حين يُلبس الهدم ثوب الاجتهاد.. قراءة نقدية في مشروع الجابري لتطبيق الشريعة (فيديو)

حين يُلبس الهدم ثوب الاجتهاد.. قراءة نقدية في مشروع الجابري لتطبيق الشريعة
هوية بريس – متابعات
مدخل: مشروع يُعلن عن نفسه
ليس من العدل أن نتهم مفكراً بما لم يقله، لكن من الإنصاف أيضاً أن نأخذه بما قاله. والدكتور محمد عابد الجابري من النوع الذي يُصرّح بمقاصده، لا يُخفيها. ففي “المسألة الثقافية” يقول صراحةً إن اهتمامه بالتراث ليس من أجل التراث ذاته، بل من أجل حداثة يتطلع إليها. وفي “التراث والحداثة” يقول إننا بذلك نتحرر من سلطة التراث ونمارس نحن سلطتنا عليه. وفي “بنية العقل العربي” يُصرّح بأنه لا سبيل إلى التجديد إلا من داخل التراث نفسه وبوسائله الخاصة. وفي “الديمقراطية وحقوق الإنسان” يُقرّ بأن قراءته للتراث موجَّهة بالرغبة في إيجاد سند تاريخي لتأصيل المضامين الحداثية والمعاصرة في وعي المسلمين ومرجعياتهم.
هذا إذاً ليس استنباطاً ولا دخولاً في النيات، بل هو ما صرّح به الجابري نفسه في أكثر من موضع وأكثر من كتاب. فالمشروع واضح المعالم معلن عن تفاصيله: توظيف الأدوات الشرعية لتأصيل مفاهيم حداثية مسبقة الصنع، وتجنّب الصدام المباشر مع عقائد الناس حتى لا يُعيق هذا الصدام قبولهم للأفكار المراد تمريرها. وكتاب “الدين والدولة وتطبيق الشريعة” ليس إلا تطبيقاً من تطبيقات هذا المشروع الأشمل، وهو ما رصده الدكتور فهد العجلان في مراجعة نقدية مفصّلة كشف فيها عن الآليات والمسالك التي يعتمدها الجابري للوصول إلى غايته.
أولا: بنية الكتاب وخطواته المنهجية
تقوم فكرة الكتاب المركزية على ثلاث خطوات متتالية تبدو في ظاهرها منطقية ومتسقة، لكنها تنطوي في باطنها على قدر كبير من المغالطة المنهجية.
الخطوة الأولى هي تجاوز المرجعيات الفقهية المذهبية التقليدية. يرى الجابري أن معظم هذه المرجعيات كانت موجَّهة بكيفية أو بأخرى بالظروف السياسية التي زامنتها، وأن الثقة بها معدومة لأنها قامت أصلاً كوجهة نظر تروم تأييد موقف سياسي معين. ولهذا فلا بد كما يقول من بناء مرجعية أكثر مصداقية وأسبق في الزمن من هذه المرجعيات المذهبية.
الخطوة الثانية هي الدعوة إلى العودة إلى فقه الصحابة بوصفه هذه المرجعية الأقدم والأكثر موضوعية، السابقة على نشوء المذاهب وظهور الخلافات، والصالحة لكل زمان ومكان لأنها مبنية على اعتبار المصالح الكلية.
الخطوة الثالثة هي الخطوة الجوهرية والكاشفة؛ إذ لمّا رجع الجابري إلى فقه الصحابة وجدهم في بنائهم الفقهي قد اعتمدوا على المصلحة، ليُقرّر بعد ذلك أن “المبدأ الوحيد الذي كانوا يراعونه دوماً هو المصلحة ولا شيء غيرها”، وأنهم “كثيراً ما يتصرفون بحسب ما تمليه المصلحة صارفين النظر عن النص حتى ولو كان صريحاً قطعياً”. وبناءً عليه يدعو إلى اعتماد المصلحة أصلاً حاكماً في تطبيق الشريعة، مع مراعاة المتغيرات العصرية والمستجدات الحضارية.
