العزوف عن الزواج.. والمستقبل المفزع

18 مايو 2026 19:14
فيديو.. العنف ضد المرأة.. رؤية شرعية ومقاربة اجتماعية - د. أحمد اللويزة

العزوف عن الزواج.. والمستقبل المفزع

هوية بريس – د.أحمد الويزة

معطيات حديثة صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط عن سنة 2025 تشير إلى تزايد ملحوظ في عزوف الرجال عن الزواج بالمغرب، حيث بلغت نسبة الرافضين 51% من الشباب الذين أصبحت عندهم قضية الزواج أمرا متجاوزا، وقد كثرت التحليلات والتعليقات والكتابات حول الدراسة والأرقام من حيث الأسباب والدواعي والظروف التي أدت بالشباب للوصول إلى هذه القناعة، ولكن قلّ من تحدث عن الأسباب الحقيقية والتبعات الكارثية لهذا الحال الذي آل إليه الشباب.

قبل مدة كان الزواج حلما ورديا يراود كل شاب وشابة، وكان الزواج يسمى بالقفص الذهبي، وليلة الزواج ليلة العمر، لكن يبدو اليوم أن هناك حملة هروب جماعي من هذا القفص ومن هذه الليلة، وأصبح الزواج في نظرهم بعبعا مخيفا ووحشا مرعبا، لا يقترب منه إلا مغفل أو صلب القلب لتحمل مشاكل وهموم وذل تبعات الزواج التي يفرزها الواقع ويكرسها الإعلام المقيت.

في بداية هذا المقال الذي أود من خلاله أن أكشف جزء من المصائب التي تنتظرنا مع هذا العزوف والهروب الجماعي من طاعة الله الذي هو الزواج، حيث كان الأجداد يقولون (لي هرب للزواج هرب للطاعة)، ليصبح اليوم الهروب من الزواج هروبا من الطاعة، وعليه أقول إن الزواج أمر كتبه الله على البشر كما كتبه على أكثر المخلوقات إن لم تكن كلها باستثناء الملائكة، وليس هو أمرا اخترعه مخلوق أو حتى الكائن الأول من بني آدم كما يتوهم منكرو الخلق والخالق.

ولكي يتم هذا الزواج بين الذكر والأنثى كما أراده الخالق سبحانه فإنه ركب فيهما غريزة الشهوة وهي الميل لكل منهما إلى الآخر لتلبية الرغبة الجنسية كما يلبي الإنسان رغبة شهوة الأكل والشرب واللباس وهلم جرا، ولأن الله هو الذي كتب ذلك على بني آدم وخلق فيهم هذه الشهوة الغريزية فإنه جعلها دافعا قويا للارتباط بين الذكر والأنثى، وقد جعل الله هذا الارتباط مشروعا مباحا من خلال الزواج فقط، وحرم كل أنواع الارتباط، وعليه فإن الناس لما كانوا في زمن الطهر والعفة والحياء والوقار والحشمة كان الواحد منهم إذا بلغ السن الذي يجد فيه الميل إلى الطرف الآخر فإما أن يلزم الصبر إن لم تكن عنده القدرة على الزواج حتى ييسر الله، وإما أن يبادر إن كان يملك القدرة على ذلك، وربما تدخل الوالدان وبادرا بتزويج الابن والبنت، وقد كان من مقولاتهم المتوارثة (ثلاثة لا تقبل التأخير ومنها تزويج البنت)، وقد كان الزواج عندهم في سن مبكرة سواء بالنسبة للرجل أو المرأة لأن الأمور كانت ميسرة ماديا، ولم يكن الزواج عندهم مقيدا بتعقيدات العادات والتقاليد، ولا مسرحا للتباهي والتفاخر، وإنما ملاذا للستر وعنوانا على النضج والوعي والرجولة التي عنوانها عندهم هو القدرة على تحمل المسؤولية.

لكن الأهم في هذا السياق المتسم بالإقبال على الزواج بكثرة وفي سن مبكرة وبين سياقنا الذي يعرف عزوفا متزايدا وتأخرا ملحوظا هو أن الشباب في زمن العفة والطهر لم يكن يجد أمامه إلا الزواج الحلال سبيلا لتصريف الرغبة الجنسية فيتوكل على الله طالبا للحلال، أما الحرام فلا سبيل له إليه إلا بشق الأنفس والنادرة الغالبة، أما اليوم فيعزف الشباب عن الزواج الذي لم يعد يرى فيه ذلك الرباط المقدس والمعظم شرعا وعرفا، وإنما يراه مجرد استهتار وتباه وبهرجة سرعان ما تنتهي بالحرب التي تكسر فيها العظام وتنتهك فيها كل القيم والأخلاق بين الزوجين، لكن الأقبح من كل هذا هو أننا نعيش زمن الانتهاك والتهتك وزمن الانفجار الجنسي، واللذة المتاحة على مدار الساعة، والأعراض أرخص البضائع والعلاقات الجنسية صارت تحضرا بينما الزواج تخلفا وأسلوبا قديما في تصريف الشهوة، ويسوق للشباب أن الكون يتطور إلى أساليب جديدة في الحياة تقطع مع الماضي الذي دفن الناس في حفرة ضيقة وحرمهم الاستمتاع بالحياة بدون قيود، -وهي قيود مصدرها الدين في الغالب- وهذه فوضى تعيشها البشرية ويقودها الشيطان شخصياً ومعه جنوده من الإنس، والذين سمموا حياة الزواج الشرعي وأشاعوا الفاحشة، بل واختلقوا للزواج صورا أخرى غير التي شرعها خالق العباد، فزينوا للبشر الزواج المثلي والزواج بكائنات من غير جنس بني آدم بل حتى بالجمادات، بدعوى التطوير والتغيير والخروج من روتين الماضي السحيق، كل هذه الدعوات وجدت لها آذانا صاغية وقلوبا واعية وعقولا مصدقة، فبدأت في بيئة غربية لا دينية ثم تسربت إلى بيئة الإسلام الذي يعتبر الزواج ميثاقا غليظا ويحوطه بعناية خاصة ومنظومة من الشروط غايتها صيانة هذا الميثاق من الاستهتار والعبث، فقد قال الله تعالى متحدثا عن عقد الزواج والدعوة إلى احترامه والوفاء به (وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً) سورة النساء، وقال عليه الصلاة والسلام (إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج) صحيح البخاري.

