التداعيات الوخيمة للهجرة الإفريقية

30 مارس 2026 15:11
بسبب علبة عصير.. مهاجر يقطع رأس رفيقه على قارب انطلق من الناظور

هوية بريس- عبد اللطيف شابي

إنّ المشاكل الناجمة عن وجود الأفارقة في المغرب، كما تنقلها الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي، تثير قلقًا متزايدًا لدى شريحة واسعة من السكان المغاربة. وهذا القلق يلازم تزايد الهجرة القادمة من إفريقيا جنوب الصحراء، والتي يعتبرها الكثيرون غزوًا مولّدًا للمشاكل، في حين ترى فئة أخرى، وهي أقلية، في هذا القلق وجهًا من وجوه العنصرية الفطرية تجاه “الإنسان الأسود”.

ولا يمكن إنكار أن مدننا شهدت خلال السنوات الأخيرة أشكالًا من العنف، بمختلف مظاهره، ارتكبها أفارقة باستعمالهم رشق الحجارة أو السلاح الأبيض، مما يثير الرعب في نفوس شهود تعديات عنيفة، وأحيانًا مروّعة، ويطرح تساؤلات حول نوايا السلطات تجاه هذه الآفة.

وإلى جانب العنف، فإن الاتجار في المخدرات، وجرائم الاغتصاب، والسرقة، كلها مصادر قلق وانعدام أمن يشعر بها المواطنون، الذين لا يستطيعون، خوفًا، في بعض الأحياء، ترك أطفالهم يخرجون دون مرافقة.

إن هجرة سكان إفريقيا جنوب الصحراء، بالنظر إلى تداعياتها الوخيمة على المستوى الأمني والإقتصادي والإجتماعي، تشكّل خطرًا حقيقيًا على استقرار المغرب. وفي هذا الصدد، لا يسعني إلا أن أعبّر عن أسفي لتصريحات نبيلة منيب، الأمينة العامة السابقة للحزب الاشتراكي الموحد، وكذلك لتصريحات الأمين العام السابق لحزب الأصالة والمعاصرة عبد اللطيف وهبي. فالأولى تدعو إلى إدماج الأفارقة، بينما يؤكد الثاني أننا ملزمون بإطعام أطفالهم وعلاجهم. فهل يرون في هذه الهجرة مصلحة للمغرب؟ أم أنهم يفتقرون إلى التمييز في تقدير تداعياتها؟
إن مثل هذه التصريحات، إلى جانب مرونة السلطات، بل وحتى تساهلها في بعض الحالات، تشكّل عامل جذب لسكان إفريقيا جنوب الصحراء، الذين يتزايد عددهم بشكل مستمر.

وبفضل مؤهلاته الطبيعية، وموقعه الجغرافي، واستقراره السياسي، وبنيته التحتية، يجذب المغرب بشكل متزايد الشركات والمستثمرين الأجانب، وهو ما ينبئ، في المستقبل، بنمو اقتصادي محتمل، حتى وإن كان متواضعًا، سيكون كافيًا لجعله بلدًا للهجرة.

وإلى جانب العامل الاقتصادي، هناك عامل آخر دافع، يتمثل في الإيديولوجية الخطيرة لما يُسمّى بحركة “الأفروسونتريك”، التي تدعو الأفارقة إلى احتلال شمال القارة الإفريقية وتعويض “الشعوب البيضاء” التي، بحسب شعاراتها، يجب أن تعود إلى بلدانها الأصلية في آسيا. وهذه الإيديولوجية تتبنّاها بشكل متزايد فئات من السكان الذين حُرموا، في الغالب، من حقوق مختلفة في بلدانهم الأصلية، مما يجعلهم أكثر قابلية للتأثر بها والتلاعب بهم، ويجعلهم مستعدين، بل ومتحمسين، للهجرة الجماعية نحو الشمال. ويُعدّ ما حدث في تونس سنة 2023* دليلًا قاطعًا على ذلك.
وسواء لأسباب اقتصادية أو بدوافع إيديولوجية، فإن تدفقات الهجرة ستستمر بل وستتزايد، حيث ستتواصل التحركات نحو المغرب في شكل مجموعات، بل وحتى في شكل أمواج بشرية، على المدى المتوسط والطويل.

