الحكومة التي أصلحت سيارة الموت… ونسيت الحياة

الحكومة التي أصلحت سيارة الموت… ونسيت الحياة
هوية بريس – د.عبد الإله الرضواني
تأملات في حياد سيارة… وانحياز الحياة
أهم إنجازات المرحلة: إنقاذ البلاد من شعار على سيارة جنازة
الحكومة تُنقذ الوطن… من سيارة نقل الموتى
يبدو أن حكومتنا الموقرة اكتشفت أن جوهر أزمات البلاد لا يكمن في الأسعار التي تقفز كل صباح لتصحح أخطاء الأمس، ولا في البطالة ولا في التعليم المهترئ، بل في عبارة مكتوبة على سيارة نقل الموتى. أخيرًا، وصلت الحكومة الى الخلل البنيوي الحقيقي في الوطن: بعض الكلمات الدينية على صندوق حديدي ينقل ميتًا عاجزًا عن حتى الاعتراض.
فلا غلاء المعيشة الذي صار أكثر نشاطًا من الاقتصاد، ولا تعليم يوزّع الشهادات كما تُوزّع المناديل في المقاهي، ولا مستشفيات تعلّم الناس فن الانتظار أكثر مما تعلّم الأطباء فن العلاج، استحقّ ورشة إصلاح عاجلة. حتى شباب يؤجّلون الزواج لأن الرصيد البنكي يرى الحب مصاريف غير مبررة لم يلفتوا الانتباه مثل تلك العبارات التي تذكّر بأن البلد من الأغلبية المسلمة، وأن موتاه، بنسبة 99٪، يُدفنون على طقوس المسلمين.
الحكومة الموقرة رأت أن الحل بسيط وجذري: تحييد سيارة نقل الموتى. كلمة الحياد تبدو وكأنها خرجت من كتاب في الفلسفة السياسية، لكنها هنا خرجت من علبة طلاء، مع تعليمات تقنية دقيقة عن لون الشريطين الأخضرين وموضع عبارة نقل الأموات واسم المالك، وكأن المشكلة كانت خطًا في التصميم لا اختلالًا في السياسات. إنه حياد من نوع خاص في بلد عجزت حكومته عن تحييد السوق عن جشعه، والفرص عن أصحاب الحظوة، والإدارة عن أبناء العمومة. نجحت الحكومة أخيرًا في تحييد سيارة لا تتكلم ولا تصوّت ولا تطالب بزيادة في الأجور. هذا انتصار مُبهِر للشكل على الجوهر؛ فحين تعجز السياسة عن مصارعة الواقع، تبحث عن سطح أملس تستعرض فوقه شجاعتها، والسيارة سطح مثالي: لا نقابة لها، ولا بيانات، ولا مسيرات احتجاجية، فقط طلاء جديد ومعايير بصرية صارمة.
قد يخرج من يهمس بأن الأمر يخصّ التعايش والاحترام. جميل. لكن اليهود والمسيحيين المغاربة يعيشون مع اخوتهم المسلمين منذ قرون، يدفنون موتاهم في هدوء كامل، بلا ضجيج شعارات ولا حرب ملصقات. لديهم مقابرهم وطقوسهم الخاصة. هذا التعايش العتيق لم يكن أبدا مهدَّدًا ببعض العبارات على باب عربة جنائزية تنقل موتى المسلمين. لم نسمع عن طابور شكاوى بسبب هذه العبارات، ولا عن أزمة دفن طائفية، ولا عن مشاجرة عند باب المقبرة انتهت بسبب خط عربي منمّق. التاريخ الاجتماعي لهذا البلد أكثر نضجًا بكثير من قرارات تستيقظ فجأة على خطورة عبارة، وتنام بهدوء أمام خطورة الفقر والبطالة وانسداد الأفق.
اذ كانت الحكومة تفكر فعلا في كرامة الموتى، لتبدأ الإصلاح من المقابر لا من ديكور السيارة. هناك، حيث ينبغي أن يكون آخر عنوان للسكينة، تعيش فوضى الأحياء: قبور مبعثرة، ممرات موحلة، إهمال يبدو كأنه استمرار طبيعي لما قبل الموت لا قطيعة معه. لكن المقبرة لا تظهر جيدًا في الصورة الرسمية، ولا تلائم منشور تم الإنجاز. السيارة تظهر: تُطلَى، تُصوَّر، يُكتَب القرار، يُنشَر البلاغ، ويُعلَن للعالم أن الدولة صارت محايدة أمام جثمان لا يعرف أصلًا كيف نٌقل الى مثواه الأخير.
السياسة الحديثة تعشق ما يمكن إصلاحه بزر ومرسوم وطبقة طلاء: إنجاز سريع يصلح لخبر عاجل وفيديو قصير. أمّا البطالة فلا تختفي بمرسوم، والفقر لا يمحوه بيان، والكرامة لا تُعلَّق في لافتة على باب مؤسسة، لذلك تُزاحمها قضايا أكثر قابليّة للطلاء.
المفارقة أن أغلب المغاربة لا يحتاجون أصلًا لهذه السيارات؛ يحملون موتاهم على الأكتاف: أربع رِجال، نعش خشبي بسيط، دعاء، وخطوات هادئة نحو حفرة يعرف الجميع أنها المصير المشترك. لم يمنح الملصق على سيارة نقل الأموات يومًا كرامة لميت، ولم يسحبها عنه قرار وزاري؛ الكرامة تُصنع في حياة عادلة قبل أن تُستكمل في موت محترم. لكن عندما تضيق الحكومة عن مواجهة الأسئلة الكبرى، تُقزّم نفسها إلى حجم أسئلة صغيرة جدًا، حتى تبدو هذه الأسئلة، تحت عدسة الإعلام الرسمي، ضخمة فقط لأن كل ما حولها تُرك بلا جواب.
ربما نبالغ في القسوة، وربما تخيّلت السلطة أن الوطن مهدَّد بعبارة، وأن السيادة الوطنية تمرّ من باب سيارة جنازة، لا من طوابير الشباب العاطل ولا من جداول الأجور الهزيلة. ولكن نريد ان نذكرها بالآتي: إذا كان الإصلاح يبدأ من نقل الموتى، فمتى يبدأ من إنقاذ الأحياء؟ لقد أصبح الموت محايدًا رسميًا، بينما الحياة ما زالت منحازة بوقاحة ضد الفقير والعاطل والشاب الذي يحلم ببيت، وضد مواطن يريد فقط أن يشعر بأن أولوياته تُرى وتُسمَع قبل أن تُدفن هي الأخرى تحت طبقة جديدة من الطلاء.
في بعض الأحيان، وربما في اغلب الأحيان، يشعر المواطن في هذا البلد السعيد أن الأزمات لا تُحلّ، بل يُعاد طلاؤها بلون أكثر هدوءًا للعين. نُصلح الرموز ونترك الواقع، نُحيّد الأبواب بينما الجدران متشققة، ونناقش لون الشريطين على سيارة الموتى بدل أن نسأل عن لون حياة الأحياء.
أما التعايش، فهو أقدم من القرارات وأعمق من الشعارات، ولا يحتاج إلى دهان كي يبقى؛ ما يحتاج فعلًا إلى إصلاح ليس شعارًا على سيارة، بل سياسة على أرض.



