سجال العدل والإحسان مع العدالة والتنمية وسؤال البديل السياسي

سجال العدل والإحسان مع العدالة والتنمية وسؤال البديل السياسي
هوية بريس – سعيد الغماز
تسببت تصريحات أخيرة لمرشد جماعة العدل والإحسان، في سجال مع حزب العدالة والتنمية، اشتدت حدته في وسائل التواصل الاجتماعي. ففي حوار له في بودكاست رجل ومسار، اعتبر محمد عبادي، أن جماعته حذرت حزب العدالة والتنمية من الدخول في الانتخابات، وأن الواقع أكد أن الحقيقة كانت بجانب الجماعة.
المعروف تاريخيا، أن كلا من حركة التوحيد والإصلاح وجماعة عبد السلام ياسين، كانت لهما قراءات مختلفة حول الشأن السياسي في البلاد. كل تيار اختار منهاجه، ودخلت الحركة إلى الساحة السياسية من بوابة حزب العدالة والتنمية، فيما ظلت جماعة العدل والإحسان متشبثة بمواقف مؤسسها عبد السلام ياسين رحمه الله.
لكن التصريحات الأخيرة لمرشد الجماعة محمد عبادي، تطرح أكثر من سؤال لأنها كانت بدون مقدمات، وفي وقت اختارت كل جماعة طريقها في العمل السياسي في احترام تام للموقف الآخر. والحكمة تقول إن حزب العدالة والتنمية اختار طريقه في الساحة السياسية، وجماعة العدل والإحسان اختارت طريقا مغايرا. فلا الجماعة يمكنها إقناع الحزب بمنهجها، ولا الحزب يمكنه إقناع الجماعة بخياراته. ويجب على الكل احترام توجه الآخر. فلماذا خرج مرشد الجماعة للحديث عن حزب العدالة والتنمية في مرحلة دقيقة بالنسبة إله، لأنها تصريحات أتت في فترة استعداد الحزب للانتخابات.
تشير الكثير من التحليلات السياسية أن حزب البيجيدي، استطاع تجاوز نكبة انتخابات 2021، ويشكل الآن منافسا سياسيا قويا، الأمر الذي جعله يتعرض لحملة قوية من خصومه السياسيين. ومن الطبيعي أن يضع حزب العدالة والتنمية، تصريحات محمد عبادي، في خانة استهداف عمله الكبير استعدادا للانتخابات المقبلة. فنحن أمام حزب سياسي وليس جماعة دعوية.
وما زاد الطين بلة في صحن بنكيران، هو لغة محمد عبادي التي تنسب للجماعة أنها على صواب وتمثل الحقيقة، وأن حزب العدالة والتنمية على خطأ. عين الحكمة تقول إن محمد عبادي كان عليه توضيح صوابية مواقفه من خلال مواقف جماعته وليس من خلال إدراج حزب سياسي مخالف لتوجه جماعته. الأمر الذي أثار حفيظة بنكيران، فقام برد قوي كما يفعل مع خصومه السياسيين. وهو رد طبيعي من أمين عام حزب سياسي يمارس السياسة كما هو متعارف عليها عالميا.
جماعة العدل والإحسان ليست حزبا، وهي تُصرح بأنها لا تكترث للانتخابات ولا تعتبر الشروط متوفرة في نظرها، للدخول إلى الساحة الحزبية. لكن تصريحات أمينها العام جعلها، من حيث تدري أو لا تدري، تنخرط في حملة الانتقادات التي يتعرض لها أمين عام البيجيدي عبد الإله بنكيران. هذا الأخير يُمثل حزبا سياسيا وليس جماعة دعوية، وكان من الطبيعي أن يتعاطى بنكيران مع تصريحات محمد عبادي بنقد سياسي قوي كما يفعل مع باقي خصوم حزبه السياسيين.
الشيء الغير طبيعي، هي تصريحات محمد عبادي الذي لا يمثل حزبا سياسيا، بل يمثل جماعة دعوية، وينخرط في صراعات سياسية مرتبطة بالانتخابات التي لا تتعلق إلا بالأحزاب التي تنخرط في الفعل السياسي والحزبي.
