تشبيه المرأة المطلقة أو الأرملة بـ”السيارة المستعملة”!

هوية بريس – إحسان الفقيه
من أشد العبارات قسوة وانحطاطا.. أن تُشبّه المرأة المطلقة أو الأرملة بـ”السيارة المستعملة”!
ليس لأنها تجرح امرأة بعينها، بل لأنها تكشف عن خلل أعمق بكثير؛ خلل في تصوُّر الإنسان نفسه….
فالسيارة تُشترى لاستهلاك منفعتها، وكلما استُعملت نقصت قيمتها….
أما الإنسان فلا تزداد قيمته ولا تنقص بما مرّ عليه من تجارب، وإنما بما يحمله من إيمان، وخُلُق، وعلم، ووفاء، وصبر، وكرامة….
وهنا تظهر عظمة الإسلام.
لقد نزلت رسالة الإسلام على النبي محمد صلى الله عليه وسلّم في زمن كانت المرأة تُورث كما يُورث المتاع، وتُباع، وتُشترى، وتُحرم من حقها في اختيار حياتها، فجعلها الله نفسا كاملة، لها ذمة مستقلة، وإرادة مستقلة، وحقوق مستقلة….
ولذلك لم يسأل القرآن في أيّ آية من آياته الكريمة:
كم تزوجت؟
ولم يسأل:
هل هي بكر أم ثيب؟
ولم يجعل تاريخها الزوجي ميزانا لكرامتها…
حين شبَّه بعض الناس المطلقة بالسلعة المستعملة، لم يسيئوا إلى امرأة بعينها، بل ناقضوا أصلا قرآنيا عظيما؛ فالله كرَّم الإنسان لكونه من بني آدم…
وما كرَّمه الله لا يجوز أن يُهان بأعراف البشر، ولا أن تُنزع عنه كرامته لأن عقد زواج انتهى…
بل قال الرحمن الرحيم يا غِلاظ القلوب والمنطق: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
وقال القادر على أن يُخرس ألسنة الظالمين إلى يوم القيامة: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ …
إنها ثورة كاملة في معايير القيمة الإنسانية….
ولعل أعظم ما يلفت النظر أن هذه الثورة لم تبق نصوصا، بل تحولت إلى سلوك عملي قاده النبي ﷺ بنفسه….
فأول امرأة اختارها زوجة له كانت السيدة خديجة بنت خويلد، وكانت قد سبقه إليها زوجان.
ثم لم يتزوج بعد ذلك من الأبكار إلا السيدة عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها وعن أبيها….
أما بقية أمهات المؤمنين، فَكُن بين أرملة ومطلقة، بعضهن أمهات لأطفال، وبعضهن فقدن أزواجهن في ميادين الجهاد، وبعضهن خرجن من تجارب إنسانية قاسية….
ولو كانت الثيب تُنقص قدرا، لما اختار الله لنبيه أن يكون أكثر بيوته عامرا بهن…
ولكان أول من تجنب ذلك رسول الله ﷺ….
لكنه فعل العكس….
ليُعلن بالفعل قبل القول أن المرأة لا تُقاس بماضيها، وإنما بحقيقتها….
ثم انظر إلى المجتمع الذي ربُاه النبي ﷺ.
– حين استُشهد زوج حفصة بنت عمر، لم يعتبر والدها عمر بن الخطاب أن ابنة سبق لها الزواج قد انتهت فرصها، بل عرضها على خيرة رجال الأمة: أبي بكر ثم عثمان، ثم تزوجها النبي ﷺ.
لم يكن ذلك انتقاصا منها… بل كان تشريفا لها.
ولم يكن أحد يرى في الزواج من أرملة تنازلا… بل كان يرى فيه شرفا.
– وتأمل سيرة أسماء بنت عميس.
تزوجت أولا جعفر بن أبي طالب، فلما استشهد تزوجها أبو بكر الصديق، فلما توفي تزوجها علي بن أبي طالب… رضي الله عنهم جميعا ..
ثلاثة من أعظم رجال الإسلام.
فهل كانوا يرون أنهم يتزوجون امرأة “ناقصة” “مُستعملة” أو نصف امرأة؟!
أم كانوا يرون إنسانة كريمة تستحق الحياة، والسكينة، والأسرة، والاحترام؟
– وكذلك عاتكة بنت زيد، تزوجت عبد الله بن أبي بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم الزبير بن العوام… عليهم رضوان الله جميعا..
لم ينظر إليها أحد بوصفها “امرأة انتهت فترة صلاحيتها”.
بل كانت موضع رغبة خيرة رجال الأمة….
ولم يكن معيارهم عدد الزيجات، بل صلاح المرأة وفضلها.
وليس هذا مجرد موقف اجتماعي… بل هو انعكاس لرؤية عقدية.
فالإنسان في الإسلام لا يُختزل في حدث واحد….
– التائب ليس أسير ماضيه…
– والمذنب ليس سجين خطيئته….
– والمريض ليس هويته مرضه…
– والفقير ليس قيمته ماله…
– والمطلقة لا يُعيّرها أهل المروءة بطلاقها…
لأن الإسلام لا يعرف ثقافة “الوصمة”…. بل يعرف ثقافة “البداية الجديدة”…
ولهذا جاءت سورة الطلاق كلها تبني الأمل بعد الانكسار….
وتكرر الوعد الإلهي:
﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾.
﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾.
حتى تبلغ ذروتها في قوله تعالى:
﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾.
وكأن القرآن يقول لكل من انتهت صفحة من حياته:
لا تظن أن الكتاب انتهى….
* إن الأمم تُعرف بالمعايير التي تقيس بها الناس.
فإذا أصبحت قيمة المرأة مرتبطة بغشاء، أو بزواج سابق، أو بعدد التجارب التي مرت بها، فإننا نكون قد عدنا إلى منطق السوق، لا إلى منطق الوحي…
أما الإسلام، فقد حرر الإنسان من أن يكون سلعة….
وجعل كرامته ثابتة لا تتغير بتغير ظروفه….
ولهذا فإن سؤالا من نوع: هل من العار أن نتزوج من مطلقة أو أرملة؟
فهذا حسمه الإسلام منذ أربعة عشر قرنا..
أما السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا هو:
كيف تجرأ بعض المسلمين على إعادة إحياء معايير الجاهلية بعد أن هدمها القرآن الكريم؟
* إن المرأة التي انتهى زواجها لم تنته حياتها….
ولم تنقص إنسانيتها…. ولم يُفقدها الطلاق شيئا من كرامتها.
فالذي يُنقص الإنسان حقا ليس أن يمر بتجربة زواج أو عدّة تجارب زواج لم يُكتب له الاستمرار فيها او التوفيق، بل أن ينظر إلى عباد الله بعينٍ لم يتعلم صاحبها كيف ينظر إليهم بعين الإسلام…