ويلاحظ العجلان أن الجابري في هذا الكتاب تجاوز التصورات العلمانية المعروفة والمستهلكة كالقول بانفصال الدين عن الدولة أو بأن الأحكام الشرعية غير ملزمة، وهو مدرك لغلط هذه التصورات ولعدم قبولها في المجتمعات المسلمة، ولهذا يُقرّ بأن الشريعة تتضمن أحكاماً ملزمة في الشأن العام، وأن شعار تحكيم الشريعة لا يمكن مواجهته بشعار مضاد. غير أن هذا الإقرار لا يعدو كونه نقطة انطلاق نحو تأويل هذه الأحكام وإفراغها من مضامينها.
ثانيا: التناقض المنهجي في الاستناد إلى فقه الصحابة
يكشف العجلان عن إشكالية منهجية جوهرية تُربك البناء الفكري للكتاب بأسره. فالجابري يطعن في المرجعيات الفقهية المذهبية بدعوى تأثرها بالسياسة وانحرافها عن الموضوعية، ثم يدعو بعد ذلك إلى العودة إلى فقه الصحابة. لكن هذه المرجعيات المذهبية ذاتها التي يطعن فيها هي التي نقلت إلينا فقه الصحابة وحفظته ومحّصته وميّزت صحيحه من سقيمه. فالطعن العام فيها يستلزم بالضرورة الطعن في فقه الصحابة نفسه، إذ لا طريق إلى هذا الفقه إلا من خلالها.
والأشد إثارة للتساؤل أن الجابري لمّا وصل إلى فقه الصحابة لم يطالبنا باتباعه كما هو. ولو فعل لوجد أن هذا الفقه قائم في الحقيقة على الأصول ذاتها التي ينطلق منها الفقهاء الذين طعن فيهم، وأن فقههم في المصالح هو ذات ما ينكره على من جاء بعدهم. فهو في الحقيقة لم يُرِد اتباع الصحابة، بل أراد تجاوز الفقهاء عن طريق الصحابة، ثم بدأ بعد ذلك في عملية تحريف جديدة لفقه الصحابة أنفسهم وإعادة صياغته بما يخدم مشروعه.
وفي هذا يجمع الجابري بين متناقضين؛ فهو يُعلن أن عصور الفقهاء عصور ملوّثة ومؤدلجة ومنحرفة، ثم يزعم أنه يستطيع تجاوزها والوصول إلى فقه الصحابة نقياً صافياً. لكن هذه العصور هي التي نقلت فقه الصحابة، فأي طعن عام عليها لا بد أن يؤثر في فقه الصحابة أيضاً، ولا مخرج من هذه المعضلة المنطقية.
ثالثا: تحريف مفهوم المصلحة
يُفرّق العجلان تفريقا دقيقا وجوهريا بين مفهوم المصلحة عند الصحابة وعند الجابري، ويرى أن الخلط بينهما هو أساس المغالطة في هذا الكتاب.
فالمصلحة عند الصحابة محكومة بموازين الشريعة؛ فما رفضته الشريعة فليس بمصلحة، وما اعتبرته فهو مصلحة، وبقدر اعتبار الشريعة يكون وزن المصلحة، وبقدر رفض الشريعة يكون وزن المفسدة. والنصوص في هذا عن الصحابة أكثر من أن تُحصى. أما المصلحة عند الجابري فمتجاوزة للنصوص القطعية ومنطلقة من رؤية غير خاضعة لمقتضيات الشريعة، بل يُريدنا أن نبحث في ضروريات عصرنا ثم نجعلها جزءاً من مقاصد الشريعة لا أن نعرضها عليها.
ويقول الجابري صراحة: “يجب أن تؤسَّس عملية تطبيق الشريعة في كل زمان ومكان على اعتبار المصلحة العامة، ويبقى بعد هذا المبدأ الأساسي العام تحديدُ المصلحة في كل نازلة وفي كل حكم، وهذا شيء سهل لأن ميدان البحث عنها ميدان بشري”. فليس ثمة شيء محدد من الشريعة يُراد تطبيقه، وإنما هو مفهوم “المصلحة العامة” الفضفاض الذي يمكن أن يتسع لكل حكم يُخالف الشريعة.
