دراما الشاشات وصياغة الأسرة المسلمة.. “الترند” الذي يغتال هويتنا في شهر القرآن

دراما الشاشات وصياغة الأسرة المسلمة.. “الترند” الذي يغتال هويتنا في شهر القرآن
هوية بريس – د.عبد المجيد أيت عبو
في كل عام، ومع اقتراب شهر رمضان المبارك، تتسابق الفضائيات والمنصات الرقمية للإعلان عما يسمى بـ “الماراثون الرمضاني”. إنها مفارقة عجيبة نعيشها في عصرنا الحالي؛ ففي الشهر الذي أُنزل فيه القرآن ليكون {هُدًى لِلنَّاسِ}، تُضخ أعلى نِسَبٍ من الإنتاج الدرامي الذي يزاحم أوقات العبادة، ويسرق أوقات الصائمين خلسة وهم لا يشعرون.
لكن القضية اليوم لم تعد مجرد “إهدار للوقت” أو إلهاء عن التراويح والقيام، بل تجاوزت ذلك لتصبح معركة حقيقية تُخاض في بيوتنا وغرف معيشتنا، وتستهدف النواة الصلبة المتبقية في مجتمعاتنا: “الأسرة المسلمة”. إن الشاشات اليوم لا تعرض الترفيه، وإنما تعيد صياغة وعينا، وتبرمج هويتنا، وتهندس قيمنا الاجتماعية بهدوء شديد النعومة، وبجرعات يومية مكثفة.
إذا قمنا بقراءة ثقافية نقدية لما تبثه أغلب المسلسلات المعاصرة، سنجد نمطاً متكرراً لا يمكن عدُّهُ من قبيل الصُّدفة. تتعمد الكثير من الأعمال الدرامية تفريغ الأدوار الأسرية من قداستها ومكانتها التي أرساها الإسلام.
صورة “الأب” في الدراما الحديثة غالباً ما تتأرجح بين نقيضين مُشَوَّهَين: إما أنه الديكتاتور المتسلط الرجعي الذي يقف عقبة أمام طموحات وحرية أبنائه، أو هو الكيان الضعيف، المهمش، والساذج الذي لا يملك من أمر بيته شيئا. وفي كلتا الحالتين، يتم هدم مفهوم “القوامة”؛ القائم على الرعاية والمسؤولية والحكمة.
أما “الأم”، فتُقَدَّم إما في صورة المرأة المقهورة المستسلمة لتكريس المظلومية الأنثوية، أو في صورة المرأة المادية المتسلطة التي تقيس نجاحها بحجم استهلاكها ومظاهرها الخادعة. وبطبيعة الحال، يتم تقديم “التمرد” على هذه الكيانات الأسرية من قبل الأبناء على أنه بطولة، وتحرر، وبحث عن الذات، مما يضرب المفهوم القرآني العميق لـ “البِرِّ” و”خفض جناح الذل من الرحمة” في مقتل.
ولم يعد الخطر مقتصرا على ما تعرضه الشاشات التلفزيونية الكبيرة التي قد تخضع لشيء من الرقابة الأسرية، بل انتقل إلى المنصات الرقمية العالمية، وشاشات الهواتف الذكية التي عزلت أفراد الأسرة الواحدة داخل غُرَفِهم. هذه المنصات التي تعمل بخوارزميات ذكية، لا تستهدف -هي أيضا- الترفيه البريء، وإنما تحمل أهدافا عولمية واضحة المعالم، وتعتبرها نمط حياة، وخطا تحريريا لا تتنحى عنه. إنها تسعى لتطبيع الشذوذ، والترويج للفردانية المتطرفة، وبث سموم النسوية الراديكالية التي تصور الزواج مؤسسة قمعية، وتُصَيِّرُ الأمومة عبئا يُعِيق تحقيق الذات. كل هذا يُدَسُّ في قوالب فَنّية مشوقة، وحبكات درامية متقنة، تجعل المشاهد يتعاطف مع الجاني، ويلتمس الأعذار للمنحرف، ويستنكر على المتمسك بفطرته ودينه رجعيته وتزمته.
حين تُوجه سهام النقد لصناع هذه الدراما، سرعان ما يرفعون درعهم المعتاد: “نحن لا نخترع شيئاً، نحن مجرد مرآة تعكس واقع المجتمع”. وهي مغالطة مكشوفة، فلو صدقوا لَنَقَلوا لوحاتٍ أخرى مشرقَةً من هذا الواقع يستنير بها المنغمسون في وَحَل الظُّلْمَة.
