أزمة القراءة في أسبابها

09 مايو 2026 18:13

أزمة القراءة في أسبابها     

هوية بريس – ابراهيم أقنسوس

يلاحظ أن معظم أحاديثنا حول معضلة القراءة، تتجه إلى رصد بعض النتائج وتوصيفها، وقلما تتم مساءلة الأسباب الثاوية خلف كل هذا النفور من القراءة والكتاب ؛ فالسطحية والتفاهة والثرثرة والتجهيل والتخلف، ليست إلا نتائج للأزمة، في حين أن أصل المشكل  كامن في الأسباب وفي الدوافع التي جعلت مجتمعنا عموما، يعيش خصومة مع القراءة، ولا سبيل لمواجهة أزمة القراءة دون الوقوف على أسبابها المتنوعة، وإرادة تجاوزها، وهذه بعض تلك الأسباب:

أولا : غياب الوضوح والجدية في التعامل مع قيمة القراءة، والتردد في تقدير دور المعرفة وضرورتها في بناء الإنسان المواطن، على المستوى الرسمي ؛ يبدو أننا لا نعرف بالضبط ماذا نريد بهذا المواطن أن يكون، وعبارة (المواطن الصالح) لا معنى لها بلا تدقيق ولا تطبيق ؛ ويسهل أن نلاحظ مظاهر هذا التردد في ضعف الحماس حين يتعلق الأمر بمسألة القراءة ومتعلقاتها، ويكفي تدليلا، أن الشرط المعرفي، لا يعتبر في الغالب الأعم، عنصرا حاسما في إسناد المسؤوليات عندنا، ما يعني وجود مفاصلة بين الثقافي والسياسي، وهذا من الأسباب الرئيسة والكامنة وراء استفحال أزمة القراءة في بلادنا، إذ كيف لغير المثقف أن يشرع للثقافة ويمكن لها ولأصحابها، ولذلك لا غرابة إن كانت جل برامج الأحزاب لا تلقي بالا لمسألة القراءة، بما هي قضية وطنية، لا تقل أهمية عن غيرها من القضايا، بل و تفوقها، لأنها تتعلق بصورة الإنسان المواطن وبكينونته ومعنى وجوده. كان من العادي جدا، في الحالة العادية جدا، أن يكون لكل مدينة مغربية معرضها للكتاب، يعقد سنويا، بالتنسيق مع كل المدن المغربية الأخرى، وفي أزمنة وتواريخ مختلفة، تعميما للفائدة ؛ كان من العادي جدا، أن يترك للدار البيضاء معرضها، المألوف والذي عرفت به، ويكون للرباط ولغيرها من المدن معارضها الأخرى، على سبيل الإبدال والتنويع، بدل إثارة صراعات مجانية حول مكان المعرض، وأسباب انتقاله إلى الرباط، وكأن هذه البلاد أرض خلاء، لا كتاب فيها ولا مبدعين، ينتشرون في كل المدن والقرى، قلوا أو كثروا. لا يمكن أن نتخلص من أزمة تراجع القراءة، ما لم نضع الهم القرائي للمواطنات والمواطنين، في مصاف القضايا الوطنية الأم، على غرار الأمم المتقدمة، التي تعتبر القراءة فيها طقسا يوميا بدهيا عاديا، وما لم نتخلص من الصور الفلكلورية والفرجوية والإنتخابوية لمعارض الكتب، والأنشطة الثقافية، أوما نسميه كذلك.

ثانيا : ضمور الوعي القرائي بالمؤسسات التربوية والتعليمية، تلك الفضاءات التي كان يفترض بداهة أن تساهم في التأسيس لعادات القراءة لدى الأجيال الناشئة، إذ هي المحضن الطبيعي للدرس، والمخولة موضوعيا لتنمية ملكات التفكير والتعبير ؛ فقد أصبح واضحا اليوم، بل ومقبولا أيضا، أن تتخلى المدرسة في بلادنا عن مهمتها التثقيفية، وأن تكتفي في أحسن الأحوال، بتخريج حاملي شواهد، تفيدهم أو لا تفيدهم، في الحصول على عمل، حيث تنتهي هاهنا علاقتهم بكل ما يسمى قراءة أو ثقافة، ما يعني أن دور المدرسة، والمؤسسات التعليمية والتربوية في بلادنا، تعرض إلى الكثير من التجريف والتبخيس، لأسباب لا تربوية، في أغلبها، وسؤال المدرسة في علاقتها بالقراءة وأزمتها، سؤال مركزي، فلا معنى لأي حديث عن مجتمع قارئ، بمدرسة غير قارئة، ولنا أن نسأل اليوم عن مآل المكتبات في مدارسنا، وعن واقع الكثير من رجال ونساء التعليم الذين انقطعت علاقتهم بالقراءة.

ثالثا : تراجع الدور التثقيفي للإعلام الوطني بخاصة، وانصرافه في الغالب الأعم، إلى الأنشطة المسماة فرجوية، تلك التي تفيد التهريج والإضحاك المجاني، كما تفيد في جلب المستشهرين، بعيدا عن أي رهان ثقافي جاد ؛ فإذا استثنينا القليل الناذر، من القنوات الإذاعية، التي تبث بعض الفقرات التثقيفية أحيانا، مع بعض الكتاب، ولتقديم بعض الكتب والإبداعات، دون سواها، فالباقي لا يكاد يستشعر أية قيمة حقيقية للبعد الثقافي، ولأهمية القراءة وضرورتها في البناء الرمزي، للمواطن والمواطنة، وأغلبها يفضل استدعاء فنان من الدرجة العاشرة، على محاورة شاعر أومفكر أوكاتب.

إن أزمة القراءة كامنة رأسا في أسبابها، تلك التي يجب أن نواجهها بالوضوح المطلوب، وبالجرأة الصادقة، إذا كان يهمنا فعلا، أن نكون في مصاف المجتمعات القارئة.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
22°
23°
الأربعاء
23°
الخميس
23°
الجمعة
23°
السبت

كاريكاتير

حديث الصورة