الاستدلال بالقفز: مقال قديم للدكتور عبد الله الحلوي نموذجا

الاستدلال بالقفز: مقال قديم للدكتور عبد الله الحلوي نموذجا
هوية بريس – أمين ابحيحي
يُنسى من المقالات ما نُسِيَ أثرُه
حثَّنِي العملُ بهذه العبارة على تسطير نقدٍ أرجو أن يكون مختصرًا لمقالٍ طوَى من الزمن ثمانيَ سنوات، وهو مقالٌ للدكتور عبد الله الحلوي عنوانُه “ردُّ العربية إلى أصلها الأمازيغي” وقد نُشِرَ على جريدة “هسبريس” الرقمية. ولمعرفتنا بمكانِ الدكاترة المغاربة من العلمِ وحبهم له وحرصهم على التحقيق العلمي لا على الهوى الزائف، نقول إننا نكتبُ لمن حملَ رأيَ الدكتور القديم، واثقين بأن الدكتور نفسه قد غيره لما زادَ بصرُه واستنارت بصيرته، فهو كغيره من الأكاديميين المغاربة في التاريخ واللغة وغيرهما محبٌّ للحقيقة العلمية، غير متبع لهوى هذه الحركة وتلك، لعل الأكاديميين في دولٍ أخرى يتعلمون منه ومن غيره، ولذلك ننبه القارئ إلى أنَّ المقصود من النقد هنا الزعم الذي يطرحه المقال، لا الكاتب، وإنما كتبنا في نقد مقالٍ قديم لما رأينا بعضَ رواد مواقع التواصل يعيدون نشره ويأخذون بما فيه.
ملخصُ المقال (وهو ملخص لا يغني عن القراءة) أنَّ اللغة العربية فرعٌ عن اللغة السامية الأم (Protosemitic)، وهذه السامية الأم لهجةٌ من لهجات اللغة الأمازيغية بصورتها الأقدم التي تكلمها الهوموسابين (Homosapiens)، وقد ركنَ الدكتور في هذا المزعم إلى أدلة سنعرضُ بعضَها ونتعرضُ له بما هو حقُّه من النقد، وليعذرنا الدكتور المحترم الباحث عن الحقيقة، فلسنا إلا آخذين بالعبارة التي أوردها بنفسه: “الوظيفة الأساسية لكل فكر نقدي هي وضع خطوط التباين بين ما هو أيديولوجي وما هو علمي”.
ساقَ الدكتور أولَ أدلته، وهو أن أقدم جمجمة للإنسان العاقلِ وُجِدَت في المغرب، أي “إنسان إيغود”، وهذا في الحقيقة لا يوصَفُ إلا بأنه غِراء كبير (ولتَضُم لتفهم!) ألصقَ به الكاتب مُتباعِداتٍ ببعضها، يبدو منه أن الدكتور خبيرٌ في القفز، لأنه في استدلاله قفزَ عدةَ قفزاتٍ خَفِيَت عنه (ولم يُخْفِها، فهو دكتور باحث، بل بَحَّاثٌ عن الحقيقة)، ومسارُ الاستدلالِ الذي انتهجه الأستاذ وخَفِيَ عنه هذا:
أقدم إنسان عاقل موجود في المغرب ← بما أنه عاقل فلا بد أن له لغة ← هذه اللغة ينبغي أن تكون هي اللغة الموجودة في نفس مكان تواجده ← اللغة الموجودة في ذلك المكان هي الأمازيغية ← لغته هي الأمازيغية.
ثم يضيف إليها طبقة أخرى من الغِراء، مسارُ الاستدلال فيها هكذا:
بما أن “إنسان إيغود” أقدمُ إنسان عاقل فلا بد من أننا أقرباء له ← بما أننا أقرباء له فلا بد من لغاتنا متفرعة عن لغته ← لغته هي الأمازيغية ← اللغات الإفريقية الآسيوية المعاصرة متفرعة عن الأمازيغية.
