هل يخفي الصراع بين العدل والعدالة أزمة نسق التنظيمين؟

03 يوليو 2026 08:47

هل يخفي الصراع بين العدل والعدالة أزمة نسق التنظيمين؟

هوية بريس – بلال التليدي

شهران قبل الاقتراع التشريعي تفجر نقاش حاد بين الإسلاميين حول جدوى المشاركة السياسية في إحداث التغيير السياسي في المغرب.

رسالة بعث بها الأمين العام لجماعة العدل والإحسان محمد عبادي للعدالة والتنمية يحذرهم فيها من خوض الانتخابات لمرة أخرى، ويذكرهم فيها بصوابية اختيار العدل والإحسان، ويؤكد بأن جماعته كانت تتوقع منذ البداية محدودية قدرة العدالة والتنمية على تنفيذ الإصلاحات التي وعد بها عقب فوزه في انتخابات 2011 معتبرا أن المشاركة في البنية السياسية القائمة آنذاك لم تمكنه من معالجة ملفات الفساد والاستبداد أو إحداث أي تغيير حقيقي.

رد العدالة والتنمية جاء على لسان الأمين العام لحزب العدالة والتنمية لم يتأخر، فقد أعاد التأكيد أن التجربة المشاركة السياسية لحزبه لم تفشل، وأن حزبه كان على صواب وأن جماعة «العدل والإحسان» فشلت، لأنها لا تقدم أي مقترح سياسي، وهي غائبة وغير موجودة في الساحة السياسية ولا تخرج إلا في المناسبات تتحدث فيها ثم تعود للاختفاء.

حملة كبيرة اندلعت بين أنصار التنظيمين عقب هذه التصريحات، انطلقت من تقييم مختلف لجدوى المشاركة السياسية، وانتهت إلى ملاسنات تجاوزت أحيانا آداب الاختلاف حول خط الحركتين الإسلاميتين وإنجازاتهما في الساحة السياسية، لولا تدخل أصوات للحكمة تدعو كل جماعة إلى احترام خط الجماعة الأخرى، والتفكير في مناطق الاتفاق بدل توسيع محاور الخلاف.

في واقع الأمر، لا يقدم هذا النقاش أي جديد يذكر، فقد ظلت العلاقة بين التنظيمين لعقود محكومة بهذا النقاش: العدل والإحسان، ترى أن المشاركة في العملية السياسية بدون توفر الشروط التي تضمن إمكان حصول التغيير السياسي الحقيقي، مجرد عبث يعيد إنتاج الاستبداد، و»التوحيد والإصلاح»، مع «العدالة والتنمية»، يريان أن الانتظارية لا يمكن أن تعدل الشروط، وأن تعديلها يتطلب المشاركة السياسية ومنافسة القوى السياسية التي تدعم الجمود والتحكم.

جديد النقاش، لا يتعلق بالجانب النظري، وإنما بتقييم التجربة، أي تقييم «العدل والإحسان» لعشر سنوات من قيادة العدالة والتنمية للتجربة الحكومية، وتقييم العدالة والتنمية لواقع ومستقبل العدل والإحسان بعد وفاة مرشدها الشيخ عبد السلام ياسين.

«العدل والإحسان» أضافت إلى حجتها النظرية تقييمها لواقع ممارسة العدالة والتنمية السياسية من موقع رئاسة الحكومة، وبشكل خاص هزيمتها الانتخابية سنة 2021، فالحزب -بنظرها- بعد عشر سنوات من قيادة الحكومة، لم ينجح في محاربة الفساد والاستبداد، وأخرج من واقع السياسة بشكل مهين ضمن المرتبة الثامنة، و»العدالة والتنمية» أضاف إلى حجته النظرية واقع الانتظارية والغياب الذي أصبح يسم علاقة العدل والإحسان بالسياسة، فلا هي قامت بالقومة التي بشر بها مرشدها العام عام 2006، ولا هي نجحت في تكوين جبهة لإسقاط النظام (جبهة جميعا من أجل الخلاص) ولا هي نجحت في الوصول إلى ميثاق يجمع كل الفضلاء الديمقراطيين، ولا هي استثمرت لحظة 20 فبراير التي انسحبت منها بعد فشل خطوات التنسيق بين مكوناتها، ولا هي جعلت من الأزمات الاجتماعية فرصتها لتنزيل رهانها السياسي بتغيير النظام السياسي.

يبدو هذا النقاش مفيدا حتى لو أن بعض مظاهره تعطي إشارات على وقوع انزياح فكري وسياسي وأخلاقي ينسف بعض القواعد التي حاول التنظيمان بناءها في تأطير العلاقة بين الطرفين لأكثر لعقدين من الزمن، لكنه في المقابل، يكشف أن الطرفين يعيشان أزمة نسق عميقة، ويريد كل طرف أن يخفيها بانتقاد الآخر.