حين يتم التركيز على حالات شاذة ونادرة في المجتمع (كالخيانة الزوجية المبررة، أو عقوق الوالدين، أو العلاقات المحرمة) وتكرار عرضها في عشرات المسلسلات يوميا، فإن ما يحدث هو “التطبيع” لهذا المنكر، والمشاهد الذي يتعرض لهذه الوفرة الْمُلِحَّة من الصور السلبية، يشرع وعيه تدريجيا في عَدِّها أموراً معتادة مألوفة مقبولة، بل ومتوقعة! الدراما هنا لا تُشَخِّص المرض، بل تنشر العَدْوَى، وتجعل الاستثناء قاعدة، والمنحرف مألوفاً.
إن شهر رمضان المبارك، بأجوائه الروحانية المشهودة، ونسماته الربانية يمثل أفضل “مضاد”، وخير “ترياق” لهذه الأسقام والأوبئة التي تعج بها الشاشات والمنصات والمواقع. رمضان في جوهره تدريب للنفس وترويض لها على “الترك” و”الامتناع”؛ ترك المباحات من طعام وشراب استجابة لأمر الله. ومن ثم فمن باب أولى أن يكون فرصة لترك ما يفسد العقول ويسمم القلوب.
نحن بحاجة إلى استعادة السيادة على أوقاتنا وعقولنا، وألا نكون مجرد مستهلكين لما يُلقى إلينا عبر الشاشات. ومن الخطوات العملية الكفيلة بتحقيق هذه الغاية:
1-إقرار مبدأ “الصيام الرقمي”:
كما تعودنا الصوم عن الطعام، فينبغي أن نقتطع من يومنا الرمضاني ساعات محددة يُمنع فيها تشغيل الشاشات الذكية والتلفزيون تماما، وتُخصص هذه الساعات للتواصل الأسري المباشر، وقراءة القرآن، وحلقات الذكر، ومذاكرة العلم داخل البيت.
2-تعزيز “الوعي الإعلامي” لدى الأبناء:
لم يعد خيار “المنع المطلق” مجديا ولا واقعيا في زمن التدفق الإعلامي، ويصعب في كثير من الحيان أن نغلق دونه الأبواب، والحل يكمن في مشاركة الأبناء لحظات التلقي في غمرة هذا السيل الهادر؛ فمتى برز مشهد يروج لانحراف عقدي أو أخلاقي، يجب أن تتوقف الشاشة ليبدأ الحوار: “كيف ترون موقف هذا البطل؟ وما هو ميزان الشرع في هذا التصرف؟”. فتكون الغاية الكبرى هي الارتقاء بهم من حالة “التلقي السلبي” ومن “الانبهار”، إلى مرتبة “النقد الواعي”؛ ففي هذا الوعي يكمن الحصن المنيع لحماية هويتهم.
3-المشاهدة الانتقائية والبدائل النظيفة:
لا يتعارض التمسك بالهوية مع الترويح المباح أو تذوق الفن الهادف، غير أن تحديات المرحلة تتطلب منا تفعيل “حارس داخلي” ينتقي ما نشاهد بوعي وحزم. لنجعل بوصلتنا تتجه نحو الإنتاج التاريخي الذي يرسخ الجذور، أو الأعمال الوثائقية التي تثري العقل وتحترم ثوابت الدين، مع الالتزام الصارم بتأطير المشاهدة في حيز زمني ضيق، بحيث تظل العبادة هي سيدة الوقت ومحوره الأساس.
4-تفعيل سلاح “المقاطعة الواعية”:
إن صناع الدراما يلهثون دوماً خلف أرقام “المشاهدات” وحصد المزيد من تفاعل الجمهور المستهلك، فالأرقام هي بوصلتهم الوحيدة. من هنا، تصبح مقاطعة الأعمال التي تهاجم قيم الأسرة، وإلغاء الاشتراكات في المنصات التي تروج للشذوذ والانحلال، نوعاً من “الجهاد المالي والثقافي” المعاصر، الكفيل بـكسر شوكة هذا الغزو الناعم، وإجبار رؤوس الأموال على التراجع عن استهداف ثوابتنا، بل ودفعهم للبحث عن محتوى يحترم عقولنا وديننا، أو على الأقل يفسح المجال لبروز إنتاج إعلامي بديل ينبع من أصالتنا ويعبر عن هويتنا الحقيقية.
خلاصة القول؛ المعركة اليوم هي معركة “وعي” في المقام الأول. الشاشات التي صُنعت لتقريب العالم، تُستخدم اليوم لتمزيق الأسرة واغتيال الفطرة. ولكن، وعينا بهويتنا، واعتصامنا بقيمنا، وإدراكنا لمقاصد الصيام الحقيقية، هي دروعنا التي لا تُخترق. فلنجعل -أيها القارئ الكريم- من رمضان هذا العام نقطة انطلاق لبيوت أكثر وعيا، وأسرا أكثر تماسكا، وهُوية تأبى الذوبان في طوفان الدراما الاستهلاكية.



