وثائق إبستين: أردوغان وإسرائيل والدولة العميقة في تركيا

هوية بريس – وكالات
أعاد تقرير تحليلي نشرته مجلة البيان تسليط الضوء على وثائق رجل الأعمال الأمريكي الراحل جيفري إبستين، لكن من زاوية تتجاوز البعد الفضائحي، نحو قراءة سياسية وأمنية لكيفية نظر بعض الدوائر الغربية إلى التحولات العميقة التي عرفتها تركيا خلال السنوات الأخيرة، ودور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في إعادة صياغة موازين القوة داخل الدولة وموقعها الإقليمي، بما في ذلك علاقاتها المتوترة مع إسرائيل.
التقرير لا يتعامل مع المراسلات باعتبارها وثائق رسمية أو خلاصات استخباراتية معتمدة، بل يقدّمها بوصفها مؤشرات على تصورات وانطباعات متداولة داخل أوساط غربية حول المسار التركي، خاصة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة سنة 2016، وما تلاها من إعادة تموضع داخلي وخارجي.
أردوغان والعلاقة مع إسرائيل في المراسلات
بحسب ما أورده تقرير البيان، تحضر العلاقة بين أنقرة وتل أبيب بوضوح في مراسلات إبستين، حيث يُصوَّر الخلاف بين الطرفين على أنه يتجاوز حدود الخطاب السياسي إلى مستوى الصراع الدبلوماسي الفعلي.
وتشير بعض الرسائل، كما ينقل التقرير، إلى أن مواقف أردوغان من سياسات حكومة بنيامين نتنياهو لم تُقرأ داخل هذه الدوائر باعتبارها مواقف شعبوية موجهة للرأي العام الداخلي، بل كجزء من نهج سياسي يسعى إلى تقليص النفوذ الإسرائيلي في ملفات إقليمية حساسة.
وتعكس لغة المراسلات، وفق التقرير، قلقًا من تحوّل الموقف التركي من إسرائيل من شراكة استراتيجية تقليدية إلى علاقة متوترة تحكمها حسابات صراع وتوازن قوى، خصوصًا في ظل ما وصفته بعض الرسائل بـ“مرحلة ضعف إسرائيلي” إقليميًا.
الجيش التركي وقطع الروابط مع تل أبيب
في سياق متصل، يربط تقرير البيان بين التغييرات التي طالت المؤسسة العسكرية التركية وبين ملف العلاقات مع إسرائيل. إذ تنقل المراسلات توصيفًا لما جرى داخل الجيش التركي على أنه “تطهير” لضباط كانت لهم، بحسب الرسائل، علاقات تاريخية جيدة بإسرائيل.
ويُفهم من قراءة هذه المراسلات أن هذه الخطوات لم تكن، في نظر كُتّابها، مجرد إعادة هيكلة داخلية، بل محاولة واعية لإعادة بناء مؤسسة عسكرية أكثر انسجامًا مع التوجهات السياسية الجديدة لأنقرة، وأقل ارتباطًا بشبكات نفوذ خارجية كانت إسرائيل أحد أطرافها غير المباشرة.
تركيا بين الضغط الإسرائيلي وإعادة التموضع الإقليمي
يرى تقرير البيان أن مراسلات إبستين تعكس إدراكًا داخل بعض الدوائر الغربية بأن السياسات التركية الجديدة وضعت أنقرة في موقع تصادمي مع إسرائيل، ما جعلها عرضة لمحاولات ضغط واحتواء غير مباشرة. وتظهر في هذا السياق إشارات إلى توظيف ملفات أمنية وإقليمية، من بينها الفاعلون غير الدوليين، كأدوات للتأثير على القرار التركي.
ويضع هذا التصور تركيا، كما تعكسه الوثائق، في موقع الدولة التي لم تعد منخرطة في منظومة التحالفات التقليدية في الشرق الأوسط، بل تسعى إلى رسم مسار مستقل، حتى وإن كان ذلك على حساب توتر علاقاتها مع إسرائيل وحلفائها.
محاولة انقلاب 2016 والملف الإسرائيلي
لا يفصل التقرير بين توتر العلاقات التركية–الإسرائيلية وبين مرحلة ما بعد محاولة الانقلاب الفاشلة سنة 2016. فبحسب القراءة التي يقدمها، تُدرج هذه المرحلة ضمن سياق أوسع من إعادة تقييم أنقرة لعلاقاتها الخارجية، بما فيها العلاقات الأمنية والعسكرية التي كانت قائمة سابقًا مع تل أبيب.
وتشير المراسلات، كما ينقل التقرير، إلى أن التحولات التي قادها أردوغان بعد الانقلاب عززت الشكوك داخل بعض الدوائر الغربية والإسرائيلية حول مستقبل التعاون مع تركيا، خاصة في الملفات الأمنية الحساسة.
قلق ثقافي يتقاطع مع السياسة
يمتد هذا القلق، وفق تقرير البيان، إلى المجالين الثقافي والتعليمي، حيث تُظهر بعض الرسائل انزعاجًا من التحولات الاجتماعية المحافظة في تركيا، باعتبارها جزءًا من مسار أوسع يبتعد تدريجيًا عن النموذج العلماني الغربي الذي كان، تاريخيًا، يشكّل أحد أسس التقارب التركي–الإسرائيلي.
ويرى التقرير أن هذا البعد الثقافي لا ينفصل عن البعد السياسي، إذ يعكس مخاوف من تحوّل تركيا إلى فاعل إقليمي يستند إلى مرجعية مغايرة للمنظومة الغربية–الإسرائيلية التقليدية في المنطقة.
قراءة في الدلالات
من خلال جمع هذه المحاور، يخلص تقرير البيان إلى أن مراسلات إبستين ترسم صورة لتركيا تمر بمرحلة تحول عميق، يشمل بنية الدولة، والمؤسسة العسكرية، والدور الإقليمي، والعلاقة مع إسرائيل، إلى جانب تحولات ثقافية واجتماعية متسارعة.
ولا تقدّم هذه المراسلات، كما يشدد التقرير، سردية نهائية أو حكمًا قاطعًا، بقدر ما تعكس كيفية إدراك بعض الدوائر الغربية والإسرائيلية لمسار تركي بات أكثر استقلالية وأقل قابلية للضبط ضمن التحالفات التقليدية.
وبهذا المعنى، تكتسب قراءة وثائق إبستين أهميتها من كونها مرآة لانطباعات خارجية وقلق سياسي وأمني تجاه تركيا، أكثر من كونها توصيفًا موضوعيًا حاسمًا لمسار دولة لا تزال تحولاتُها مفتوحة على احتمالات متعددة.



