إذا كانت خسارةُ مباراةٍ قد أورثتنا كلَّ هذا الحزن… فماذا عن خسارة الآخرة؟

الخسارة الحقيقية.. إذا كانت خسارةُ مباراةٍ قد أورثتنا كلَّ هذا الحزن… فماذا عن خسارة الآخرة؟
هوية بريس – شريف السليماني
لا شك أن كثيرين تابعوا مباراة المغرب وفرنسا، وتأثروا بخسارة المنتخب، وربما شعر بعضهم بشيء من الحزن والانكسار وخيبة الأمل. وهذا في أصله مفهوم؛ فالإنسان يتأثر بما يحب، ويحزن إذا ضاع ما كان يرجوه. وبعد كل خسارة تبدأ التحليلات، وتكثر التعليقات، ويتساءل الناس: من المسؤول؟ هل أخطأ اللاعب الفلاني؟ أم ضيّع آخر فرصة كانت كفيلة بتغيير مجرى المباراة؟ أم أن المدرب لم يوفق في اختياراته؟ أم أن الخلل كان في الخطة كلها؟
لكن السؤال الذي خطر ببالي وأنا أتابع هذا الحزن وهذا الجدل هو: إذا كانت خسارة مباراة كرة قدم قد أورثتنا كل هذا الأسى، فماذا عن الخسارة الحقيقية؟ ماذا عن الخسارة التي لا تتعلق بهدف ضائع، ولا بمباراة تنتهي، بل بخسارة النفس يوم القيامة؟ ماذا عن الخسارة التي وصفها الله تعالى بقوله:
﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾؟
نحن نحزن أحيانًا لخسارات دنيوية عابرة، وربما نبقى أيامًا نتحدث عنها، لكن هل نستحضر بنفس القدر خسارات أخرى أعظم وأخطر؟ هل نتألم إذا فاتتنا صلاة كما نتألم على ضياع مباراة؟ هل نحزن إذا ضاع من أعمارنا يوم بلا طاعة، أو بلا قرآن، أو بلا توبة، أو إذا قسا القلب، أو غلبت الغفلة، أو امتلأت الصحائف بما لا ينفع عند الله؟
كان بعض السلف أرقّ إحساسًا منا بمصائب الدين. ويُروى عن حاتم الأصم أنه قال: فاتتني الصلاة في الجماعة فعزاني أبو إسحاق البخاري وحده، ولو مات لي ولد لعزاني أكثر من عشرة آلاف، لأن مصيبة الدين عند الناس أهون من مصيبة الدنيا.
ولست هنا أقارن بين المصائب من كل وجه، ولكن أقف عند المعنى الذي تكشفه هذه الكلمة: أن القلوب تختلف في موازينها، وأن هناك من كان يرى في فوات عبادة أو طاعة خسارة حقيقية تستحق أن يتألم لها، وأن يراجع نفسه عندها، بينما أصبح كثير من الناس لا يشعر بخسارات دينه كما يشعر بخسارات دنياه.
والقرآن يربينا أصلًا على أن الإنسان في هذه الحياة معرّض للخسران إن لم يتداركه الله برحمته ويهتدِ إلى طريق النجاة. قال تعالى:
﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾.
فالأصل أن عمر الإنسان ينقص، وأن رأس ماله الحقيقي يذوب شيئًا فشيئًا، وأن النجاة من هذا الخسر ليست بالأماني، بل بالإيمان والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر.
ومن هنا، إذا كنا بعد خسارة مباراة نبحث مباشرة عن المسؤول، فمن حقنا أن نسأل أيضًا: من المسؤول عن خسارة الآخرة إن وقعت؟ من المسؤول إذا وقف الإنسان بين يدي الله يوم القيامة خاسرًا نادمًا متحسرًا؟
لو أردنا تقريب الصورة، لجاز لنا أن نقول: إن أعضاء الإنسان وجوارحه أشبه بلاعبين في ميدان الحياة. العين تنظر، والأذن تسمع، واللسان يتكلم، واليد تبطش أو تكتب، والرجل تمشي إلى حيث يأمرها صاحبها. لكن من الذي يقود هذا كله؟ من هو المدرب الذي يوجه هذه الجوارح؟ إنه القلب. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب».
فإذا فسد القلب، فسدت الجوارح تبعًا له، وإذا صلح صلحت. ولهذا فإن خسارة الآخرة لا تقع فجأة، بل تبدأ غالبًا من قلب غفل، أو قسا، أو استسلم للشهوة، أو ضعف فيه تعظيم الله، ثم تتبعه الجوارح بعد ذلك: عين لا تغض، ولسان لا يكف، وأذن تستسيغ الباطل، وقدم تمشي إلى الحرام، ويد تمتد إلى ما لا يرضي الله.
والأخطر من هذا كله أن هذه الجوارح التي استُعملت في المعصية ستتحول يوم القيامة إلى شهود على صاحبها. قال تعالى:
﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
ويقول سبحانه:
﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾.
تأمل هذا المشهد جيدًا: الإنسان الذي كان في الدنيا يبرر، ويجادل، ويدافع عن نفسه، ويُلقي باللوم على غيره، سيأتي يوم يُختم فيه على فمه، وتتكلم أعضاؤه نفسها بما فعلت. فلا يعود السؤال يومها: من المسؤول؟ لأن الشهود من داخل الجسد نفسه، ولأن الحقيقة تنكشف كاملة بلا رتوش ولا أعذار.