إن الشباب اليوم الذي يجد الحرام أسهل من الحلال وتبعاته أهون من تبعات الحلال، ويجد الحرام أقرب إلى شراك نعله من حلال يراه صعب المنال والطريق إليه شاق ومكلف، يضاف إلى ذلك أن يتولى أمر تدبير شؤونه الاجتماعية والسياسية نخبة متغربة تتحالف مع الفاحشة ضد العفة ومع القذارة ضد الطهر وتحارب الفضيلة من أجل الرذيلة، وتشرع القوانين التي تضيق على الزواج الحلال وتسن القوانين التي تسهل سبل الحرام، فكيف لا يفر الشاب من الزواج إلى الزنا ومن المسؤولية إلى الاستهتار ومن الحلال إلى الحرام، والظروف كلها تسير به إلى ذلك وتحمله على ذلك في زمن انزوى فيه الدين وقلت فيه الخشية من الله وفشا فيه الفحش والتفحش، وأصبحت مقولة (من ذهب إلى الزواج ذهب إلى الطاعة) و(بغيت نكمل ديني) لا تعد تجد لها موطئ قدم في واقع شباب اليوم إلا قليلا.

الأرقام اليوم هي مفتوحة على المجهول ونسبة 51% مرشحة إلى الارتفاع في ظل تسميم البيئة وتلويث المجتمع بقوانين وبرامج تصادم الهوية والدين والقيم والتقاليد، وإعطاء المرأة حقوقا ليست لها وإنما سلبت من الرجل مما جعله يفكر مليون مرة قبل أن يقدم على مشروع الزواج الذي كان يقدم عليه بكل حب وإقبال وسرور، واليوم صار هواجس مرعبة، حيث الناس والشباب يهنئ بعضهم بعضا بقفص العنوسة ويقابلون المتزوجين بكثير من الشفقة والخوف والتوجس.

وبعد هذا يأتي السؤال الأخطر والمخيف وهو ما المصير وكيف يكون المستقبل بعد هذا العزوف والنظرة السوداوية التي صارت لدى الشباب اليوم الذين هم عماد المستقبل؟

الجواب على السؤال لا يحتاج إلى تخمين أو توقع، بل النتائج تلوح في الأفق، والكوارث المجتمعية تطل برأسها، وذلك إذا لم يتزوج هذا الشاب وهذه الشابة فأين سيتم تصريف تلك الشهوة الغريزية الفوارة التي تذكي نارها عصابة الانحلال التي تشجع على العري والعلاقات الجنسية ونشر المواد الإباحية وجعلها سهلة التناول، وتشجيع الشباب على المساكنة عوض الزواج، إننا إذن أمام هجرة من الحلال إلى الحرام وطوفان من الزنا وسيل من الفاحشة لن يأتي منه إلا طوفان من أبناء الحرام حتى نصبح في مصاف الدول الغربية التي قطعت مع الفضيلة من زمان، وأصبح نموها الديمغرافي قائماً على أبناء الزنا، في مقدمتهم رائدة الحضارة فرنسا التي تحتل المقدمة بنسبة 75% من مواليد الحرام من أبناء الوطن، ناهيكم عن انتشار الشذوذ والممارسات المنحرفة واختلاط الأنساب والإجرام، وكل ذلك له تبعات اقتصادية وأمنية وأخلاقية، تحول الوطن من بلاد الشرفاء إلى بلاد اللقطاء، ومن بلد الشرف والعفة إلى بلد القذارة والقبح، ومن مجتمع الفضيلة إلى مجتمع الرذيلة، يحصل كل ذلك ونحن بلد الإسلام الذي يضرب بجذوره في أعماق التاريخ، يحصل هذا التحول لا قدر الله ليحصل أكبر وأخطر وأشد تحول في التاريخ الحضاري للشعوب بعد الذي حصل في بلاد الأندلس.

هذه بعض التبعات باختصار وإجمال، وإلا ففي التفاصيل ما تتفطر له الأكباد، وهذا ناقوس خطر لعل وعسى أن يجد آذانا صاغية من شرفاء هذا الوطن ليقفوا ضد أكبر مذبحة للقيم في أعرق بلد للإسلام والفضيلة.

 

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
19°
22°
الإثنين
22°
الثلاثاء
24°
الأربعاء
23°
الخميس

كاريكاتير

حديث الصورة