“طقس بوجلود” بين الأمس واليوم.. نحو رؤية راشدة

هوية بريس – ذ.إبراهيم أيت باخة
لا شك أنه مظهر تراثي أصيل، وطقس احتفالي بعيد الأضحى، يروم الترفيه والترويح عن الناس في هذه الأيام المباركات، لكن لا بد من ضبط كل هذا بضوابط الشرع الحكيم، خاصة أنه يرتبط بمناسبة دينية محضة؛ مقصدها الأول والأساس التعبد والتقرب لله سبحانه.
فهل ينسجم المظهر مع الجوهر، والفرع مع الأصل؟
الجواب: لا، للأسف الشديد، لذلك فإن ما يكتنف هذا الاحتفال من محاذير وانحرافات؛ تجعل المسلم الحريص على دينه، ينأى بنفسه عن ساحته، ويتنكب طريقه، فضلا عن أن ينخرط فيه أو يشارك في إشاعته، وهو على صفته المعلومة التي تبتعد يوما بعد يوم عن أصله الترفيهي، فضلا عن مقصد الشرع من شعيرة العيد.
وأنا هنا أخاطب المسلم المعتز بدينه، الذي يزن أموره كلها بميزان الشرع، أما الذي لا يقيم لهذه الضوابط وزنا، بل يعدها أثقالا تقيد حريته المزعومة، أو لا يؤمن أصلا بالشق التعبدي من عيد الأضحى، لكن يشارك بحفاوة في الطقس المصاحب له، فلا يعنيه هذا المنشور.
في الأمس:
ارتبط هذا الطقس من الاحتفال بعيد الأضحى المبارك؛ والذي يظهر أنه أعمق تاريخا من دخول الإسلام؛ ولذلك تبقى فرضية الاستمداد من المعتقدات الوثنية القديمة أو الرومانية حاضرة قوية، خاصة مع استحضار ما للكباش والماعز من أبعاد دينية في معتقدات ما قبل الاسلام؛ وقد وجد -فعلا- من المستشرقين والباحثين من يؤيد هذه الفرضية؛ حتى أرجعه بعضهم إلى العيد الروماني (Saturn) إله الخصوبة.
صحيح أن هذا الاستمداد المفترض من الطقوس القديمة؛ لم تعد له تجليات في احتفالات اليوم؛ بحكم تشبع الناس بالإسلام … لكن ظهرت مقابل ذلك انحرافات عقدية ألبست لبوس الإسلام، فحلت محل سابقاتها؛ ومن ذلك مما أدركناه وعشناه:
– الاعتقاد ببركة الضرب بالكراع: فكان الناس يتعرضون للضرب قصدا، ويحملون أبناءهم على ذلك رجاء النجابة وشفاء الأمراض، وكانت البنات في سن الزواج يتفاءلن بذلك.
– الاعتقاد ببركة دعائهم: فإنه يكون لهم في طوافهم على البيوت والأزقة داع يتقن معان كثيرة وألفاظا مختلفة من الأدعية، والناس يؤمنون ويرجون بركة دعائهم، بل يتبركون بدخولهم بيوتهم، ويهابون عاقبة الامتناع عن ذلك.
وكذلك من أهم الركائز الفرجوية لهذه الاحتفالات التي لابد منها: الإجبار والتعميم، فلا عذر لأحد في التخلف عن المشاركة ولا في الاعتزال، لذلك فإن الطقس يقوم على أساليب كثيرة تعين على تحقيق هذا الأصل، منها:
1- التعرض للمارة والقاعدين وكل الناس كبارا وصغارا رجالا ونساء، ومطاردتهم في الطرقات والأزقة، واجبارهم وتلطيخ وجوههم بالرماد، وضربهم أحيانا ضربات مبرحة دون استجابة لتوسلاتهم أو تهديداتهم، وتوظيف ذلك لجمع الأموال، وربما أدى هذا إلى أحداث دامية وتخريبية.
