دردشة مع الأمّارة حول التشغيل والوظيفة والانتماء السياسي

02 فبراير 2017 21:03
مُمَرِّض في حَيْصَ بَيْصَ.. ومعاينة الوفيات (ح2)

هوية بريس – عبد العزيز غياتي

سألتني الأمّارة عن حالي كما اعتادت أن تفعل في كلّ منعطف ترى حينه ضعفا في النّفس واهتزازا في الجوارح، فقالت لي: “اِنخرط في حزب يتزعّم أو يشارك في الحكومة لعلّك تنال نصيبا من الامتيازات التي يُفترض حسب مناطقة السيّاسة أن يُغدَق بها على الذين يدورون في فلكِ عضو في الحكومة، أو في فلكٍ قريبٍ منه أو قريبٍ مِنْ مَنْ هم قريبون منه”، وقد ذكّرتني بتاريخ مضى ليس لتقليب المواجع ولكن فقط لعلّها تُقنعني بما تأمرني به، ذكّرتني حين احترفت إصلاح الأجهزة السمعية البصرية بعد جولة طويلة غير موفّقة للبحث عن الشغل وبعد أن امتهنت قبل ذلك حرفة النجارة، احترفتها في انتظار أن يتحقّق حلمي كما حلم كلّ الشّباب أمثالي بدخول عالم الوظيفة بناء على الديبلوم الجامعي الذي قضّيت من أجل الحصول عليه سنوات عدّة، ذكّرتني بذلك الحزب في بداية التسعينيات الذي كانت المشاركة في حملته الانتخابية والانضمام إلى شبيبته منفذا إلى الوظيفة، مرّ منه شباب كثر، يبدو أنّ حالهم قد تحسّن بفضل الحزب عليهم.

“لقد أخطأتِ التقدير، كيف تنصحينني بالانخراط في حزب ليس اقتناعا، ولكن لأقضي بذلك حاجة شخصيّة؟ ألم تري كيف رفضتُ عرض الأصدقاء الدخول من نفس المنفذ؟ ألا تذكرين حديثي لك حينئذ أنّ الغاية لا يمكنها أن تسوغ اشتغالي طرطورا لهذا أو ذاك الذي احترف العضوية في البرلمان؟ وأن أعيش حياتي وأنهيها حِرفيّا يصلح الأجهزة الإلكترونية أحبّ إليّ من ما تدعينني إليه، ولو شاء الله أن أعيش كذلك، فلن يستطيع ذلك الحزب أو غيره تغيير قدري وتحويلي إلى موظّف مرتّب في سلالم الإدارة، وعلى كلّ حال فإنّ ذلك أصبح في خبر كان، خاصّة بعد الموقف المتشدّد تجاه التّوظيف المباشر الذي أبداه رئيس الحكومة، ودعيني أذكّرك بفشل الأطر العاطلة في ثنيه عن قراره ذاك على الرّغم من إلحاح بعض نواب الأمّة والاحتجاجات المسترسلة للمعنيين بالأمر، وأذكّرك بدعوته المطالبين بالتوظيف المباشر والمقتنعين بعدالة قضيّتهم، وتشجيعهم على رفع دعوى قضائية ضدّ الحكومة تؤدّي تكاليفها رئاسة الحكومة، وتعهّده بتنفيذ حكم المحكمة دون تردّد إن حكمت لصالحهم “، كذلك أجبتها.

قالت : “صحيح إنّك بالأمس عانيت من العطالة بعد أربع سنوات من الدّراسة الجامعية وظللت تبحث عن الشّغل طيلة سبع سنوات قبل أن تلج معهدا للتكوين عن طريق مباراة كتابية واختبار شفوي، وصحيح أنّك عشت كذلك سنة ونيّف من العطالة بعد التخرّج من المعهد قبل أن تلج سلك الوظيفة العمومية، وعلى الرغم من كلّ ذلك لم تحاول امتطاء العمل السيّاسي أو النشاط الحزبي والانتخابي لجرّ منفعة شخصيّة، ولكن قد تكون تحمّلت كلّ تلك المعاناة فقط لأنّك كنتَ شابّا متحمّسا ترى الحياة أمامك رحبة والعمر أمامك طويلا، أمّا اليوم فلكلّ مقام مقال، فأنت موظّف في منتصف العمر والوظيفة مكسب تحتاج إلى المحافظة عليها وتنميتها بالترقّي عبر درجاتها وسلاليمها بسرعة وسلاسة، ومن أجل ذلك لا بدّ من غطاء سيّاسي تحمي به ظهرك وتؤمّن به مستقبلك المهني، وتضمن مستقبلَك ومستقبل أسرتِك المادّي”.

“عجبا لك أيّتها الأمّارة! ألا تعلمين لماذا لم أكن من الذين تهافتوا للانخراط في حزب ذلك الوزير والوزير الذي تلاه بِنيّة التخلّص من العمل بالمناطق النائية مثل التي كنت أعمل بها والانتقال للعمل داخل المجال الحضري أو على الأقل في أقرب مقرّ عمل إلى محلّ سكناهم؟ ولم أفكّر مجرّد التفكير في تقديم مقابل لأيّ أحد من أجل ذلك أو من أجل الدّخول إلى قلب المجال الحضري بالإقليم أو الاقتراب من محيطه.

دعيني أحدّثكِ قليلا عن هذه الوظيفة التي تبرّرين بها دعوتك، لقد ابتدأت حكايتها مساء أحد أيام ربيع 1995 حين دخل علينا البيت أخي الأكبر يحمل بيده قصاصة من جريدة مكتوب عليها إعلان عن تنظيم مباراة، يعرضها عليّ بعد أن عرضها عليه أحد الأصدقاء، تردّدت في بداية الأمر بحكم الزّبونية والمحسوبية التي كانت تلاحق كلّ مباراة تُفتح في وجه الشباب، ولكنّني اقتنعت في آخر المطاف وبعد سجال قصير بضرورة المحاولة، وخطْوِ خطوة أولى لعلّ الله يحدث بعد ذلك أمرا، وهكذا كانت الرّحلة إلى المدينة الحمراء فرصة للسيّاحة وزيّارة الأصدقاء، أمّا عن الاستعداد فقد كانت ليلة الامتحان كافية ليمنّ الله عليّ بالتوفيق في الجزء الكتابي منه، أمّا بخصوص الشفوي فقد كان مثاليا إلى درجة تفوّقت فيها الحقيقة على الخيال.

هي إذن وبدون تأويل أو تحليل أو فلسفة، منّة منّ الله عليّ بها، بلا حول منّي ولا قوّة، فإن شاء سبحانه أدامها وإن شاء أخذها، فلا تتوقّعي منّي بعد ذلك أن أفسد هذه النعمة وأفسد الاستمتاع بها، بالحرص عليها إلى درجة الهوس أو الخوف المرَضي من زوالها “.

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M