رابعا: تفريغ الأصول من مضامينها
يصف العجلان منهج الجابري بأنه قائم على سلسلة من التفريغ المتتالي والمتراكم؛ فقد أفرغ فقه الصحابة من مضمونه وجعله متعلقاً بالمصلحة وحدها، ثم جاء إلى المصلحة فأفرغها من مضمونها الشرعي وجعلها مصالح ولو جاءت مخالفة للشرع، ثم جاء إلى قاعدة اعتبار المقاصد في الشريعة فأفرغها وجعل المصالح الحداثية المخترَعة حاكمة على ما لا يهواه من الفروع والأحكام التفصيلية.
وعلى صعيد التطبيقات العملية، يقف العجلان طويلاً عند موقف الجابري من حدّ السرقة، وهو نص قرآني قطعي لم يقع حوله أدنى نزاع في فقه الصحابة ولا في تاريخ الفقه الإسلامي. غير أن الجابري يتخلص من قطعيته بالزعم بأن حكم القطع كان تدبيراً متعلقاً بذلك الزمان، وأنه كان الوسيلة الوحيدة الممكنة للزجر ومعاقبة السراق في تلك الحقبة التاريخية. فلم يجعل هذا الحكم ثابتاً ملزماً، بل حرّفه إلى مجرد اجتهاد مرحلي فرضته ضرورة زمانية. وفعل المثل مع أحكام ميراث المرأة وحدّ الردة وتعدد الزوجات والطلاق. ويرى العجلان أن النفور من هذه الأحكام مردّه إلى نفور الثقافة الغربية المعاصرة منها، وأنه لو كانت هذه الثقافة تتقبلها لما بحث أصحاب هذا التوجه عن أسباب تاريخية مفتعلة للتخلص منها.
خامسا: اختراع المقاصد بدلا من استنباطها
يرى العجلان أن الجابري يعكس المنهج الأصولي الصحيح رأساً على عقب في مسألة المقاصد. فطريقة العلماء الموضوعية تقوم على تتبع فروع الشريعة واستقرائها وملاحظتها جميعاً، ثم استخراج الكليات والمقاصد منها استخراجاً. أما طريقة الجابري فتعكس هذا المسار تماماً؛ إذ يأتي بمقاصد وكليات من عنده مستمدّة من المصالح الحداثية المعاصرة، ثم يفرضها على أصول الشريعة، فيقبل منها ما يشاء ويرد ما يشاء بدعوى التمسك بـ”روح الشريعة” و”كلياتها”.
ولا يقتصر الأمر على تحكيم الشريعة، بل يتمدد إلى كتابه “الديمقراطية وحقوق الإنسان” حيث يسلك المنهج ذاته في تأصيل ثقافة حقوق الإنسان بمفهومها الحداثي الغربي. فيزعم أن الاختلاف بين النظرة الإسلامية والنظرة الغربية في الحقوق لا يعبّر عن ثوابت ثقافية، وإنما يرجع إلى اختلاف “أسباب النزول”. ثم يُأصّل لحرية الردة والتفضيل في الميراث بين الذكر والأنثى وإلغاء حدّ السارق والتضييق على التعدد والطلاق، ويصف الأحكام الشرعية المخالفة لهذه القيم الغربية بأنها “متشابهات” ينبغي ردّها إلى “المحكم” من الكليات، وهي الكليات التي اخترعها هو بنفسه.
سادسا: الشاطبي الذي لا يعرفه الشاطبي
يخصص العجلان حيزاً واسعاً لنقد توظيف الجابري للإمام الشاطبي وكتابه الموافقات، ويصف هذا التوظيف بأنه “إنتاج شاطبي جديد” لا علاقة له بصاحب الموافقات الحقيقي. فالجابري يدّعي أن الشاطبي أحدث قطيعة معرفية مع طريقة الشافعيين والأصوليين من بعده، وأنه يُمثّل تحولاً جذرياً في منهج الأصول. وهو ما يصفه العجلان بأنه “إما كذب محض أو جهل فاحش” لمن يعرف الشاطبي حقاً.