«العدل والإحسان» تعيش أزمة رهان سياسي منذ أكثر من ثلاثة عقود، فقد أثبتت تجربتها أن أفقها السياسي تبخر تماما، فقد وقعت في حرج شديد بعد رؤيا 2006 التي بشر فيها المرشد العام بالقومة في المغرب، وطرح سؤالا عميقا حول النسق العرفاني للجماعة، والذي جسدته العلاقة بين السياسة والرؤى الصوفية، فاضطرت إلى البحث عن أجوبة من المصادر الصوفية نفسها (ابن عطاء الإسكندري) للخروج من المأزق، ثم جاءت لحظة حراك 20 فبراير، فدخلت الجماعة بكل قوتها في فعالياتها بتنسيق مع قوى اليسار، ثم اضطرت للانسحاب بعد عدم قدرتها على تحمل كلفة هذه المشاركة، وظهور مؤشرات على فشل رهان إسقاط النظام، ثم جاءت لحظة وفاة المرشد لينطلق نقاش داخلي، حول مركزية الصحبة في فكر الجماعة، وهل الحياة شرط في الشيخ المصحوب أم لا، وهل خط الجماعة يلزم بالبحث عن شيخ آخر غير المرشد الراحل عبد السلام ياسين ، أم أن الجماعة تفضل القفز على هذا الإشكال المركزي في مسارها.

«العدالة والتنمية» بدورها تعيش أزمة عميقة، فقد اختارت نهج المشاركة السياسية، وكانت أهم دفوعاتها أن المشاركة تحقق المصلحة، وتسمح بتقدم الإصلاحات على حساب لوبيات الفساد المهينة، وتخلق شروطا للدمقرطة في مقابل هيمنة التحكم.

تجربة عشر سنوات كانت مهمة لأنها على الأقل أشاعت ثقافة سياسية مجتمعية، تقوم على مبدأ المحاسبة والمساءلة والنقاش العمومي، وضمنت للعدالة والتنمية، وربما لأول مرة في تجربة المغرب السياسية أن يحقق نجاحا انتخابيا سنة 2016 على قاعدة الإنجاز الحكومي.

الأزمة في نهج العدالة والتنمية لم تظهر إلا في بعد البلوكاج الحكومي (إفشال تجربة تشكيل حكومة عبد الإله بن كيران)، إذ تباينت الرؤى داخل الحزب نفسه، ووقع الخلاف في بنيته الداخلية، فرأى البعض أن سبب الفشل يعود إلى انزياح عن خط أطروحة النضال الديمقراطي، ورأى البعض الآخر، أن الصراعات الداخلية، وعدم دعم حكومة سعد الدين العثماني، هو ما سهل الانقضاض عليها وتركها معزولة حتى من مناصريها من أبناء التنظيم.

يبدو التقييم مختلفا، فابن كيران، الذي خرج من تجربته الحكومية منتصرا في انتخابات 2016، يرى الإشكال في انزياح رفقائه من بعده عن قواعد الخط، مما سهل إفشال التجربة، مما يعني أن المشكلة ليست في المشاركة، بل في نوعها، وأن نجاح تجربة 2011-2016 يدعم هذه الحجة، بينما يرى مخالفوه داخل العدالة والتنمية، أن الفشل في اقتراع 2021، يعود إلى عطب في آلة الإصلاح، وعدم جاهزيتها لخوض الاقتراع بسبب الخلافات التي مزقت أطرافها.

في جميع الأحوال، تبدو أزمة العدل والإحسان أعمق، لأنها لم تنتج في واقع السياسة أي مبادرة ناجحة، بخلاف العدالة والتنمية فعلى الأقل تجربته الأولى شهد الجميع بنجاحها، بدليل اقتراع 2016 الذي بوأ الحزب المكانة الأولى بفارق مهم من المقاعد، لكن، بالنظرة الإجمالية، فقد أتت مرحلة ما بعد 2021 على كل مكاسب العدالة والتنمية، وبدت تجربة الحزب كما ولو أنها لم تكن بالمرة، بل أحيانا استغلت بعض مكاسبها (إصلاحات صندوق المقاصة) بشكل بشع لإرهاق قدرات الشعب على تلبية حاجاته الحيوية دون أن توضع إجراءات تحمي المجتمع.

في المحصلة هناك أزمة نسق عميقة في التنظيمين تتفاوت طبيعتهما، واللحظة السياسية لا تسمح بالنقاش حولها، فـ»العدل والإحسان» تريد التغطية عن أزمتها بلفت الانتباه إلى أزمة العدالة والتنمية، والعدالة والتنمية، يتطلع إلى البناء على لحظة 2016 ونسيان مرحلة 2017-2021، فلذلك يعتبر محطة 2026 اختبارا مهما لإبعاد شبح سؤال جدوى المشاركة السياسية عن بوصلته، ذلك السؤال الذي فجرته هزيمة 2021، ولا يزال أثره ممتدا إلى الآن.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
29°
31°
السبت
31°
أحد
31°
الإثنين
32°
الثلاثاء

كاريكاتير

حديث الصورة