كل سهمٍ في هذين الاستدلالين متروكٌ من دون حجةٍ ولا برهان في طرحِ الدكتور، بذلك تعرفُ أن الدكتور قفزَ سبعَ قفزاتٍ على الأقل في جملة واحدة هي قوله: “تشهد كل الأدلة إلى أن الأمازيغية هي أم اللغات الإفريقية الآسيوية. يشهد على ذلك…اكتشاف أقدم جمجمة للإنسان العاقل في جبل إيغود (متصرف فيه، عد للمقال)”، ولا نشك أن الدكتور لم يهدف إلى تسويغ أطروحته بالفراغ، فهو عالم أكاديمي، ولذلك لا شك أنه أراد بهذا الاستدلال أن يأتي بطريقة جديدة في الحجاج، سأسميها “الاستدلال بالقفز”.
ولقليلٍ من التفصيل لمن يحتاجه نقول: من أين جاء الدكتور بأن بين لغةِ إنسانِ إيغود ولغاتنا نسبًا؟ دع أن تكون لغته شكلا قديما من إحدى لغاتنا. في اللسانيات المقارنة التي يتوسل بها (وربما إليها!) الكاتبُ تعجزُ إعادة البناء عن تجاوز حاجز عشرة آلاف سنة تقريبا، وبعد ذلك تجدُ الضباب والعماء، وتجدُ اللسانيين يختصمون في قبولِ ما يتجاوزُ هذه المدة بقليل، لكن الدكتور – بالعبقرية المورية التي يفتقدها المؤدلجون – عرفَ أشياء عن لغة عمرها 300 ألف سنة! لقد تجاوز حدودَ العلمِ الصارم بثلاثين مرة!
وقس على ذلك باقي قفزاته، فمن أين للدكتور بأن يقول إن البشر الموجودين في نفسِ موضعِ إنسان إيغود هم بالضرورة مرتبطون به نسلًا أو عمومةً أو لغةً مثلا؟ أم أن التاريخ البشري لا يعرفُ الهجرات ولا الاحتلالات ولا الإبادات ولا الانقراضات؟ فإن تبين أنهم مرتبطون به نسلًا، فهل يُجعَلُ ذلك دليلا على ارتباط لغوي؟ ألا تُسَوِّغُ الحركة الأمازيغية ضجيجَها بأن العرب سلبوا ثلاثة أرباع المغاربة لغتهم؟ فكيفَ له أن ينفي وقوع مثل هذا لأحفاد إيغود في زمنٍ ما من تلك الثلاثمئة ألف سنة؟ بل كيف ينفي تكرار وقوعه في أزمنة كثيرة؟ أعني انقراض لغة وظهور أخرى في موضع واحد.
ولئلا يُقال إنني أُقَوِّلُ الدكتور ما لم يقل، أذكر أنه أنهى كلامه في أحد أمثلته بقوله: “كلمة “الجنة” إذن تطورت من لغة إيغود عبر المراحل التالية: معنى الثبات في المكان الواحد، إلى معنى الشجرة، إلى معنى الغابة، إلى معنى البستان ونحوه، إلى معنى “الجنة” بمعناها الديني الراهن.” اهـ فهذا نصٌّ صريحٌ في أن الدكتور يرى ما يخطُّه مقبولَ النسبة إلى “إيغود”، فليسَ بحثًا في الحدودِ العلمية التي يتفقُ عليها اللسانيون، أو يتجاوزونها في حدود المعقول والمقبول.
كلُّ هذا الغِراء (ولتضُمّ لتفهم!) إنما وقعَ في دليلٍ واحد، وسترى أمثالَه في أدلة أخرى.
طفِقَ الدكتور بعد هذا المدخلِ البَهِيّ يسوقُ أمثلة على كلمات عربية ثم يعيدُها إلى أصل أمازيغي على مسلكِ أهل اللسانيات المقارنة، وقد ساقَ للقارئ القواعد التي يعتمدها أهل هذا المسلك لتأصيل اللغات وتأثيل الكلمات وإعادة بناء اللغات الأمهات المفترضة، وقد عنونَ هذا السَّوْقَ بقوله “نهج في البحث قويم”، وإعلانُ الدكتور أو غيرِه أنه يتوسلُ بمنهجٍ قويمٍ لا يلزمُ منه أن تطبيقَه قويمٌ أيضا، بل لا يلزمُ منه أن منهجَه هذا مناسبٌ لمطلوبِه ابتداءً.
