“الترياب” يطال ذاكرة ثقافية بقلب الدار البيضاء: “لبحيرة” في خبر كان

06 فبراير 2026 20:06

“الترياب[1]” يطال ذاكرة ثقافية بقلب الدار البيضاء: “لبحيرة” في خبر كان

هوية بريس – ميلود عبد الرحمن بنعتيك

الدار البيضاء | من قلب “لمدينة لقديمة”، وعلى ضفاف حواديث تراثية وأقاصيص ثقافية امتدت لعقود، شهدت “لبحيرة” سوق الكتب المستعملة، المعروف لدى الساكنة وعموم المواطنين، تطورًا مفصليًا في شهر يناير 2026 عندما قامت السلطات المحلية بتنفيذ قرار هدم جميع الحوانيت وتحويلها من واقع معاش إلى نوستالجيا بحمولة اقتصادية واجتماعية وثقافية مفعمة بالمشاعر الجياشة، في خطوة أثارت جدلًا واسعًا في الأوساط الإعلامية، المجتمعية، والحقوقية بالمغرب.

“لبحيرة”: جذور ممتدة عبر التاريخ 

لطالما كانت “لبحيرة”، السوق المحاذي لباب مراكش بالمدينة القديمة بالدار البيضاء، مقصدًا للتلاميذ والطلبة والباحثين عن الكتب المستعملة بأسعار مناسبة، فضلًا عن كونه فضاءً ثقافيًا واجتماعيًا احترامًا للكتاب والمعرفة. كان السوق معروفًا في بداية كل موسم دراسي بكونه “طوق نجاة” للأسر من الفئات المتوسطة وذات الدخل المحدود في مواجهة ارتفاع تكاليف الكتب المدرسية، حيث يتوجه إليه أولياء أمور من مختلف مناطق المملكة لتخفيف العبء المالي عن أسرهم. على امتداد السنوات، ارتبط اسم “لبحيرة” برواد المؤسسات التعليمية الأكاديمية من جهة، وبالمحافظين على ثقافة المعرفة من جهة أخرى، إذ كان يمزج بين المقررات الدراسية وكتب الثقافة العامة الحديثة منها والقديمة، كما شكل فضاء لالتقاء المثقفين ودارسي التاريخ المحلي والمنشغلين بتداول المراجع بأسعار معقولة. لم يكن مجرد سوق تجاري بل جزءًا من ذاكرة المدينة القديمة وواجهة تشهد حراكًا ثقافيًا واقتصاديًا.

ومن أعلام هذا الصرح المعرفي الشعبي “سي بوعزة” رحمه الله الذي يعد من أشهر باعة الكتب المستعملة بـ”لبحيرة”.

كان رحمه الله علامة مميزة للمكان، ليس فقط بسبب الكتب القديمة والنوادر النفيسة التي يبيعها، بل أيضا لأنه كان ذاكرة حية للمدينة، يعرف تاريخها وحكاياتها، بل كان موسوعة فيما يخص شؤون الكتاب والنشر، والعديد من رواد السوق كانوا يستمتعون بالحديث معه قبل شراء أي كتاب.

 “الترياب”: خلفيات وآليات التنفيذ

في 17 يناير 2026، باشرت السلطات المحلية تنفيذ قرار هدم محلات وحوانيت “لبحيرة” بعد إشعار التجار بضرورة إخلاء محلاتهم، وهو قرار استندت فيه إلى تقارير تقنية رسمية تشير إلى أن البنية التحتية للبنايات المجاورة “آيلة للسقوط” وتشكل خطرًا على السلامة العامة. وقد شمل الترياب إغلاق 262 محلًا تجاريًا داخل السوق، وقُطع التيار الكهربائي وأمرت بإفراغ محلات السوق من البضائع. وقد ألمحت السلطات المحلية بأن هذا الإجراء يعتبر جزءأ من مشروع تطوير المدينة القديمة الذي أُطلق عليه اسم “المحج الملكي”، ضمن سلسلة مشاريع تهدف إلى إعادة الهيكلة الحضرية وتحسين السلامة العمرانية والبنية التحتية. هذا المشروع، الذي طال أجزاء كثيرة من المدينة القديمة، واجه انتقادات في وسائل الإعلام لعدم وضوحه الكامل بالنسبة للسكان وأصحاب المحلات التجارية المتضررين.

 تجار “لبحيرة”: بين المطرقة والسندان

كان قرار “الترياب” مفاجئًا في توقيته وطريقة تنفيذه، بحيث ترك مئات التجار — الذين كانوا يعتمدون على محلاتهم كدخل يومي — في وضعية صعبة للغاية. التجار عبّروا لفائدة مختلف وسائل الإعلام عن استنكارهم الشديد لأن عملية “الترياب” تمت “دون مهلة كافية” أو بدائل واقعية يمكنهم الاعتماد عليها. بعض التجار أكدوا أنهم اضطروا لبيع بضائعهم بأثمنة بخسة لتقليل الخسائر، في حين تعرضت كميات أخرى من الكتب للتلف والضياع بسبب غياب بدائل فورية لتخزين أو نقل البضائع. هذا الواقع يعكس الأبعاد الاجتماعية الواسعة للأزمة التي خلفها إغلاق السوق “على غفلة”، ليس فقط على الباعة أنفسهم بل على العمال الذين يشغلونهم، وعلى أسر بأكملها تعتمد على هذا النشاط. في اجتماع بين ممثلي التجار و رئيس غرفة التجارة والصناعة والخدمات لجهة الدار البيضاء–سطات، أُثير موضوع سُبل إيجاد حل بديل للتجار المتضررين، سواء عبر دعم مالي مؤقت أو من خلال توفير فضاء بديل لممارسة النشاط، مع التأكيد على أن أي دعم مالي «لا يعوّض التجار عن فضاء دائم لممارسة تجارتهم»

