الزواج والأطفال يعيقان الاقتصاد.. البنك الدولي يعيد رسم مستقبل الأسرة المغربية!

13 يوليو 2026 11:03

الزواج والأطفال يعيقان الاقتصاد.. البنك الدولي يعيد رسم مستقبل الأسرة المغربية

هوية بريس – متابعات

قدّم البنك الدولي في إطار الشراكة القطرية مع المغرب للفترة 2026-2035 تصورا يعتبر ضعف مشاركة النساء في سوق الشغل أحد أبرز التحديات الاقتصادية، مقدما الزواج والإنجاب ورعاية الأطفال باعتبارها من أهم الأسباب التي تحد من اندماج المرأة في النشاط المهني. وبحسب الوثيقة، فإن انخفاض معدل نشاط النساء يمثل خسارة للاقتصاد الوطني ويستوجب سياسات جديدة توسع حضورهن في سوق العمل، وتوفر خدمات رعاية الأطفال، وتعيد تنظيم العلاقة بين الأسرة والعمل.

غير أن هذا الطرح يثير نقاشا يتجاوز الاقتصاد إلى طبيعة النموذج المجتمعي الذي تسعى المؤسسات المالية الدولية إلى ترسيخه داخل الدول النامية. فحين يتحول الزواج وتربية الأبناء إلى عائق اقتصادي في تقارير المؤسسات المانحة، فإن الأمر لا يتعلق فقط بأرقام التشغيل، بل يعكس رؤية تعتبر الأسرة التقليدية عبئا ينبغي تقليص أثره، لا مؤسسة اجتماعية تمثل أساس استقرار المجتمع واستمراره.

وتؤكد الوثيقة أن الزواج يقلص احتمال مشاركة المرأة في سوق العمل، وأن وجود الأطفال، خاصة في سنواتهم الأولى، يزيد من صعوبة استمرارها في الوظيفة، وهو ما يدفع البنك الدولي إلى الدعوة لتوسيع الحضانات وخدمات الرعاية وتكييف سوق الشغل بما يسمح للأمهات بالعمل بصورة أكبر. كما يرى أن رفع مشاركة النساء سيزيد الإنتاجية ويرفع الناتج الداخلي ويعزز النمو الاقتصادي.

غير أن هذا المنطق الاقتصادي الخالص يغفل أن الأسرة ليست مؤسسة إنتاجية فقط، وإنما هي الحاضنة الأولى لتربية الأجيال، وأن رعاية الأطفال ليست عبئا اقتصاديا، بل استثمار حضاري وإنساني لا يمكن قياسه بمنطق الربح والخسارة. فالطفل الذي يحظى برعاية أسرية متوازنة هو رأسمال المجتمع الحقيقي، وأي سياسات تقلل من قيمة الدور الأسري قد تترك آثارا بعيدة المدى على التماسك الاجتماعي والاستقرار النفسي والتربوي.

ومنذ عقود، تدفع مؤسسات دولية مانحة، وفي مقدمتها البنك الدولي وهيئات أممية وغربية، نحو سياسات تعيد تعريف أدوار الأسرة، وتجعل الأولوية القصوى للإدماج الاقتصادي، بينما تتراجع مكانة الزواج والأمومة والأبوة باعتبارها وظائف اجتماعية وحضارية. وفي كثير من الأحيان، تقدم هذه التوجهات باعتبارها شروطا للتنمية أو مؤشرات للتقدم، في حين أن آثارها على البنية الأسرية لا تحظى بالاهتمام نفسه.

ولا خلاف في أهمية تمكين المرأة من التعليم والعمل الكريم، أو في ضرورة إزالة العراقيل التي تمنعها من ممارسة حقوقها، لكن الإشكال يظهر عندما يصبح الحل المقترح هو تكييف الأسرة مع متطلبات السوق، بدل تكييف السياسات الاقتصادية مع حاجات الأسرة. فالمطلوب ليس دفع المرأة إلى الاختيار بين الأمومة والعمل، وإنما بناء نموذج يحمي الأسرة ويصون حق المرأة في العمل دون أن يتحول الزواج والإنجاب إلى مؤشرين سلبيين في التقارير الدولية.

إن الأسرة المغربية ظلت عبر التاريخ ركيزة الاستقرار الاجتماعي، وأسهمت في حفظ الهوية والقيم والتماسك بين الأجيال، ولا يمكن اختزالها في معادلات الإنتاج والاستهلاك. كما أن انخفاض نسب الزواج وتراجع الخصوبة الذي تعيشه دول غربية عديدة يقدم درسا واضحا حول مخاطر السياسات التي جعلت الاعتبارات الاقتصادية تتقدم على البعد الأسري، حتى أصبحت تلك الدول تبحث اليوم عن حلول لأزمات الشيخوخة والعزوف عن الإنجاب وتفكك الروابط العائلية.

لذلك، فإن أي نقاش حول تشغيل النساء ينبغي أن ينطلق من رؤية متوازنة، تجعل الاقتصاد في خدمة الأسرة، لا الأسرة في خدمة الاقتصاد، وتحافظ على قيمة الزواج والأطفال باعتبارهما أساس المجتمع وقوته، لا عقبة أمام النمو. فالتنمية الحقيقية لا تقاس فقط بارتفاع نسب التشغيل، وإنما أيضا بقدرة المجتمع على حماية الأسرة، وتشجيع الزواج، ورعاية الأطفال، وصيانة التوازن بين متطلبات التنمية وثوابت الهوية والقيم.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
25°
25°
الثلاثاء
26°
الأربعاء
26°
الخميس
26°
الجمعة

كاريكاتير

حديث الصورة