ومن أعظم ما يصور الخسارة الحقيقية في القرآن تلك المشاهد التي تكشف لحظة انكشاف الحقيقة على الإنسان، حين يدرك متأخرًا أنه أضاع الفرصة. ومن أول هذه المشاهد مشهد الموت. قال تعالى:
﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّا﴾.
ما الذي يطلبه الإنسان في تلك اللحظة؟ هل يطلب مالًا أو منصبًا أو حياة أكثر رفاهًا؟ لا. إنه يطلب شيئًا واحدًا: الرجوع، فقط ليتدارك ما ضيعه، وليعمل صالحًا فيما ترك. لكن الجواب يأتي حاسمًا: ﴿كَلَّا﴾. انتهى وقت العمل، وبدأ وقت الحساب.
ثم يأتي مشهد الميزان، حيث تتجلى الخسارة في صورة أخرى مرعبة. قال الله تعالى:
﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ ۚ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم﴾.
وفي موضع آخر يقول سبحانه:
﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾.
وقد يخسر الإنسان في الدنيا أشياء كثيرة ثم يعوضها، لكن ماذا لو خسر نفسه يوم القيامة؟ ماذا لو وقف عند الميزان فرأى حسناته خفيفة، وأعماله لا تنجيه، وما جمعه في الدنيا من انشغالات وصراعات لا ينفعه في تلك اللحظة شيئًا؟
ومن مشاهد الخسارة التي تهز القلب أيضًا، مشهد من أُعطي كتابه بشماله، فيصيح:
﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ مَا أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾.
هنا يسقط كل ما كان الإنسان يظنه قوة وسندًا: المال لا يغني، والجاه لا يغني، والسلطان لا يغني، ولا يبقى إلا العمل. وهنا تتجلى الخسارة في صورتها العارية: لا شيء ينفع إلا ما قُدِّم لله.
ومن المشاهد التي لا تقل إيلامًا، مشهد الندم على الطريق الذي اختاره الإنسان، وعلى الصحبة التي قادته إلى الضياع. قال تعالى:
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾.
كم من إنسان ستكون خسارته بسبب “فلان”: صديق، أو رفقة، أو بيئة، أو صحبة جرته بعيدًا عن الذكر، وأضعفت صلته بالله، ثم تركته يوم القيامة وحيدًا مع حسابه وندمه.
ثم يأتي مشهد ٱخر من أشد مشاهد الخسارة تأثيرًا: مشهد أهل النار وهم يصرخون من داخلها، لا يطلبون ملكًا ولا متاعًا، وإنما يطلبون فرصة واحدة فقط ليعملوا صالحًا. قال تعالى:
﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ۚ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ۖ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾.
هذا هو موطن الخسارة الذي ينبغي أن يزلزل القلب. إنهم لا يطلبون إلا أن يرجعوا، لا ليستمتعوا، ولا ليتوسعوا، بل فقط ليعملوا صالحًا غير الذي كانوا يعملون. لكن الجواب يأتي: أولم نعمركم؟ أولم نعطكم من العمر ما يكفي للتذكر؟ أولم تأتكم النذر؟ أولم تُفتح لكم أبواب التوبة؟
وهنا يعود السؤال الأول من جديد: إذا كنا نحزن اليوم على خسارة مباراة، ونشعر بالأسى لأن حلمًا رياضيًا ضاع، فماذا عن الخسارة التي تجعل صاحبها يقول عند الموت: رب ارجعون؟ وماذا عن الخسارة التي تجعل الإنسان يصيح: ياليتها كانت القاضية؟ وماذا عن الخسارة التي تجعل الإنسان يعض على يديه ندمًا؟ وماذا عن الخسارة التي تجعل أهل النار يصرخون: ربنا أخرجنا نعمل صالحًا؟
لا أقول هذا لأمنع الناس من الفرح أو الحزن في أمور الدنيا، ولكن لأقول: رتبوا أحزانكم وفق ميزان الإيمان. لا تجعلوا خسارة الدنيا تهزكم، بينما خسائر الدين تمر باردة على القلوب. لا تجعلوا ضياع مباراة يفتح فيكم أبواب التحليل والمراجعة، بينما تضيع الصلاة، ويقسُو القلب، وتضعف الصلة بالقرآن، وتتراكم الذنوب، ثم لا تهتز النفوس بالقدر نفسه.
ما دمنا في زمن المهلة، وما دام باب التوبة مفتوحًا، وما دمنا نستطيع أن نصلي، ونستغفر، ونتصدق، ونراجع أنفسنا، ونثقل موازيننا، ونرد المظالم، ونختار الصحبة الصالحة، فلا ينبغي أن نؤجل. لأن أخطر ما في الخسارة الحقيقية أنها لا تُكتشف أحيانًا إلا حين لا يبقى مجال للتدارك.
فليسائل كل واحد منا نفسه: ما الذي أخسره كل يوم ولا أشعر؟ ما الذي ينقص من ديني وأنا غافل؟ ما الذي يضعف في علاقتي بالله وأنا منشغل؟ وهل أنا ممن إذا جاءه الموت قال: رب ارجعون؟ أم ممن أعدّ لهذا اليوم ما استطاع، ورجا الله أن يثقل ميزانه، ويستر عيوبه، ويجعله من المفلحين لا من الخاسرين؟
نسأل الله تعالى ألا يجعلنا من الخاسرين، وألا يرينَا يوم القيامة ما يسوءنا، وأن يرزقنا قلوبًا حية، وأعمالًا تثقل الموازين، وخواتيم حسنة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.