2- اقتحام البيوت: فقد أدركنا هذه الظاهرة في الدواوير التي تكون ملتصقة البيوت ومكشوفة الأفنية، ولا أحد يستأذن في دخول بيته، بل يكون الاقتحام من السطوح، وبتسلق الجدران، وفي هذا من انتهاك الحرمات والاطلاع على الأسرار والعورات ما هو واضح بين، وإن كان غالبية الناس راضين بذلك رضى جمعيا فرضه الواقع.
هذا الذي ذكرناه أعلاه رصد لأبرز المؤاخذات على هذا الاحتفال في صيغته التقليدية الشعبية التي أدركناها في السنوات الماضية.
اليوم:
وأما في الوقت الراهن فقد شهدت هذه الاحتفالات تطويرا كبيرا مسايرا لتطورات العصر، نقلته من طابعه المحلي؛ إلى أنماط عالمية أو هجينة؛ فظهرت فيه انحرافات ومؤاخذات أخرى، أبرزها:
1- التأثر بالمهرجانات التنكرية المشابهة؛ بل الانصهار فيها بشكل تام بغض النظر عن مرجعياتها الفكرية والدينية؛ من الوثنية والمسيحية وعبدة الشيطان وغير ذلك؛ حتى لم يعد ثمة فرق بين مهرجان بوجلود واحتفالات ال Halloween؛ ولا يجد بعض المسلمين المتنكرين في مهرجان بوجلود حرجا في تجسيد شخصية الشبح ذي المنجل الكبير والرداء الأسود، تعبيرا عن ملك الموت، دون التفات إلى مرجعيتنا الإسلامية في مثل هذه القضايا التي تمس العقيدة بشكل مباشر.
2- التشجيع على الرذيلة والعلاقات المحرمة، واختلاط الرجال والنساء والتبرج …شأنها شأن مختلف الاحتفالات من هذا القبيل، بل أشد من ذلك لأن التنكر بأشكال الحيوانات والشخصيات يكسب أصحابها جرأة أكبر في اقتراف ما شاؤوا من السلوكات المخلة بالأخلاق دون رقيب أوحسيب؛ وباسم الفرجة والترفيه.
3- تطور ظاهرة التشبه بالنساء المعروفة في الصيغة التقليدية إلى ظاهرة المثلية، وتجاوز فكرة التشبه في اللباس إلى التشبه في التصرفات والحركات والملامح وتجسيد ذلك كله.
4- تعطيل مصالح الناس خاصة في المدن التي تزدحم فيها الأزقة ومداخل المرافق العامة بهذه الاحتفالات، زيادة على الاصوات الصاخبة التي لا تراعي أحوال الناس.
5- إشغال الناس عن مقاصد العيد من التزاور والتراحم وتبادل الزيارات، بل إشغالهم عن فرائضهم الدينية، سواء في صفوف المتنكرين الذين تأخذ منهم تلك العملية وقتا طويلا، أو في صفوف المتابعين.
هذه قراءة في هذه الظاهرة التي يبدو لي -من وجهة نظري- أنها تحدث خدوشا بالغة في الصورة الجمالية لعيد الأضحى المبارك، وهو المناسبة الدينية التي يطالب فيها المسلم بتجديد الإخلاص والخضوع لله سبحانه، والى التجمل بأحسن الثياب والظهور باجمل حال، والى إعمار أيامها بذكر الله سبحانه، والاكثار من الطاعات، والى تفقد الأحباب والأرحام …..
أخيرا: ألا يمكن التفكير -مادام هذا الطقس يتطور حسب حاجيات الناس وأحوالهم- في صيغ أخرى وأساليب أكثر جدية وتحضرا تحافظ على هذا الاحتفال بشكله التنكري -ولا بأس بذلك- بعيدا عن هذه المحاذير والمخالفات، لأن مناسبة عيد الأضحى جديرة بالترويح عن الأطفال والأسر والتوسعة عليهم، وذلك أيضا من المقاصد الشرعية التي دلت عليها أحاديث كثيرة، منها حديث الجاريتين عند عائشة رضي الله عنها، ومنها حديث لعب الحبشة، ومنها حديث تشريع العيدين، وفيه أن الأنصار اعتادوا الاحتفال واللعب في يومين من السنة، فأبدلهم الله بالأضحى والفطر، وهذا يعني أن العرف حاضر مقبول مرعي إذا انضباط للشرع.