عرضَ الدكتور عدة أمثلة لكلماتٍ عربية يزعمُ أنَّ أصلَها أمازيغي، وقد رأيتَ أن ما يهمني في هذا المقال نقدُ المنهج قبلَ النتائج، لأن القارئَ إذا فهِمَ أسبابَ فسادِ المنهجِ هانَ عليهِ أنْ يرى آثارَه في كل الأمثلة من غيرِ حاجةٍ إلى شرحنا المفصل، وسنتخذُ نموذجًا مثالَيهِ الأولين.
زعم الدكتور أن كلمة “جَنَّة” في اللغة العربية ذاتُ أصلٍ أمازيغي، وسوَّغَ زعمَه بقولِه إن التفسيرات العربية لأصلِ الكلمة ضعيفة، ثم أثَّلَها إلى جذر “كن” أو “جن” في الأمازيغية الذي يدل على الثبات والاستقرار، وهذا طرفٌ من كلامه، يقول: “يوجد متقارب لهذه الكلمات في الأمازيغية وهو تڭانت ⵜⴰⴳⴰⵏⵜ تعني “الغابة” والشجرة، منها ڭان ⴳⴰⵏ التي في أرڭان ⴰⵔⴳⴰⵏ. لكن المثير في الأمازيغية أن للمتقارب أصلا أعمق منه استُمد معنى “الشجرة”، أي النبات الذي لا يبرح مكانه، وهو تاڭانت ⵜⴰⴳⴰⵏⵜ تعني في الأمازيغية القبايلية “الثبات في المكان الواحد” (المادة 271 في معجم الجذور)، منها اشتق معنى “العناد” (فتستعمل تاڭانت بهذا المعنى أيضا) ومعنى “الصلافة”. هذا أصل تاغنّانت ⵜⴰⴴⵏⵏⴰⵏⵜ التاء السابقة للتأنيث والصفة، والجذر غن ⴴⵏ هن نفسه الجذر ڭن ⴳⵏ بعد جعل ياڭ ⵢⴰⴳ احتكاكية.” اهـ
يبدأ الكاتب كلامَه في هذا المثال بخلقِ وهمٍ كبير حول التأثيل العربي للكلمة، فيذكرُ أنَّ فيه تفسيرين، ثم يُضَعِّفُهما، وكأنَّ وجودَ تفسيرين لكلمةٍ واحدةٍ في التراثِ العربي يُساوي ضعفَ هذا التراث وضعفَ تفسيراته، ونحبُّ أن نسأل الدكتور: هل تخلو اللسانيات المقارنة التي تتوسل بقواعدها (أو إليها!) من تضاربِ تفسيرين أو أكثر للكلمة الواحدة؟ فإذا كان، أترى إذن أن هذا يحكمُ بضرورةِ إيجادِ تفسير ثالث خارج اللغة المدروسة؟ أم أن هذا طبعي في العلوم! الدكتور يضخم الخلاف ليقول إنه لا حلَّ له إلا الاستعانة بالأمازيغية.
ويقعُ الدكتور مع ذلك في خطأ غريب، وذلك أنَّه يجعلُ “إمكان بناء سلسلةٍ” منطلقةٍ من جذر، دليلًا على “وجودِ هذا الإمكان وتحققه في الواقع اللغوي الخارجي”، ويبني استدلاله هكذا:
عندي جذر لغوي← لهذا الجذر معانٍ متعددة ← يمكنني ترتيب هذه المعاني في سلسلة ← إذن سلسلتي هذه هي مراحل تاريخية قطعتها الألفاظ حقًّا.
مجددا يأتي الدكتور بطريقته المفضلة “الاستدلال بالقفز”، فهو لا يفسر لنا كيفَ قفزَ من إمكان ترتيب هذه المعاني، وهو يكادُ يكون لعبةً ذهنية، مثلما يفترض الفقهاء نوازلَ لتمرين الذهن (توفي لرجلٍ جدُّه العاشر فكيفَ يَرِث!)، ليصلَ منه إلى أن هذه سلسلة تاريخية تسوِّغُ ردَّ اللفظ العربي إلى جذر أمازيغي. إنَّ كثيرًا من الترتيبات التي يضعها اللسانيون للجذور القديمة وتسلسلِ ألفاظِها إلى حالتها المعاصرة لا تعدو كونَها فروضًا ذهنية، نعم يُجيزُ العقلُ والمنطقُ أنْ يكون هذا الجذرُ قد تطورَ هكذا ليصل إلى هذه الكلمة المستعملة الآن، لكن هذا فرضٌ ذهني فقط، لا يدلُّ في ذاتِه على تحققه في الخارج، وإثبات هذا التحقق يحتاج في ذاتِه إلى دليلٍ خاص منفصل، إنَّ مَثَلَ الدكتور في هذا كمثلِ من رأى سيارة برتقالية اللون، فقال: “هذه السيارة كانت بلا لون، ثم صُبِغَت بالأحمر، وبعد ذلك وُضِعَ فوقَ الأحمر طلاء أصفر خفيف، ولما اختلطَا نتجَ عنهما لون السيارة البرتقالي”، هذا لعِبٌ عقلي ممتع، وفَرْضٌ ذهني ممكن، لكن أن تقول إنه ما حصلَ حقًّا يحتاج إلى دليلٍ منفصل، وليس الفرضُ دليلًا في نفسِه!
