الناقد مصطفى الطالب: أفلام تستفز مقدسات المغاربة و”الهاكا” يجب أن تتفاعل مع شكايات المغاربة

19 يونيو 2026 08:29

الناقد مصطفى الطالب*: أفلام تستفز مقدسات المغاربة و”الهاكا” يجب أن تتفاعل مع شكايات المغاربة

 

هوية بريس – حاوره: عبد الصمد ايشن

 

1ــ باعتباركم ناقدا فنيا وسينمائيا، ما تقييمكم بشكل عام للإنتاجات التلفزية الرمضانية؟

بداية أشكركم على إثارة هذه القضايا الهامة، وخاصة ما يتعلق بالجانب الفني والسينمائي. بالنسبة لتقييم البرمجة الرمضانية لهذه السنة، وكما تعلمون رمضان يأتي بإيجابياته وسلبياته، فيما يخص الأعمال الرمضانية.

ومجمل القول بكل موضوعية، كما أقول دائماً، كل سنة يكون هناك شيء جديد على المستوى الفني، على مستوى الإخراج، على مستوى “الديكورات”، حتى على مستوى بعض القضايا. مثلاً هذه السنة كانت قضايا الاتجار في الأطفال، وهذا أمر مهم جداً كموضوع، كذلك قضايا المخدرات.

يعني هناك شيء من الجديد على المستوى الفني، على المستوى العام يمكن أن نقول هناك تطور، هناك شيء جديد، ولكن من وجهة نظر نقدية، عندما تأخذ كحلقات، كمسلسلات، تقول أنه هناك شيء من التكرار، هناك شيء من السطحية في تناول المواضيع، لا يكون هناك عمق إذا صح التعبير.

وكما قلت، التكرار هو ما هذه الدراما الاجتماعية كمواضيع اجتماعية، حيث يسقط الكاتب أو المخرج في التكرار. لا أريد ذكر الأسماء، ولكن على الأقل ثلاثة أعمال مثلاً كررت نفسها، ثم تجد مثلاً حلقة متميزة وأخرى غير متميزة، حلقة فيها أداء جيد، وأخرى فيها “إطالة” فقط لتمر الحلقات.

وهناك شيء آخر إيجابي، أعتقد أن بعض الوجوه الفنية، كممثلات وممثلين، أبدعوا بشكل كبير لأنهم تقمصوا أدواراً جديدة، وهذا مهم جداً، لأننا ربما اعتدنا رؤيتهم في أدوار معينة، والآن في أدوار جديدة.

 

2ــ من الأمور الجديدة هذه السنة أن وزير الثقافة المهدي بنسعيد منع “السيتكومات” خلال رمضان، ما رأيكم في هذا القرار؟

صحيح، ربما الوزير عنده معطياته، ولكن على المستوى الفني التوجه له انتقادات كثيرة. لأن “السيتكوم” له خصوصيته التقنية والفنية، بينما نرى فقط عمل كوميدي فيه تهريج، فيه “صراخ”، وبالتالي كل سنة يتم انتقاد هذه السيتكومات.

فأعتقد أن هذا القرار كان جريئاً، رغم أنه في بداية الألفية، تقريباً 2003 أو 2004، كانت هناك “سيتكومات” في المستوى. ولكن في السنوات الأخيرة سقطت في التكرار والسطحية والكوميديا المبتذلة.

 

3ــ من بين المسلسلات التي أثارت جدلا واسعا مسلسل “بنات لالة منانة” الذي بثته القناة الثانية، لأنه تضمن مشاهد مخلة وإساءة مباشرة للحجاب الشرعي. من الناحية الفنية، هل كان هناك داعٍ لمثل هذه المشاهد لكي تكتمل القصة، أم أنها تحمل رسالة رمزية؟

التعامل مع  -الحجاب والتدين- لم يكن احترافيا ولا موضوعيا.. المتدين ليس هو تلك النمطية التي نراها، سواء في الأفلام الأمريكية أو المصرية، حيث يُصور دائما كشخص متشدد أو متطرف، وهذا غير صحيح..

سأقول لك بصراحة، في الموسم الأول، أنا شخصياً نوهت بذلك العمل، لأنه قدم شيئاً جديداً، ديكوراً جديداً، قضايا جديدة، خاصة ما يتعلق بالمرأة. ولكن هذا الموسم، بكل صدق، لم نر شيئاً جديداً. ربما الجديد هو دخول منتج جديد فرض بعض الأمور التي أساءت للعمل. العمل لم يكن متميزاً فنياً، بالعكس، رأينا التكرار، نفس الشخصيات، نفس الأداء، نفس الأحداث، لم يكن هناك تطور للشخصيات، وحتى الأحداث لم تكن مشوقة.