ومن شأن هذه التحركات الجماعية أن تغيّر البنية الديموغرافية، وأن تكون لها انعكاسات على عدة مستويات؛ إذ ستستمر الكنائس العشوائية في الظهور داخل الأحياء، كما ستُعاد فتح تلك الرسمية التي أُغلقت بعد رحيل الاستعمار الفرنسي، مما يؤدي إلى بروز أقلية مسيحية في المغرب من شأنها أن تمسّ بوحدة دينية كانت، إلى حد الآن، عاملًا أساسيًا في تماسك المجتمع واستقراره السياسي. كما ستنتشر الأسواق ذات الطابع الإفريقي في مختلف المدن، وستظل الموسيقى الصاخبة تُزعج سكينة المواطنين.

ومن شأن هذه الظواهر أن تسبّب توترات بين المغاربة والأفارقة الذين قد يشعرون بأنهم غير مرغوب فيهم، بل مرفوضون، مما قد يولّد لديهم مشاعر عدائية، وقد يجعل المغاربة هدفًا لهجمات منظّمة.

وقد يبلغ عدد المهاجرين حدًا يمكّنهم من تنظيم مظاهرات كبرى، بل وحتى أعمال شغب وعنف محلية أو جهوية، إن لم نقل وطنية. ولنا مثال فيما جرى أثناء نهائي كأس افريقيا للأمم. وفي هذه الحالة، ستجد السلطات نفسها، وهي تمارس حقها في مواجهة المشاغبين للحفاظ على النظام، أمام خصم شرس،
يتمثل في المنظمات الدولية التي تنشط في المغرب عبر جمعيات تعتبر نفسها “مدافعة عن حقوق الإنسان”، والتي لن تتردد في توجيه أصبع الاتهام إلى المغرب.

وهكذا قد تتحوّل مسألة “الدفاع عن حقوق الأفارقة” إلى ذريعة للتدخل في شؤون المغرب، بل وحتى إلى أداة في يد هذه المنظمات لعرقلة مشاريعه أو تعطيل مسار تنميته.

أحيانا ترتفع أصوات، تحت غطاء الدفاع عن حقوق الإنسان، ضد المواطنين الذين ينددون بما يعتبرونه تجاوزات وأعمال عنف، حيث يُتهمون، ظلمًا، برهاب الإنسان الأسود. وأذكّر بأن المغرب كان دائمًا بلدًا مضيافًا، ولم يشتكِ يومًا من وجود الأجانب على أراضيه. غير أن الأفعال الخطيرة والبشعة تعزّز مخاوف المغاربة وتبرّر احتجاجهم على الإقامة غير القانونية لبعض المهاجرين. وعليه، فالمغاربة ليسوا عنصريين، ولهم الحق في معارضة هذه الهجرة الجديدة بسبب ما تسببه من مشاكل.

يقال إن هناك مغاربة مقيمين في الخارج، وبالتالي يجب علينا أيضًا قبول الأفارقة. إن هجرة المغاربة إلى أوروبا جاءت استجابة لحاجة ملحّة لليد العاملة لدى دول مثل فرنسا وألمانيا وبلجيكا وهولندا التي كانت تعرف ازدهارًا اقتصاديًا كبيرًا خلال خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي. أما المغرب فهو اليوم في وضع اقتصادي غير الذي عرفته هذه الدول الأوروبية آنذاك. وفضلًا عن التحديات التي تواجه قطاعات مثل التعليم والصحة، وارتفاع معدلات التضخم، واستمرار مشاكل السكن رغم المجهودات المبدولة في هذا القطاع، فإن نسبة البطالة تبلغ حوالي 13% بحسب الأرقام الرسمية، وهي نسبة يُرجّح أنها أقل من الواقع لأن العاطلين في البوادي والحواضر ليسوا جميعا محصيين. فالمغرب ليس في حاجة إلى يد عاملة أجنبية بل هو في غنى عن مشاكل صادرة عن شعوب أجنبية، لا يستطيع تحملها إلا على حساب معانات المغاربة وأمنهم واستقرار البلاد. إن تجاهل هذه المعطيات عند قياس هجرة الأفارقة إلى المغرب بهجرة المغاربة إلى أوروبا في الماضي يُعدّ تبسيطًا مُخِلًّا، إذ يتجاهل الفوارق البنيوية العميقة بين السياقين.