وتذكر: لو أعطينا لجمعٍ من المتخصصين الكلمات التي ساقَها الدكتور ورتَّبَها، وسألناهم ترتيبَها في تسلسلٍ يُفْضي إلى كلمةٍ معاصرة، لخرجَ كلٌّ منهم بترتيب يخالفُ ترتيب صاحبِه، فأينَ بَيَّنَ الدكتور العلةَ التي تجعلُ ترتيبه وتفسيره سائغا دون تفسير غيره؟
من هنا أصلُ إلى المسألة التالية، وهي أنَّ الدكتور إن كانَ قد أثبتَ شيئا، يكون أنَّ مجموعةً من اللغات الإفريقية الآسيوية تشتركُ في كلماتٍ متقاربةِ المبنى والمعنى، لكنه يجعلُ الأمازيغية من بينها كلها “أصلًا” ويجعلُ الباقيات “فروعًا” عنها، ولكن ما الدليلُ الذي جعلَه يختار الأمازيغية دون غيرها؟ أقصى ما يستنتجُ الباحثُ المعتمدُ على “نهجٍ في البحث قويم” من هذا التشابه أن اللغات المذكورة أخواتٌ من هذه الجهة، وقد يصلُ إلى أنَّ أصلَ الكلمات لفظٌ أقدم في لغةٍ أم (اللغة الإفريقية الآسيوية الأم مثلا!)، أما أن يجعلَ إحدى اللغات الموجودة، ولو نسخةً أقدم منها، هي الأم والأخريات أبناء وبنات فهذا لا دليلَ عليه.
قد يقول الدكتور: إن دليلي أنَّني استطعتُ الوصول إلى جذرٍ أبسطَ من غيره في الأمازيغية، ولذلك هي الأصل. أقول: يُجابُ على هذا من وجوه؛ أولُها أنَّ هذا أيضا من باب اللعب الذهني الذي ذكرناه سابقا، إن وصولَك إلى “جذرٍ” أقدم لا يعدو أن يكون عملًا ذهنيًا، أما أن يكون هذا الجذر قد “استُعمِل” كما تفترض (وأحتاط من مسألة استعمال جذر، فإن لي فيها كلاما لا أبسطه هنا)، فهو مسألة تاريخية تحتاجُ إلى إثباتها. والثاني، أنَّك تركزُ في مقالِك على الأمازيغية، ولا تعرضُ ما يمكن لـ”الألعاب الذهنية” أن تصل إليه في غيرها، فيُزعم لغيرها ما يُزعم لها من دون مُرَجِّح. والثالث، أنك تخرجُ في كلامك هذا عن قاعدةٍ قررتها، أعني قاعدة “المعاني البدائية” إذ تقول: “فعادة ما تكون المعاني الأصلية قريبة لحياة الإنسان البدائية الملموسة وتكون المعاني المجردة مشتقة منها بالتجريد أو بأخذها على المجاز. فإذا وجدنا متقاربين س وش يعني أولهما “القلب” (أي “عضلة القلب”) والثاني “الحب”، فالأرجح أن معنى الأولى سابق تاريخيا عن معنى الثانية.”اهـ
ما الأقربُ لهذا التقعيد؟ أن يدل الأقدمُ على الجنة (بمعنى البستان) أو الغابة مثلا، أو أن يدلَّ الأقدمُ على الاستقرار والثبات؟ كيف تجعل الاستقرار والثبات – وهما مفهومان مجردان – أصلا للشجرة والغابة والبستان وهي موجودات محسوسة؟