الجديد ربما هو مشكل الحجاب والتدين، وأنا أعتقد أن التعامل مع هذه المسألة لم يكن احترافياً ولا موضوعياً. المتدين ليس هو تلك النمطية التي نراها، سواء في الأفلام الأمريكية أو المصرية، حيث يُصور دائماً كشخص متشدد أو متطرف، وهذا غير صحيح. كان يمكن معالجة هذه المسألة بطريقة أخرى، لأنها تمس معتقد المجتمع المغربي.

 

4ــ الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، المعروفة بـ”الهاكا”، رفضت كل الشكاوى التي توصلت بها بخصوص هذا المسلسل، وقالت إن المسلسل لم يتضمن ما يتجاوز قواعد حرية التعبير والتواصل الجماهيري. في هذا الصدد، ما هي حدود حرية الإبداع الفني؟

هذا إشكال كبير، مسألة حرية الإبداع تُطرح بشكل واسع، ولكن فيها مغالطات. الفنان أو المخرج حين يخرج يقول: “هناك حرية الفن”، وكأنها حرية مطلقة. لا، لا توجد حرية مطلقة.

أنا أقولها دائماً: الإبداع نابع من رؤية ثقافية. هذا المخرج أو كاتب السيناريو لديه رؤية ثقافية، إما أن تكون هذه الرؤية نابعة من البيئة التي يعيش فيها وتحترمها وتحترم معتقداتها، وهذا لا يعني أنه لا يحق له طرح تساؤلات، بالعكس، من حقه أن يثير قضايا، ولكن بطريقة إيجابية.

وهناك من يؤمن بحرية الإبداع ولكن في انفصال تام عن البيئة الثقافية. نحن نعيش في بلد له مؤسساته ودستوره، والإسلام جزء من مرجعيته. الدستور يكفل حرية الإبداع، لكن هناك ضوابط.

قانون الاتصال السمعي البصري واضح: لا يجب المساس بالمؤسسات الدستورية، ولا بالوحدة الترابية، ولا بالحياء العام، ويجب احترام الدين الإسلامي.

إذا كنت كمبدع تؤمن بهذا، ستعرف حدودك. أما إذا أردت أن تمارس استفزازاً مجانياً، فهذا شيء آخر. أنا أؤمن أن العمل الفني هو رؤية ثقافية نابعة من تصور للإنسان وللوجود. إما أن يكون المبدع مرتبطاً بمجتمعه، أو منفصلاً عنه. للأسف، القلة القليلة من المبدعين اليوم تؤمن بأن الفن رسالة. في السابق، كان هناك مخرجون وممثلون يرون الفن كرسالة للدفاع عن قضايا المجتمع، وليس فقط للربح أو الشهرة.

اليوم نعيش في ظل العولمة، التي ألغت الحدود الثقافية، وهناك هيمنة ثقافية عالمية، وشركات إنتاج كبرى تحاول فرض قيم معينة. إذا كنا سنقول إن حرية الإبداع تعني تعرية ممثلة أو إدخال مشاهد جنسية فقط لأنها “حرية”، فهذا لا يمثل المجتمع المغربي. نحن مجتمع له ثقافته وهويته، حتى وإن كان منفتحاً ومعتدلاً، لكن هناك ضوابط.

 

5ــ ننتقل إلى مثال آخر، فيلم “جوج رواح”، الذي يندرج ضمن أفلام الشباك، تضمن مشاهد مخلة، وتناول موضوع تحوُّل الرجل إلى امرأة والعكس. ما رأيكم في هذا الفيلم؟

أولاً، هذا ليس أول فيلم يتناول هذا الموضوع، هذا الأمر قديم، حتى في المسرح كان يحدث، خاصة عندما لم تكن هناك ممثلات. لكن الإشكال اليوم ليس في تقمص الأدوار، بل في الرسالة. اليوم هناك طرح لقضايا مثل التحول الجنسي والشذوذ، وهذا ما يثير التساؤل: هل نحن ذاهبون في هذا الاتجاه؟

أما بالنسبة لأفلام الشباك، فهي تحاول استقطاب الجمهور، لأن القاعات السينمائية تعاني من ضعف الإقبال. اليوم، حتى الفيلم الذي ينجح، لا يتجاوز بضع مئات الآلاف من المشاهدين، وهذا رقم ضعيف مقارنة بالماضي. يمكن أن يكون لها جانب إيجابي إذا كانت كوميدية هادفة. المشكلة أن الكوميديا اليوم أصبحت سطحية، تعتمد على الصراخ والحركات فقط.