والأدل على ذلك أن الجابري نفسه لخّص ما في الموافقات في كتاب “بنية العقل العربي” تلخيصاً صحيحاً، ثم جاء بعد التلخيص فوظّفه في اتجاه معاكس تماماً لما عليه الشاطبي. وهذا يثير تساؤلاً كبيراً: هل المراد معرفة الشاطبي كما هو، أم توظيفه كما يريد الجابري؟
والشاطبي الحقيقي صريح في مواضع عديدة من الموافقات بما يهدم توظيف الجابري من أساسه؛ إذ يقول: “فإن ما يخرم قاعدة شرعية أو حكماً شرعياً ليس بحق في نفسه”. ويقرر بكل وضوح أن من أخذ بالكلي معرضاً عن الجزئي فهو مخطئ، كما أن من أخذ بالجزئي معرضاً عن الكلي فهو مخطئ أيضاً. فالشاطبي يراعي الكليات والجزئيات معاً، ولا يجعل الكليات سلاحاً لإسقاط الأحكام التفصيلية الثابتة، وهو بعيد كل البعد عن أي منهج يُعطّل الشريعة باسم المقاصد.
ويُنبّه العجلان إلى خطورة الأثر الذي خلّفه الجابري في قراءة الشاطبي؛ إذ بات كثير من المثقفين ينظرون إلى الشاطبي بعين الجابري، فيتوهمونه مفكراً يختلف منهجاً عن بقية الفقهاء، تأثراً بما صوّره لهم الجابري، وهو توهم لا يصمد أمام قراءة مباشرة للموافقات.
سابعا: نقد العلمانية وإعادة إنتاجها
يكشف العجلان أن موقف الجابري من العلمانية يتخذ طابعاً مزدوجاً؛ فهو ينتقد المصطلح لكنه يتبنى الجوهر. إذ يدعو صراحةً إلى استبعاد شعار “العلمانية” من قاموس الفكر العربي وتعويضه بشعاري “الديمقراطية والعقلانية”، مع الإبقاء على كل ما تعنيه العلمانية من مضامين. فهو لا يعترض إذاً على الجوهر بل على المصطلح الذي باتت له حساسية في الوجدان الإسلامي.
وفي إطار هذا المنطق يُميّز الجابري بين فصل الدين عن الدولة وفصل الدين عن السياسة، مُؤثِراً الصياغة الثانية لأنها أخف وقعاً وأقل إثارة لمشاعر الناس. غير أن العجلان يُبيّن أن المعنيين واحد في المحصلة، وأن الجابري يُكرّر ذات الإشكالات التي يثيرها العلمانيون ضد الشريعة، لكن بأسلوب مهذب لا يُثير المشاعر.
ويصف الجابري الأحكام الشرعية التي تخالف الثقافة الغربية بأنها “متشابهات” ينبغي ردّها إلى “المحكم”، مع الإعلان في الوقت ذاته أن الشريعة “ثابتة ومطلقة وإلهية”. والحقيقة كما يُبيّنها العجلان أنه يُعلن ثبات الشريعة التي لا تطبَّق، بينما الحكم الذي سيطبَّق فعلاً هو ما تُقرره المصلحة المتغيرة. وفي هذا تلاعب بالمفاهيم وإيهام للجمهور بالتمسك بالشريعة وهو في الوقت ذاته يسعى إلى تجاوزها.
خاتمة: الهدم الناعم
ينتهي العجلان إلى خلاصة جليّة: مشروع الجابري يصل إلى النتيجة ذاتها التي تصل إليها العلمانية الصريحة، غير أنه يسلك طريقاً أطول وأكثر التواءً وأشد خطورة لهذا السبب بالذات. فالعلمانيون صرّحوا برفض الأحكام الشرعية المخالفة للقيم الحداثية المعاصرة، فكانوا على الأقل صرحاء في موقفهم ومكشوفين في مقصدهم. أما الجابري فيرفض هذه الأحكام بدعوى تطبيق الشريعة نفسها والتمسك بمقاصدها والأخذ بفقه الصحابة.
والفارق بين المسلكين ليس في الغاية بل في الأسلوب؛ فالأول يهدم البيت جهاراً والثاني يعيد بناءه على غير أساسه وهو يدّعي الترميم والصيانة. وخطورة الثاني أكبر بكثير لأنه يخاطب من لا يقبلون الأول ويستطيع أن يُقنعهم بما لا يستطيع الأول أن يُقنعهم به. ولهذا يرى العجلان أن فهم هذا المشروع ونقده من الداخل واجب علمي لا يقل أهمية عن نقد العلمانية الصريحة، بل ربما يفوقه في الأولوية لأن العدو الذي يتكلم بلسانك أخطر من العدو الذي يتكلم بلسان غيرك.