تحليل بسيط لانتقادات مرشد جماعة العدل والإحسان لحزب العدالة والتنمية، تجعلنا نخلص إلى أن الهدف منها لا يخرج عن دائرة احتمالين: الاحتمال الأول مرتبط بتوقيت تصريحات محمد عبادي في فترة انتخابية بامتياز، وهو ما يفيد أن مرشد جماعة عبد السلام ياسين، انضم لخصوم حزب العدالة والتنمية، ووضع قدمه في تربة انتقادات الحزب، خوفا من أن يحقق البيجيدي نتائج جيدة ليعلن رسميا عن تجاوز نكبة 2021 ويسترجع قوته ووهجه السابق.
الاحتمال الثاني مرتبط بواقع جماعة العدل والإحسان. هذه الأخيرة، تجتهد من أجل الخروج من الصورة النمطية التي التصقت بها كجماعة دعوية وتربوية، بل هناك من يصنفها كجماعة صوفية. توجيه الانتقادات لحزب سياسي انخرط في العمل الحزبي، واستطاع أن يحقق موقعا أساسيا، إن لم يكن رئيسيا، من بين باقي الأحزاب السياسية، من شأنه أن يعزز موقع الجماعة في الساحة السياسية الوطنية. هكذا يمكن اعتبار تصريحات مرشد الجماعة، تدخل في إطار خلق سجال مع حزب له مكانته السياسية، وهو ما سيفتح لجماعة العدل والإحسان، تغيير صورتها النمطية كجماعة دعوية، إلى صورة فاعل سياسي من بوابة حزب العدالة والتنمية.
لبلوغ هدف الفاعل السياسي بدل الجماعة الدعوية، أنشأت جماعة العدل والاحسان في البداية، الدائرة السياسية وجعلت لها ناطقا رسميا يُبلِّغ للرأي العام مواقف الجماعة في قضايا الشأن السياسي. لكن هذه الخطوة لم تحقق الأهداف التي ترجوها الجماعة، التي بقيت حركة يغلب عليها الطابع الدعوي والتربوي في مخيال الرأي العام. فعمدت إلى دباجة ورقة سياسية، تلخص آرائها ومواقفها من القضايا السياسية. ولإنجاح هذه المحطة المهمة بالنسبة للجماعة، استدعت نخبة من المفكرين والسياسيين، للتداول في هذه الورقة السياسية.
الغريب في هذه الخطوة، هو أن الجماعة لا تعترف بالنظام السياسي القائم، ولا تريد الانخراط في الحياة الحزبية وفق قراءتها الخاصة للوضع السياسي في البلاد، لكنها استعانت بنخب منخرطة في الحياة الحزبية، وفي الانتخابات وفي الحياة السياسية في إطار النظام القائم. كل ذلك، من أجل أن تجد الجماعة لها موطأ قدم في الحياة السياسية. رغم تلك الجهود، وصبر الجماعة للانتقادات اللاذعة من طرف نخبة فتحت لهم بنفسها باب مقرها ليقولوا كلمتهم في ورقتها السياسية، لم تفلح الجماعة في بلوغ تلك القوة الاقتراحية التي تنشدها، كجماعة تشتغل في السياسة وليست جماعة تشتغل فقط في مجال الدعوة والتربية.
هذه الوضعية المتأرجحة، بين التشبث بفكر المؤسس عبد السلام ياسين رحمه الله، والبحث عن موقع في الساحة السياسية كما هو الشأن بالنسبة لحزب العدالة والتنمية، جعل جماعة العدل والاحسان تعيش رجة فكرية وتأرجحا في الموقف السياسي الذي أوقعها في الغموض بخصوص القضايا السياسية الكبرى في البلاد، كطبيعة الحكم وشكل الممارسة السياسية. ولعل تصريحات سابقة لمرشد الجماعة عن موقفه من الخلافة كأسلوب في الحكم، خير دليل على هذا التأرجح.
الأكيد هو أن الوضع الحالي لبلادنا، يمكن أن يكون أفضل مما هو قائم. كما أنه على الرغم من وجود اختلالات، أفضل مما يمكن أن تقوم به بعض القوى التي تتقن فن الانتقاد دون الابداع في الحلول، اللهم كلمات عامة وجمل فضفاضة. لكن الفعل الذي يمكن أن تتقدم به البلاد، وتتجاوز الاختلالات، هو الانخراط في العمل الحزبي، والتدافع مع باقي القوى بما فيها قوى الفساد والمصالح الشخصية، من أجل بناء مستقبل أفضل.
فماذا تمتلك جماعة العدل والإحسان من حلول وبرامج لبناء هذا المستقبل الواعد للملكة المغربية.