نجدُ بعد ذلك أنَّ الدكتورَ يُقابلُ ويُقارِنُ بين الأصوات في اللغات التي ذكرها، ويجعلُ بعضَها أصلًا لبعض، كجعلِه الكاف في الأمازيغية تتحول إلى حاء في العربية، وهو ما استندَ عليه في تفسيره كون الأمازيغية أصلًا للضمائر في العربية، ولا أدري، هل يُقيمُ اللسانيون مقارنات انتقائية بين الأصوات؟ أم لا يقبلون إلا ما استند إلى تطابُقات صوتية مطردة، بحيث يكون تحول الكاف الأمازيغية إلى حاء في العربية أو الساميات مطردًا وملحوظًا وكثيرَ الورود؟ أيَّ المسلكين سلكَ الدكتور؟ هل لديه أمثلة مطردة على هذا التحول؟ أم هو مثال وحيدٌ فَذّ أو أمثلة قليلة لا تقوم بالمطلوب؟ وهو هنا، كالسابق، يقفزُ إلى استنتاج أن الأمازيغية أصلٌ للغات التي ذكرها، ولو أخذنا بقولِه ووافقناه في أنَّ الأمازيغية تحملُ صورةً أقدمَ للضمائر من باقي اللغات، لما دلَّ ذلك على أكثر من أنَّها تحتفظُ بصورةٍ للأصل المشترك بين هذه اللغات، لا أنها هي الأصل، فهذه دعوى منفصلة تحتاجُ دليلًا منفصلًا، أما الدكتور فقد سلكَ فيها هذا المسلك:
عندي مجموعة من اللغات تتشابه في الضمائر ← استطعتُ الوصول إلى أن الأمازيغية تحتفظ بأقدم صورة لهذا الضمير ← الأمازيغية أصلُ الضمائر في اللغات الأخرى.
مجددا، أقصى ما يصلُ إليه الباحثُ المعتمدُ على “نهجٍ في البحث قويم”، أنَّ بين مجموعة من اللغات تشابهًا في الضمائر، وهو تشابهٌ ظاهرٌ الآن، أو مندثرٌ بفعل الزمن، ثم يصلُ من ذلك إلى أن بين هذه اللغات نسبًا قديمًا بقِيَ منه هذا التشابه، وأنَّ هذه اللغات تتفاوتُ في قدرِ احتفاظِها بالصورة القديمة للضمير، أما أن يُجعَلَ هذا دليلًا على أنَّ إحداها أصل فهو قفزٌ يحتاجُ إلى دليلٍ منفصل. وقد تُوجَدُ للتشابه الواسع بين اللغات في احتواء الضمير على نون أو كاف تفسيراتٌ أخرى، لأن هذه الأصوات محكومة بما يُحكَم به النطق البشري، لا أنَّ بعضَها أصلُ بعض، وهذا موضعٌ آخر يأخذُ فيه الدكتور بـ”الاستدلال بالقفز”، والله المستعان!
ثم يصنعُ الدكتور صنيعًا أغرب مما قبلَه عند حديثه في اللغات الهندية الأوربية، وذلك أنَّه يتجاهلُ كلَّ فروعِها المخالفةِ لمطلوبِه، ثم يتمسك منها بفرعٍ واحد، يقول: “وبعودتنا إلى هذا المعجم المهم وجدنا أن اللفظ الدال على ضمير المتكلم في اللغة التوكارتية هو näs تبتدأ بالنون متبوعة بالمقطع äs الذي نجده في اللغات الهندو أوروپية الأخرى (يشبهه es في الأرمينية مثلا). مما يعني أن النون ليست دخيلة على الهندو أروپية، بل كانت موجودة ثم اختفت.” اهـ
كيفَ يقبلُ الدكتور أن يغض الطرف عن كل اللغات الهندية الأوربية المخالفةِ لمطلوبِه، ويتمسك بواحدةٍ شاذة عنها؟ ما يصلُ إليه الباحثُ من وجود النون في ضمير المتكلم للغة التوكارتية، وغيابِه في اللغات الأخرى المجاورة، أنَّ هذه حالةٌ شاذة تحتاج إلى تفسير (هذا الصوتٌ إضافة لاحقة مثلا!)