تسديد خطبة الجمعة

هوية بريس – د.أحمد كافي
من العبارات التي تتكرر في كل خطبة جمعة تقريبا، عبارة التسديد، التي يريد محررو خطب الجمعة الإقناع بأن هذه الخطب تجري على وفق مرجعية التسديد، وأن على الناس عدم الحيدة عنه.
وعبارة التسديد لا اعتراض عليها، خاصة وأنها واردة في النصوص الشرعية، التي تؤكد على أن من مقاصدها: جعل العمل صالحا، وحيازة مغفرة الله. قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً” [الأحزاب:70-71].
الحديث عن الإمامة:
والإمامة موضوع من الموضوعات التي عانت الأمة منها وإلى اليوم جفاء أو إفراطا، سواء في بيان أمرها بحق، أو حمايتها بصدق، وأن الناس لا يصلح حالهم فوضى لا سراة لهم كما قال الأقدمون، وأن حاجتهم إلى الإمام أكيدة، حتى قالوا: سلطان ظلوم خير من فتنة تدوم.
ولذلك سارع الصحب الكرام إثر وفاة سيد الخلق إلى نصب الإمام حماية للبيضة ودين المسلمين وأنفسهم وأعراضهم وأموالهم.
لا عصمة للأئمة:
وامتاز أهل السنة والجماعة عن الطوائف المنحرفة المدعية بعضها العصمة لأئمتهم. فدافعوا عن وجوب نصب الإمام لعدة مصالح تجتلب، ومفاسد تدفع. وفي الوقت نفسه لم يزعم أحد من الأئمة الأعلام العصمة لإمام. وأكدوا أن الأمة مأمورة بالنصيحة لله ولكتابه وسنة نبيه ولأئمة المسلمين وعامتهم كما ورد عنه صلى الله عليه وسلم.
ولا يعني نفي العصمة على الأئمة التطاول عليهم، أو سلقهم بالألسنة الحداد. بل هم محل التوقير والاحترام، وإذا تبين للأمة أو لأحد أفرادها حق لم يوفق الإمام إليه، فحقه أن يقوم من أجل إعادة الأمور إلى نصابها. وهو سداد قول خيار أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها.
اختلاف الرعيل الأول مع الصحابة:
واختلف الجيل الفريد من الصحابة مع أئمتهم، مع كامل التوقير وحفظ المقام منه لهم. فقالت امرأة من عامة الناس لعمر بن الخطاب وهو أمير المؤمنين: ليس ذلك لك يا عمر. فرد عليها: ولم؟ قالت: لأن الله تعالى يقول: “وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا” [النساء:20-21].
فقال الفاروق لها وللسامعين على الفور ومن غير تردد: أصابت المرأة وأخطأ عمر.
احتمال التنازع:
والعلي القدير إذ يأمر بالطاعة لأولي الأمر، لم يغيب احتمال التنازع معهم. فضبط للأمة التنازع إن وجد أن يتم إرجاعه فورا إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال عز قائل: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا” [النساء:59].
هذا هو الحكم الذي لا أعرف مخالفا له من أهل العلم، أنه إذا وقع الاختلاف مع الإمام، أن يسدد بإرجاعه إلى مرجعية الكتاب والسنة.
تنازع العلماء والأمراء:
ولقد اختلف العلماء قديما مع أئمتهم، وجرت أهوال وكوارث بسبب عدم الرضا بإرجاع النزاع إلى المرجعية التي تحسمه. كما هو الحاصل في كثير من الخلافات في العهد الأموي أو العباسي وغيرهما، بين العلماء والأمراء. وكتب الشيخ الشهيد عبد العزيز البدري في هذا التنازع كتابه المشهور: الإسلام بين العلماء والحكام.
خطبة جمعة هذا اليوم:
وقد جانبت خطبة اليوم السداد فيما سطره محررها، وتكلف لي أعناق النص الشرعي الذي وجب اتباع منطوقه وما تفهمه كلمات الوحي. حيث نص على أن مكانة إمارة المؤمنين، وهذا حق لا نعارضه. غير أنه أكد عند التنازع بالقول:” وفي حالات التنازع والاختلاف، يكون الرجوع إليها أمرا ملزما، قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا” (الصفحة الثانية من الخطبة).
وهذا هو لي أعناق النصوص الشرعية، أن تقرر الآية بوضوح أنه عند التنازع يستوجب على الجميع الرجوع إلى الله والرسول.
فيحذف المحرر هذه المعاني والأحكام الواضحة التي لا يوجد خلاف علمي بين أهل العلم حولها، ويقرر عند التنازع معهم الرجوع إليهم!!!
فرفقا بكم وبنا وبالناس. فإن الله أمر بالسداد، لا بلي النصوص في قضية لا تعدم نصوصا في تثبيتها.



