الحلف بالله… بين التعظيم والتساهل

28 يونيو 2026 14:23

الحلف بالله… بين التعظيم والتساهل

هوية بريس – د. صلاح الدين المراكشي

شرع الله تعالى الحلِف باسمه الكريم لتأكيد الخبر أو نفيه عند الحاجة، وجعله وسيلة لإثبات الحقوق وصيانة الصدق بين الناس. والأصل في المسلم أن يُعظِّم اسم الله تعالى، فلا يحلِف به إلا عند الحاجة، مستحضرًا جلال الله وعظمة اسمه، ومدركًا أن اليمين ليست مجرد لفظ يجري على اللسان، بل عبادة لها حرمتها وأحكامها. ومن المهم أن يُعلم أن أحكام الحلِف بالله ليست على مرتبة واحدة، وإنما تختلف باختلاف المقاصد والأحوال. فقد يكون الحلِف واجبًا إذا كان سبيلًا لإثبات حق أو دفع ظلم، كالحلِف أمام القاضي لإحقاق الحقوق، أو لإنقاذ نفس من الهلاك. وقد يكون مكروهًا إذا تعلق بترك طاعة أو معروف، كأن يحلف الإنسان ألا يصل رحمه، أو ألا يقدم خيرًا. أما إذا كان الحلِف كذبًا، سواء بقصد الغش والخداع وأكل أموال الناس بالباطل، أو بالحلِف على فعل أمر لم يفعله ! أو بالحلف على نفي أمر قد فعله في الواقع ! فإن ذلك من أعظم المحرمات، وتسمى يمينه بـ يمين الغموس؛ لأنها تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار، كما ورد في الحديث النبوي الشريف.

ولشدة خطرها لم يجعل الله لها كفارة تمحو إثمها، وإنما الواجب على صاحبها أن يبادر إلى التوبة النصوح، ويكثر من الاستغفار، ويرد الحقوق إلى أصحابها إن ترتب على يمينه ظلم أو ضياع حق، إذ لا تكتمل التوبة مع بقاء حقوق العباد معلقة في الذمة. ومع وضوح هذه الأحكام، فإن مما يؤسف له أن كثيرًا من الناس قد تساهلوا في الحلِف بالله، حتى أصبح اليمين يجري على ألسنتهم في الكبير والصغير، بل وفي الأمور التافهة، وأصبح بعضهم يتخذه وسيلة لتحقيق المكاسب المادية، أو للتخلص من المسؤولية، أو لإقناع الآخرين بصدق كلامه دون حاجة. وقد نهى الله تعالى عن هذا المسلك بقوله: (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ) أي لا تكثروا من الحلِف، ولا تجعلوا اسم الله وسيلة لتحقيق الأغراض الدنيوية أو العادات الجارية على الألسنة. ومن صور هذا التساهل أيضًا التهاون في كفارة اليمين عند الحنث.

فقد يحلف الإنسان على فعل شيء أو تركه، ثم يخالف يمينه، ولا يؤدي الكفارة التي أوجبها الله تعالى، مع أن الله سبحانه قال: (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان). أما ما يجري على اللسان من غير قصد عقد اليمين، كقول بعض الناس : “والله تفضل”، أو “والله كُل” …فمثل هذا من لغو اليمين؛ كما في الأثر عن عائشة رضي الله عنها انها قالت : أُنزلت هذه الآية: ( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) المائدة : 89 في قول الرَّجُل: لا والله، وبلى والله. [ البخاري برقم : 613 4].

وهذا النوع لا إثم فيه ولا كفارة. كما يخطئ بعض الناس في فهم كفارة اليمين، فيظنون أن الواجب عند الحنث هو صيام ثلاثة أيام مباشرة، بينما جعل الله الصيام آخر مراتب الكفارة، فلا يُصار إليه إلا عند العجز عن إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، وهذا الخيار الثالث لم يعد ممكناً؛. لان الإسلام حرص منذ مجيئه على تحرير الإنسان، وحفظ كرامته، وقضائه على الرق. قال تعالى: ( فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم …)

إن تعظيم اسم الله تعالى من دلائل كمال الإيمان، ومن أعظم مظاهره حفظ اللسان عن كثرة الحلف، والصدق في اليمين، والوفاء بها، وأداء الكفارة عند الحنث. ولذلك ختم الله تعالى آية الكفارة بقوله: (واحفظوا أيمانكم)، وهي وصية جامعة تدعو المؤمن إلى صيانة يمينه، وتعظيم اسم ربه، وألا يجعل اسم الله عرضة للتهاون أو الاستهانة، حتى يبقى الحلف بالله في موضعه الذي شرعه الله، تعظيمًا له، وإجلالًا لاسمه، وصيانةً لحرمة اليمين.

 

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
25°
26°
الإثنين
26°
الثلاثاء
32°
الأربعاء
34°
الخميس

كاريكاتير

حديث الصورة