الحرب على إيران.. هل لها علاقة بما حدث في فلسطين منذ 7 أكتوبر 2023؟

هوية بريس- محمد زاوي
تميل بعض التحليلات إلى التجزيء، إلى فصل الجزء عن كله، إلى فصل الحرب الحالية على إيران عن الحرب التي أطلقت شرارتها عملية 7 أكتوبر (طوفان الأقصى/ 2023).. والحقيقة الجيوسياسية أنها حرب واحدة بغض النظر عن التفاصيل الميدانية والخطابات السياسية والمواقف الإيديولوجية التي تخدم الفاعل في معركته أكثر مما تخدم التحليل.. إن السلاح الذي وزِّع، خبرة أو عينا، في كل من لبنان وسوريا واليمن وفلسطين (مع احتمال هذا المدى الجغرافي للتوسع)، لم يكن يعني -ولا يعني- من وجهة نظر جيوسياسية غير تشكل مشروع كبير يطوق “الوجود الإسرائيلي” من جهة، ويؤسس لمشروع جيوسياسي من جهة أخرى..
وهكذا فإن كل حرب مع أحد أجزاء هذه الاستراتيجية، فهي بالضرورة حرب ضدها (أي ضد هذه الاستراتيجية ككل).. وكل استهداف لأحد أركانها، هو في الواقع الجيوسياسي استهداف لوجودها وغايتها وتوسعها.. فالذين أولوا التحاق “حزب الله” اللبناني و”الحوثيين” في اليمن بالحرب على أنه نصرة عقائدية فحسب، لا ينتبهون إلى أن قواعد الاشتباك توسّع على أساس جيوسياسي يكون فيه القرار بين خيارين: استعجال للاشتباك بما يحمله من فرص للمداهمة والاختبار، وتأجيل المواجهة لوقت يحدده النقيض الجيوسياسي.. ما نريده من هذا التحليل أن كل تدخل من قبل فصائل المقاومة في حرب غزة لم يكن تدخلا عفويا، بل خاضعا لدراسة وتخطيط لا يتوقف كثيرا عند فتح الجبهة من قبل “حماس القسام” (بقيادة يحيى السنوار).. الجبهة كانت قابلة للفتح، وربما خاضعة لا لتوقيت السنوار فحسب، وإنما لتوقيت نقيضه أيضا..
على هذا الأساس يمكننا أن نقول: إن الحرب على إيران قد بدأت في السابع من أكتوبر 2023، ما دامت العملية قد فتحت حربا مع جبهة تراها إيران امتدادا جيوسياسيا لها، بغض النظر عن موقف المقاومة الفلسطينية، وبعض النظر عن تباين تكتيكات عناصر الحلف الجيوسياسي الإيراني.. هذه الاختلافات التكتيكية جزء مما يفرضه الميدان، لكن الغاية واحدة وهي: التطويق الجيوسياسي للكيان الصهيوني، وهذا يخدم المشروع الإيراني كما يخدم المشروع السياسي للمقاومة الفلسطينية، وكذا باقي المواقع الجيوسياسي التي تحتلها الفصائل المقربة من إيران.
علاقة أخرى لا ينبغي إغفالها بين عملية 7 أكتوبر (2023) والحرب الأمريكية الإيرانية، وهي تلك العلاقة التي تجعل الحدثين معا جزءا من نقطة توتر واحدة، أي نقطة التوتر في الشرق الأوسط. وتعتبر هذه النقطة انعكاسا لواقع جيوسياسي دولي جديد، تسعى فيه الولايات المتحدة الأمريكية إلى تغيير سياستها في عدة مناطق، كما تسعى إلى التراجع الجيوسياسي أو تغيير شكل الوجود في بعضها.. في هذه الشروط الدولية غير المسبوقة، يضطر الطرف “الإسرائيلي” للتأقلم مع الواقع الجديد دون أن يفقد وجوده وقدراته الجيوسياسية..
هنا بالضبط تتقاطع إرادتان، إرادة أمريكية وأخرى “إسرائيلية”، الأولى غايتها شرق أوسط متوازن قابل لمصالحها الاقتصادية، فيما غاية الثانية شرق أوسط بهيمنة “إسرائيلية” مطلقة.. هذه خصوصية التوتر في الشرق الأوسط، في حين هناك منطق عام لاشتعالها، وهو نفس المنطق الذي أشعل توترات أخرى في شرق آسيا (تايوان/ الكوريتان/ الحدود الهندية الباكستانية) أو أوروبا الشرقية (أوكرانيا-روسيا/ أرمينيا-أذربيجان) أو أمريكا الجنوبية (غويانا/ فنزويلا/ كوبا/ الخ).