ما الطبيعي أكثر في أن تسعى دولة إلى حماية أراضيها من تدفقات تُعتبر ضارّة ؟ لقد صرّح ميشيل روكار الوزير الأول لفرنسا القوة الرابعة عالميا آنذاك، رغم أنه لم يكن معاديًا للأجانب، عندما كان رئيسًا لوزراء فرنسا، بأن بلاده لا تستطيع أن تستقبل كل بؤس العالم.

واليوم، تستخدم الولايات المتحدة وهي تمثل الإقتصاد الأول عالميًا، وسائل قوية، من بينها الجيش، لترحيل المهاجرين غير النظاميين. كما يعتمد الاتحاد الأوروبي إجراءات صارمة في مكافحة الهجرة. لقد طلب هذا الأخير من المغرب، بموجب اتفاق، أن يمنع المهاجرين الأفارقة من الوصول إلى أوروبا، بل وأن يحتفظ بهم على أراضيه مقابل مبلغ مالي يُعدّ ضعيفًا جدا نسبة لما يعانيه من هذه المهمة : يحصل على مايقرب 500 مليون “أورو” للمدة بين 2021 و 2027 أي ما يعادل 70 مليون “أورو” سنويا، وهو ثمن يساوي ثمن بضع الفيلات الفاخرة في الرباط والدار البيضاء! وفي نفس الإتجاه، اعتمد البرلمان ومجلس الاتحاد الأوروبيين، في ديسمبر 2025، قواعد جديدة تتيح تسريع ترحيل طالبي اللجوء*.

فلماذا لا يتخذ المغرب بدوره إجراءات مماثلة للحفاظ على استقراره؟ إن الإجراءات الحالية، التي تقوم على نقل المهاجرين من منطقة إلى أخرى، لا تؤدي إلا إلى نقل المشاكل إلى مناطق كانت هادئة.

وقبل فوات الأوان، ينبغي على المغرب أن يتحرك بشكل حازم، من خلال وقف منح تصاريح الإقامة بشكل واسع، وتشديد مراقبة الحدود، وفرض التأشيرة، ومعاقبة كل من يخلّ بالنظام العام، وترحيل المهاجرين غير النظاميين.

في غياب إجراءات صارمة، قد يجد المغرب نفسه مستقبلًا أمام وضعية حرجة، حيث سيصبح من الصعب إعادة فرض النظام في مواجهة اضطرابات تليها تدخلات أجنبية لابتزازه كما جرى في قضية الصحراء المغربية. وقد أظهرت بعض الأحداث مؤشرات مقلقة على إمكانية تصاعد مثل هذه الظواهر في ظل بروز أشكال من التضامن والهويات الجماعية المدفوعة بخلفيات إيديولوجية قوية.

إن هذه التحديات لا ينبغي الاستهانة بها، لأنها قد تمسّ بالنظام العام، بل وباستقرار الدولة نفسها. وعندما يهتز الاستقرار، فإن السيادة والوحدة الوطنية تصبحان بدورهما عرضة للاهتزاز.

وقد أثبت التاريخ أن فترات الأزمات قد تدفع بعض الفاعلين، بدافع مصالحهم الخاصة، إلى عقد تحالفات ظرفية، حتى وإن كانت على حساب المصلحة الوطنية. ويقدّم التاريخ الاستعماري للمغرب مثالًا واضحًا على ذلك.

———-

* في سنة 2023 أصبحت الهجرة الإفريقية في تونس أكثر وضوحًا نتيجة تزايد عدد المهاجرين القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء، وقد أدّت التوترات الاجتماعية والسياسية التي نجمت عن ذلك إلى قيام قيس سعيّد بإلقاء خطاب رسمي مناهض للهجرة في فبراير 2023، وهو ما استقطب اهتمامًا دوليًا.

* اعتمد البرلمان ومجلس الاتحاد الأوروبيين قوانين تُجيز ترحيل طالبي اللجوء، كما صنّفا المغرب بلدًا آمنًا لاستقبالهم. فهل يُفهم من ذلك أن المغرب يُنظر إليه كدولة تفتقر إلى السيادة والإطار القانوني، أم كحلّ سهل للتخلّص من مسألة اللاجئين؟

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
20°
23°
الجمعة
24°
السبت
25°
أحد
28°
الإثنين

كاريكاتير

حديث الصورة