعي للتجارب السياسية كما هي، لا كما نتمنى أن تكون، فالسياسة في النهاية ليست خطبة وعظية، وإنما فن إدارة الاختلاف وصناعة الممكن داخل مجتمع متحرك ومعقد.


