جغرافيا الجواسيس.. كيف رُسمت خرائط المغرب بأقنعة محلية لتمهيد الغزو؟

هوية بريس – متابعات
في مفارقة تاريخية مثيرة، يكشف الخبير التربوي الدكتور حميد لحنيكات كيف أن جغرافية المغرب الحديثة رُسمت بأيادي جواسيس أوروبيين خلال القرن التاسع عشر. هؤلاء المغامرون تخفوا بأزياء محلية لاختراق القبائل وجمع معطيات دقيقة، شكلت لاحقاً بنك أهداف للجيوش الكولونيالية لغزو البلاد.
وينطلق الدكتور لحنيكات في قراءته التحليلية من أطروحة جادة، مفادها أن مادة الجغرافيا في جزء من تمثلاتها الحالية لم تُطبخ في مختبرات علمية محايدة، بل صيغت في دهاليز الاستخبارات الإمبراطورية على يد رجال ارتبطوا بمشاريع التوسع الأوروبي.
تفاصيل الاختراق.. رحالة بأقنعة دينية ومهام استعمارية
ويوثق الخبير التربوي تفاصيل هذا الاختراق الميداني، مشيراً إلى تسلل المستكشف الفرنسي “شارل دي فوكو” متخفياً في زي حبر يهودي يُدعى “الحاخام جوزيف”. حيث استطاع خلال عام كامل (1883-1884) جمع أدق التفاصيل التضاريسية التي تحولت لاحقاً إلى “دليل غزو” متكامل للجيش الفرنسي.
ولا يقف الباحث عند الأطماع الفرنسية، بل يستحضر في مقاله توظيف ألمانيا للمستكشف “جيرهارد رولفس” الذي ادعى الإسلام وتسمى بـ”مصطفى” لاختراق العمق المغربي. إلى جانب الجيولوجي “أوسكار لينز” الذي ارتدى عباءة طبيب عثماني لرصد الثروات المعدنية، والإسباني “غاتيل” الذي تسمى بـ”القائد إسماعيل”.
“… حينها فقط، نتحول من مستهلكين لـ«جغرافيا الجواسيس» إلى منتجين لمعرفة وطنية حقيقية، تعيد للمغرب سلطته العلمية والسيادية على مجاله وتاريخه”.
– الخبير التربوي الدكتور حميد لحنيكات.
ويُميط الأكاديمي المغربي اللثام عن خطورة مشاريع هؤلاء الجواسيس، أمثال “مولييراس” و”فريش”، مبرزاً كيف هندسوا مفاهيم جيوسياسية خطيرة كـ”بلاد المخزن وبلاد السيبة”. وهي مفاهيم رُسخت لضرب الوحدة الوطنية وإعادة رسم المجال المغربي بمنظار يخدم سياسة التفريق الاستعمارية.
قراءة في التداعيات.. دعوات لتحرير المناهج من الرواية الكولونيالية
ويرى مراقبون أن أهمية الطرح الذي يقدمه الدكتور لحنيكات تتجاوز السرد التاريخي لتلامس صلب الحقل التربوي، عبر الدعوة الملحة لإعادة إدماج هذا الأرشيف الكولونيالي برؤية نقدية داخل تدريس مادتي التاريخ والجغرافيا في المناهج المغربية.
ويُنتظر أن تشكل هذه المقاربة النوعية منطلقاً حقيقياً لتحرير وعي الأجيال الصاعدة، وتدريب المتعلمين على المساءلة النقدية للخرائط والحدود، لاستعادة المبادرة العلمية في قراءة تاريخ البلاد بعيداً عن القوالب الجاهزة.