، لا أنها أصل، ثم يزيدُ ويُسَوِّغُ هذا الصنيع بقوله: “ومما يزيد في تأكيد هذه النتيجة أن لهذا الضمير في التوركاتية مقابلا مؤنثا هو nuk يتطابق مع الأصل الأمازيغي في النون والكاف كليهما.” اهـ يجعلُ الدكتور التشابه الواقعَ بين الأمازيغية والتوكارتية دليلًا على أنَّ النون الغائبة في اللغات الهندية الأوربية أصيلة! هذه مصادرةٌ على المطلوب، إن الدكتور إنما يحتاجُ إلى إثبات أن النون أصيلة في هذه اللغات بمعزلٍ عن الأمازيغية، ثم يعطينا دليله على أن الأمازيغية تحتفظ بشكلٍ أقدم من هذه اللغات، ثم يعطينا دليله على أن هذا الاحتفاظ يجعلها أصلا، لكنه يجعل التشابه مع الأمازيغية دليلًا على الأصالة مباشرةً! ومسلكُه في ذلك:
الضمائر في الأمازيغية فيها نون ← إذا أثبت أن النون كانت موجودةً في اللغات الهندية الأوربية فهذا سيقربني من مطلوبي ← النون غائبة فيها إلا في اللغة التوكارتية ← تتشابه الأمازيغية والتوكارتية في وجود النون والكاف ← هذا دليلٌ على أن النون أصيلة في اللغات الهندية الأوربية.
إذا وجدَ الباحثُ لغاتٍ متقاربة تتفق، ثم تخالفُها أختٌ واحدة، فإنَّ عدَّه الشاذة منها أصلًا يحتاج إلى تعليل منفصل، أما الدكتور فيعلِّلُ جعلَه الشاذ أصلا بالتشابه مع الأمازيغية، وهذه دائرةٌ كاملة في الاستدلال.
إن كلامَ الدكتور في الضمائر، لا يختلف عن كلامِه في الألفاظ الأخرى، فهو “غِراءٌ كبير جدا”، يتنقلُ الدكتور كابن بطوطة بين البلدان، فيستشهد مرةً بالعربية ومرة بالفينيقية ومرة باليونانية ومرة بالتوكارية، حتى تكلم في نحو عشرين لغة أو تزيد موزعةً على ثلاث قارات، ولسنا نأخذ عليه الكثرة، وإنما نأخذ عليه أنه لم يلتزم معايير واضحة (جغرافية مثلا) أو تطابقات صوتية مطردة في هذا الاستشهاد، فهو ينتقي من كل لغةٍ وجدَها شيئا، واقعًا في (الانحياز التأكيدي)، مرة النون ومرة الكاف ومرة الاستدارة، ولا يُنبِئُنا: لماذا بقيت النون هنا واختفَت هناك؟ ولماذا بقيت الكاف هنا واختفت هناك؟ وما علة الاستدارة هنا وعدمِها هناك؟ إنَّ اللسانيات المقارنة والتاريخية إنما تعتمدُ على قواعد تحول صوتية واضحة، ترصدُ التحول المطرد، وتصفه، وتتنبأ بحصوله، أما الدكتور فيكتفي بالعثور على أي تشابه بين الأمازيغية وبين لغةٍ أخرى، ولو في إشمام، ولو كانت هذه اللغة في آخر الأرض، من دون “نهجٍ قويم”، ويتجاهلُ كُلَّ التجاهل أن الضمائر في هذه اللغات وأُسَرِها تُفسَّرُ من داخلِها تفسيرًا مقبولا، يتسقُ مع لائحة ضمائر تلك اللغة كلها لا مع ضميرين فقط، ويصل اللسانيون منها إلى عائلة (السامية مثلا) ثم عائلة أكبر (الإفريقية الآسيوية مثلا)، ولا يأخذون في مقارنة اللغات مقارنات انتقائية لإثبات أن بعضها أصلُ بعض.
أجدُني عند هذا الحدِّ قد أطلت، وأحسبُ أن ما قدمناه يكفي ليُعطي مثالا على ما يُمكِنُ انتقاد هذا الطرحِ به، والغايةُ من المقال بيانُ طرفٍ من الخطأ الذي قد يقع فيه الأكاديميون – على جلالة قدرهم – ليقتدي بهم الباحثون الشباب – وأولهم أنا – في التراجع عن الأطاريح المتهافتة إذا ظهرَ تهافتُها، والله من وراء القصد.