تجربة حركة التوحيد والإصلاح، بعد دخولها المعترك السياسي من بوابة حزب العدالة والتنمية، جعلها تدرك منطق الدولة، وتُطور فهمها للعلاقات الدولية، وتتأقلم مع روح النقد كمكون أساسي لأي ممارسة سياسية. في حين نجد أن جماعة العدل والإحسان لا تستسيغ النقد، خاصة إن طال فكر مؤسسها عبد السلام ياسين رحمه الله. وسبب ذلك هو عدم تمييزها بين نقد فكر من صنع بشري، وبين نصوص دينية مقدسة. وهو ما يفسر خلط الجماعة بين موقع الدعوة وموقع السياسة، بين النص المقدس والواقع المتغير.
الآن تجد الجماعة ضالتها في انتقاد الوضع القائم، وإبراز الاختلالات، مصحوبة بالهروب من توضيح رؤية الجماعة بكل وضوح من النظام وطبيعة الحكم. لكن السؤال الجوهري في هذا المضمار هو مدى قدرة الجماعة على إعطاء حلول واقعية ورؤية واضحة للتصحيح الاختلالات التي تنتقدها في كل وقت وحين. هل الجماعة باستطاعتها أن تنخرط مع النخب الوطنية لإنتاج حلول للإشكالات؟ هل تملك الجماعة قوة كافية في العلاقات الدولية بإمكانها تعزيز موقع البلد في الساحة الدولية؟ والسؤال الجوهري هو هل تستطيع الجماعة إنجاز ما هو أكبر مما وصلت إليه البلاد في الصناعة والموانئ والطاقات المتجددة والسياحة والبنيات التحتية….؟
إذا كانت حركة مجتمعية لا تملك النخب الضرورية لتحقيق أكثر مما هو مُنجز على أرض الواقع، فيمكنها أن تجلس كل الوقت في مدرج المتفرجين، وتنتقد كما تريد وبالقوة التي تريد، فهو وضع مريح لإخفاء أي ضعف أو عجز. لكن يبقى كل ذلك بدون أثر على المجتمع في غياب القدرة على بناء نخب قادرة على تشكيل قوة اقتراحية تتفوق على ما هو قائم. في حين اختار حزب العدالة والتنمية، الانخراط مع باقي النخب الحزبية والسياسية، والتدافع معها للدفع بالبلاد نحو ما هو أفضل، والاجتهاد في إعطاء الحلول ومقاومة الاختلالات وفق منظور “إن أردت إلا الإصلاح ما استطعت”. وهو ما ينسجم مع طبيعة الفكر الإصلاحي والمصلحة الوطنية.
لم يستمر حكم الإخوان المسلمين في مصر أكثر من سنة، والسبب هو عدم اهتمام الجماعة بمعطى أساسي متعلق بالعلاقات الدولية في عالم تشابكت فيه مصالح الدول. فتركيا أردوغان ساندت القضية المشروعة لحكم مرسي رحمه الله، لكنها اضطرت إلى تغيير سياستها ولم تستطع الصمود أمام ضغط دولي تقوده الدول المتحكمة في دواليب العالم، لأن العلاقات الدولية تحكمها المصالح، وتركيا في حاجة إلى تحصين ما أنجزته من نجاحات تنموية واقتصادية منذ 2001. وفي بلدنا المغرب، بعد صراع شديد أفرز ما يوصف بسنوات الرصاص، قام عبد الرحمان اليوسفي بمراجعة مواقف الحزب اليساري لتتماشى مع مصلحة الوطن، وانخرط في حكومة التناوب. قد يكون الحزب تضرر كثيرا، لكن الوطن ربح تماسكه، وبقي يقف على أرضية يمكنها أن تحقق مستقبلا أفضل من الحاضر إن توفرت نخب قادرة على ذلك في ظل ما هو قائم. هكذا تطورت البلدان والأمم كما هو شأن سنغافورة وماليزيا والصين والهند وتركيا.
فبين إرث المؤسس عبد السلام ياسين، وطبيعة الواقع السياسي المتغير، هناك فجوة أدخلت الجماعة في الغموض، وقد يكون الحل في تحرر فكر الجماعة من منهاج المؤسس عبد السلام ياسين رحمه الله، وتستعمل ذكاء أطرها وفكر نخبها لتقرر بمنطق الواقع وليس بمنطق الأحلام والرؤى.