تنفيذ قرار “الترياب”: تساؤلات ومخاوف حقوقية

لم تخلُ عملية “الترياب” من الجدل والمخاوف الأمنية حيث أفادت مصادر إعلامية بإصابة طفل في عين المكان أثناء تنفيذ عملية “الترياب”، مما استدعى نقله إلى المستشفى، وسط مطالبات من فاعلين مدنيين وحقوقيين بفتح تحقيق في ملابسات الحادث ومحاسبة المسؤولين في حالة ثبوت إهمال ميداني. هذه الحادثة أبرزت نقطة خلاف أخرى تم تداولها في الإعلام: لم يتم تطبيق معايير السلامة في تنفيذ عمليات “الترياب” وفق التدابير والإجراءات الصارمة، خصوصًا وأن العملية تمت وسط تواجد عدد من الزوار والأطفال بمحاذات السوق في وقت كانت الجرافات تعمل فيه.

أَزمة اجتماعية وامتدادات اقتصادية

أشارت تقارير إلى أن “لبحيرة” كانت تضم أكثر من 260 محلًا، يدر دخلاً مباشرًا على ما بين خمس إلى ست أسر مرتبطة بكل محل، الأمر الذي يعني أن آلاف الأسر المغربية مهددة بفقدان مصدر رزقها. هذا الرقم يعكس حجم تأثير القرار، ويتجاوز مجرد خسارة محل تجاري، ليتحول إلى أزمة اجتماعية تثير تساؤلات حول أثر المشاريع الحضرية على الفئات الضعيفة اقتصاديًا.

بماذا يطالب أصحاب المحلات التجارية ؟

التجار المتضررون طالبوا الجهات المسؤولة بـ:

-توفير سوق بديل نموذجي يضم نفس عدد المحلات حيث يمكنهم من العودة إلى التداول والعمل، باعتبار أن الفضاء هو ما يضمن لهم استمرار نشاطهم.

-تعويضات عادلة تأخذ بعين الاعتبار القيمة الحقيقية للمحلات التي طالها “الترياب” باعتبارها موارد مالية لعيش العائلات المتضررة.

-المشاركة في أي مشاريع إعادة تنظيم تخص المنطقة المتضررة لضمان عدم تهميش مصالحهم وكرامتهم كمواطنين قبل أن يكونوا مجرد بائعين.

وقد عبّر بعض التجار عن رفضهم لأي حلول قصيرة المدى لا توفر لهم استمرارية عمل حقيقية، مؤكدين أن التعويضات المادية وحدها لا تعوضهم عن فقدان فضاء يربطهم بتاريخهم الاجتماعي والمهني والثقافي.

أصداء “الترياب” في أوساط المجتمع

لم تقتصر ردود الفعل على التجار وحدهم، بل شملت أيضًا منظمات جمعوية وسياسية ومدنية طالبت بإيقاف “الترحيل العشوائي” وإعادة النظر في مشروع المحج الملكي، معتبرة أن تنفيذ عمليات الإفراغ و”الترياب” دون برامج مصاحبة شاملة يضر بالساكنة والتجار ويُهدد النسيج الاقتصادي والاجتماعي للمدينة القديمة.

بين متطلبات التنمية وتحدي المحافظة على التراث

على ضوء ما نشرته وسائل الإعلام المحلية في الأسابيع الماضية، تتضح ثلاثة محاور رئيسية تهيمن على النقاش حول “لبحيرة”:

أولًا: سلامة البنية وما يستوجبه من تدخل حضري: السلطات تبرر هدم السوق بكونه يشكل خطرًا على السلامة العامة، وهو مدخل مشروع واسع لإعادة الهيكلة الحضرية. في المقابل فإن أصحاب المحلات كان لهم رأي مخالف تماما.

ثانيًا: الأثر الاجتماعي والاقتصادي: قرار “الترياب” لم يقف عند حدود السوق، بل فتح ملفًا اجتماعيًا معقدًا بشأن حقوق التجار، استمرارية النشاط، وكرامة الأسر المتأثرة بالتبعية.

ثالثًا: الهوية الثقافية والتراث غير المادي: “لبحيرة” لم تكن مجرد مساحة تجارية، بل رمزًا لأساليب الحياة الثقافية والتبادل المعرفي داخل المدينة القديمة، وعليه يثير إغلاقه وهدمه تساؤلات عن كيفية الموازنة بين التنمية الحضرية والحفاظ على ذاكرة الناس.

“كان ياما كان”

“لبحيرة” باعتبارها سوقا تاريخية وشعبية للكتب المستعملة في الدار البيضاء كانت أكثر من مركز تجاري، بل كانت قلبًا نابضًا للثقافة والاقتصاد الشعبي في المدينة القديمة. قرار “الترياب”، كما انشغلت به وسائل الإعلام خلال الآونة الأخيرة، كشف عن توتر بين مشاريع التنمية والتحديث من جهة، ومعاناة الفئات الضعيفة اقتصاديًا وثقافيًا من جهة أخرى. تبقى القضية مفتوحة، في انتظار أن تثمر جهود الحوار عن حل عادٍ ومستدام يُحقق توازنًا بين المستقبل الحضري للمدينة القديمة وحقوق سكانها وتاريخها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  «الترياب» في الدارجة المغربية يعني عملية الهدم الكامل أو الجزئي، سواء كان ذلك بآليات أو يدوياً.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
21°
24°
الجمعة
24°
السبت
25°
أحد
26°
الإثنين

كاريكاتير

حديث الصورة