جنازة الشيخ سعيد الصديقي.. رسائل معلنة إلى بائعي الأوهام

جنازة الشيخ سعيد الصديقي.. رسائل معلنة إلى بائعي الأوهام
هوية بريس – عابد عبد المنعم
لم يكن الشيخ سيدي سعيد الصديقي السرغيني من العلماء الذين يتصدرون المنصات الإعلامية، ولا من الباحثين عن الشهرة أو الأضواء. عاش عمره بعيدا عن الصخب، بين القرآن وطلبة العلم، داخل مدرسة عتيقة في دوار أولاد الشيخ بإقليم قلعة السراغنة، يربي الأجيال ويخرج الحفاظ والفقهاء والخطباء، حتى شاء الله أن يكون رحيله مناسبة ليتعرف عليه آلاف المغاربة الذين لم يسمعوا باسمه من قبل.
لقد كشفت جنازته المهيبة، التي حضرها آلاف المشيعين من مختلف مناطق المغرب، حقيقة كثيرا ما تغيب عن الأنظار؛ وهي أن العالم الصادق قد يجهله الإعلام، لكنه لا يغيب عن قلوب الناس. فذلك الحضور الكبير لم يكن نتيجة حملة دعائية، ولا تعبئة سياسية، ولا استعراض تنظيمي، وإنما كان ثمرة عقود من الإخلاص في خدمة القرآن الكريم والعلم الشرعي وتربية الرجال.
ولد الشيخ سيدي سعيد الصديقي بمنطقة أولاد الشيخ بقلعة السراغنة، وتلقى تكوينه العلمي بمدرستي تنالت وإكونكا العتيقتين بإقليم اشتوكة آيت باها، قبل أن يؤسس مدرسة عتيقة أصبحت منارة علمية احتضنت نحو 160 طالبا، تكفل برعايتهم وتعليمهم، معتمدا على دعم المحسنين، ومشرفا بنفسه على تدريس العلوم الشرعية وتحفيظ القرآن الكريم. ولم يكن همه بناء مؤسسة فحسب، بل بناء الإنسان، ولذلك تخرج على يديه مئات الأئمة والخطباء والمرشدين الذين انتشروا في مختلف مناطق المملكة.
لقد كان هذا العالم الجليل نموذجا للعالم المربي، الذي يصنع الأثر بصمت، ويترك بصمته في النفوس قبل أن يتركها في الكتب أو وسائل الإعلام. ولذلك لم يكن مستغربا أن يصفه الشيخ عبد الله بن المدني في كلمة مؤثرة خلال الجنازة بأنه “رجل في أمة، وأمة في رجل”، مستحضرا مقولة الإمام أحمد بن حنبل: “بيننا وبينكم الجنائز”، في إشارة إلى أن محبة الناس الصادقة هي أصدق شهادة على الإخلاص.
وتعيد هذه الجنازة إلى الواجهة حقيقة راسخة في المجتمع المغربي، وهي أن المغاربة، رغم كل التحولات، ما زالوا يكنون تقديرا كبيرا للعلماء الربانيين والمصلحين الحقيقيين الذين يخدمون الدين بصمت، ويقضون أعمارهم في تعليم الناس وإصلاحهم، بعيدا عن المزايدات.
وفي المقابل، تكشف مثل هذه المشاهد الفرق الكبير بين العالم المربي الذي يحرك القلوب، وبين من يحاول تحريك الشارع بالشعارات لتحقيق مكاسب سياسية أو إعلامية. فالمصلح الحقيقي لا يقاس بعدد متابعيه، ولا بحجم حضوره في وسائل الإعلام، وإنما بما يتركه من أثر في النفوس، وما يخرجه من رجال يحملون العلم والأخلاق. أما باعة الأوهام، فإن ضجيجهم قد يملأ الفضاء زمنا، لكنه سرعان ما يخبو، لأن البناء على الإخلاص وحده هو الذي يبقى.
لقد رحل الشيخ سعيد الصديقي عن الدنيا، لكنه ترك وراءه مدرسة وطلبة وعلماء، وسيرة طيبة، وجنازة ستظل شاهدة على أن الأمة لا تنسى من خدمها بصدق. وهي رسالة بليغة تؤكد أن العلماء الربانيين، وإن عاشوا بعيدين عن الأضواء، فإن الله يرفع ذكرهم، ويجعل محبتهم في قلوب الناس، مصداقا لقوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا﴾. فهنيئا لمن عاش مجهولا عند الناس، معروفا عند الله، ثم خرجت الأمة كلها لتشهد له بعد وفاته بأنه كان من أهل القرآن والعلم والإصلاح.