الكوميديا الحقيقية يجب أن تحمل رسالة، وتكون مبنية على سيناريو قوي.

 

6ــ ننتقل إلى فيلم “مطرود من رحمة الله” للمخرج هشام العسري، الذي أثار جدلاً بسبب مشاهد داخل فضاء يشبه المسجد مع تلاوة القرآن ولقطات حميمية. ما تقييمكم لهذا الفيلم؟

أنا شاهدت الفيلم، وهشام العسري مخرج مبدع، لا أحد ينكر ذلك، وله رؤية فنية متميزة، ويقدم سينما مختلفة عن السائد. لكن هذا النوع من السينما ليس موجهاً للجمهور العام، بل لفئة لديها ثقافة سينمائية. يمكن أن نصنفه ضمن سينما التجريب، لكن رغم ذلك، هناك انزلاقات.

عندما تُستخدم آيات قرآنية في سياق معين، أو يتم تصوير المتدين بشكل نمطي، فهذا يخلق إشكالاً. حتى لو قال المخرج إن الفيلم “خرافة”، فالخرافة تعتمد على الرموز، والرموز لها دلالات قوية..

الفيلم يحمل عنوانين، بالعربية والإنجليزية، والعنوان الإنجليزي مأخوذ من أغنية قديمة، ولا علاقة له مباشرة بمضمون الفيلم. القصة في حد ذاتها قوية، تتحدث عن كاتب يريد تحقيق النجاح، ويتأثر بشخصية تشبه سلمان رشدي. لكن طريقة المعالجة هي التي تطرح الإشكال.

أولاً، الفيلم باللغة الفرنسية، وهذا يخلق قطيعة مع الجمهور المغربي، لأن اللغة تحمل ثقافة، والتفكير بالفرنسية ليس كالتفكير بالعربية أو الدارجة.

ثانياً، الشخصيات ليست مغربية بالكامل، وهناك ممثلون أجانب، وهذا يطرح تساؤلات.

ثم إن الفيلم يدخل في مواضيع حساسة: القرآن، الدين، المسجد، وهذه أمور يجب التعامل معها بحذر.

عندما تُستخدم آيات قرآنية في سياق معين، أو يتم تصوير المتدين بشكل نمطي، فهذا يخلق إشكالاً. حتى لو قال المخرج إن الفيلم “خرافة”، فالخرافة تعتمد على الرموز، والرموز لها دلالات قوية. لا يمكن تبرير ذلك بالخرافة. لأن الرسائل موجودة، والمشاهد يفهمها. وهذا ما جعل بعض المشاهدين يشعرون بالإساءة.

 

7ــ حتى أنتم شعرتم بأن هناك إشكالات داخل هذا العمل؟

نعم، بطبيعة الحال. وأنا أكرر، لا نسقط في النمطية في التعامل مع الإسلام أو مع الدين أو مع المتدين. حتى ولو كان هناك شخص متشدد أو متطرف، يجب أن يتم تناول ذلك بحساسية كبيرة. ليس لأنه حصل على دعم أجنبي، يمكنه أن يقدم عملاً لا علاقة له بالمجتمع المغربي. لأن الدعم الأجنبي غالباً ما يفرض شروطه.

 

8ــ في هذا السياق، هناك جهات تعلن عن تمويل الأفلام السينمائية، هل هذا التمويل يقدم بشكل سخي دون أجندات؟

لا يمكن أن نقول إنه سخي بشكل مطلق، هناك معايير فنية واحترافية. لكن عندما لا يحصل المخرج على دعم كافٍ محلياً، يضطر للبحث عن تمويل خارجي. وهنا تبدأ الشروط، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. قد لا يقول لك الممول صراحة ماذا تفعل، لكن هناك توجيه في طريقة المعالجة، خاصة في قضايا مثل الدين أو المرأة أو المجتمع. المخرج هو الذي يقدم مشروعه، ولكن عندما يتم قبول المشروع، تكون هناك توجيهات في المعالجة.

وفي كثير من الأحيان نجد أن الأفلام التي تمول من الخارج تحمل صوراً نمطية عن المجتمعات العربية، سواء في علاقة الرجل بالمرأة أو في مسألة الدين. وهذا ليس فقط في صندوق الفرنكوفونية، بل في عدة جهات. أنا أقول: حتى لو ذهبت إلى دعم أجنبي، لا يجب أن تنسلخ عن ثقافتك وهويتك.

