وزير سابق يحذر من تعميق أزمة التقاعد ويدعو إلى إصلاح متوازن

هوية بريس-متابعات
قال الوزير السابق والمحلل الاقتصادي عبد السلام الصديقي إن إصلاح أنظمة التقاعد بالمغرب أصبح ضرورة ملحة تفرضها التحولات الديموغرافية والمالية، غير أن نجاحه يظل رهينا بتحقيق توازن دقيق بين متطلبات الاستدامة المالية وضمان العدالة الاجتماعية وحماية الحقوق المكتسبة للمتقاعدين والأجراء.
وأوضح الصديقي، في مقال رأي بعنوان “إصلاح أنظمة التقاعد: بين الإكراه المالي ومتطلبات العدالة الاجتماعية”، أن معاشات الشيخوخة تشكل إحدى أهم أدوات الحماية الاجتماعية عبر العالم، مسجلا أن أغلب الدول تعتمد أنظمة قائمة على التضامن الجماعي وتمويل مشترك بين العمال وأرباب العمل والدولة، بهدف ضمان دخل كريم للمسنين والحد من الفقر والهشاشة.
وأشار إلى أن أنظمة التقاعد تواجه عالميا تحديات متزايدة، أبرزها الشيخوخة الديموغرافية وارتفاع متوسط العمر المتوقع، إضافة إلى ضعف التغطية الاجتماعية في العديد من البلدان النامية، وهو ما يضع ضغوطا متزايدة على التوازنات المالية للصناديق التقاعدية. كما أن العديد من الحكومات اضطرت إلى رفع سن التقاعد أو زيادة الاشتراكات أو مراجعة طرق احتساب المعاشات، وهي إجراءات غالبا ما تثير جدلا اجتماعيا واسعا.
وبخصوص الحالة المغربية، أبرز الصديقي أن إصلاح سنة 2016، الذي شمل أساسا نظام المعاشات المدنية، ساهم في إبطاء تدهور الوضعية المالية للصندوق المغربي للتقاعد وإطالة عمر احتياطاته، من خلال الرفع التدريجي لسن التقاعد وزيادة نسبة الاشتراكات وتعديل طريقة احتساب المعاشات. غير أنه اعتبر أن هذا الإصلاح لم يعالج الاختلالات الهيكلية العميقة للمنظومة، كما تعرض لانتقادات بسبب تحميل الموظفين العموميين الجزء الأكبر من كلفته.
وسجل أن منظومة التقاعد بالمغرب ما تزال تعاني من التشتت وتعدد الأنظمة، في وقت تشير الدراسات الاكتوارية إلى أن إصلاح 2016 لم يؤد سوى إلى تأجيل الأزمة، بسبب تزايد أعداد المتقاعدين بوتيرة أسرع من أعداد المساهمين، ما يهدد التوازن المالي للصناديق على المدى الطويل.
كما لفت إلى أن الحكومة أعادت منذ سنة 2025 إطلاق المشاورات بشأن إصلاح هيكلي شامل يقوم على إحداث قطبين رئيسيين للتقاعد، عمومي وخاص، غير أن المفاوضات مع الشركاء الاجتماعيين ما تزال تواجه صعوبات مرتبطة بكيفية توزيع كلفة الإصلاح بين الدولة والأجراء وأرباب العمل، فضلا عن مطالب النقابات بضمان حماية الحقوق المكتسبة والقدرة الشرائية للمتقاعدين.
وأكد الوزير السابق أن التحدي الأكبر لا يقتصر على إصلاح الجوانب المالية للأنظمة الحالية، بل يشمل أيضا توسيع قاعدة المنخرطين وإدماج العاملين في القطاع غير المهيكل والمستقلين والمقاولين الذاتيين ضمن منظومة التقاعد، مبرزا أن عددا كبيرا من المسنين في المغرب ما يزالون خارج أي تغطية تقاعدية.
وخلص الصديقي إلى أن الإصلاح الحقيقي لمنظومة التقاعد ينبغي أن يجمع بين توحيد الأنظمة القائمة وضمان استدامتها المالية وتوسيع التغطية الاجتماعية، بما يتيح بناء نظام أكثر إنصافا وقدرة على ضمان حياة كريمة للمغاربة بعد التقاعد.