 

9ــ ننتقل إلى موضوع الجوائز التي تمنح في المهرجانات السينمائية، هناك من يرى أن الجوائز تذهب غالباً للأفلام الجريئة، خاصة تلك التي تتناول مواضيع حساسة، ما تفسيركم؟

هذا صحيح جزئياً، في بعض المهرجانات، وليس كلها. هناك أفلام مغربية جيدة حصلت على جوائز لأنها طرحت قضايا مهمة. لكن أيضاً هناك أفلام حصلت على جوائز لأنها قدمت صورة سلبية عن المجتمع، أو تناولت مواضيع مثل الشذوذ أو الدين بطريقة معينة. هناك بعض المخرجين، خاصة الذين درسوا في أوروبا، عندما يقدمون أفلاماً عن المغرب، يركزون فقط على البؤس والفقر والمشاكل. دائماً نفس الصورة: الفقر، المعاناة، المرأة المضطهدة، الدين ضد المرأة… وهذا غير موضوعي.

المغرب اليوم تطور في عدة مجالات، وهناك نجاحات كبيرة، شباب ناجح، نساء ناجحات. نحتاج إلى صورة متوازنة، لا أن نظل في “البؤس”. هناك مغاربة ناجحون في الخارج، مهندسون، أطباء، شخصيات مؤثرة، حتى في مجلات عالمية يتم تصنيف مغربيات ضمن الأكثر تأثيراً. بعض الأعمال للأسف تقدم رؤية استشراقية، كأنها موجهة للخارج فقط.

 

10ــ المخرج هشام العسري قال في تصريح إن “النقاد يعرفون فقط السكر في المهرجانات”، ما رأيكم؟

سامحه الله. لا أعرف السياق الذي قال فيه ذلك، ربما أُخرج من سياقه. لكن مع ذلك، لا ينبغي قول مثل هذا الكلام، احتراماً للنقاد. النقاد موجودون في المهرجانات، يحضرون، يناقشون، يكتبون، وليسوا كما قيل.

مكانة الناقد في المغرب ما زالت ضعيفة نسبياً. هناك نقاد موضوعيون، يكتبون بصدق، وهناك آخرون يتجنبون النقد الصريح. لكن بشكل عام، النقد موجود، ويتم استدعاء النقاد في الندوات والمهرجانات، لكن تأثيرهم في تغيير الواقع ما زال محدوداً.

 

11ــ أستاذ مصطفى، هذه الولاية الحكومية أوشكت على الانتهاء، وستأتي حكومة جديدة ووزير ثقافة جديد. ما الرسالة التي توجهونها له؟

شكراً على هذا السؤال، لأنه مهم جداً. سأركز على نقطتين أو ثلاث:

أولاً، يجب إعادة الاعتبار للثقافة كفعل تغييري في المجتمع. يجب القطع مع الابتذال والتهريج، لأن الثقافة في هذا البلد تضررت كثيراً، وكذلك الكتاب.

يجب إعادة الجمهور إلى الفضاء الثقافي، وإعادة دور الجامعة، لأن لها دوراً أساسياً في هذا المجال.

ثانياً، مسألة الصناعة السينمائية والدرامية، يجب أن يعمل الوزير الجديد على إحداث هذه الصناعة بشكل فعلي.

يجب دعم المنتوج الوطني، مع احترام حرية الإبداع، ولكن في نفس الوقت إبراز الخصوصية الثقافية والهوياتية للمغرب. مع الحفاظ على الهوية والقيم الحضارية، مع الانفتاح على العالم. لا نريد الانغلاق، ولكن أيضاً لا نريد الذوبان. اليوم حتى في أوروبا وأمريكا اللاتينية وآسيا، هناك توجه نحو حماية الخصوصيات الثقافية في مواجهة العولمة.

نريد مبدعين يطرحون الأسئلة، يواكبون التطور، لكن دون التخلي عن المقومات الأساسية.

لأن هذه المقومات هي التي تجعلنا مغاربة، بهويتنا وثقافتنا وتوازننا. المغربي بطبيعته يميل إلى التوازن: يحافظ على هويته، وفي نفس الوقت ينفتح على العالم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

*مصطفى الطالب: ناقد فني وسينمائي، حاصل على شهادة الدكتوراه بكلية الآداب بالرباط.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
24°
25°
السبت
24°
أحد
26°
الإثنين
33°
الثلاثاء

كاريكاتير

حديث الصورة