دكاكين الخبرة في كل شيء في زمن السوشيال ميديا

09 مارس 2026 17:13

دكاكين الخبرة في كل شيء في زمن السوشيال ميديا

هوية بريس – د.عبدالاله الرضواني

لم يعد الوصول إلى الشهرة في عصر وسائل التواصل الاجتماعي يحتاج إلى علم أو تخصص أو سنوات من التحصيل الجاد. يكفي هاتف وكاميرا وثقة مفرطة بالنفس، ليخرج علينا كل يوم خبير جديد يوزع الأحكام والنصائح في أخطر المجالات: الدين والصحة. وهكذا تحولت المنصات الرقمية إلى ساحة يعج فيها المتطفلون الذين يتحدثون فيما لا يعلمون، بينما يتراجع صوت العلماء الحقيقيين الذين قضوا أعمارهم في طلب المعرفة. في الماضي، كان التصدر للحديث في الشريعة أو الطب يحتاج إلى سنوات طويلة من الدراسة والبحث والتكوين العلمي. أما اليوم فقد اختُصر الطريق كله في مقطع فيديو لا يتجاوز دقيقة، وعنوان مستفز، وبعض العبارات الصادمة التي تضمن الانتشار. لكن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تتعلق بمجال ترفيهي أو ثقافي عابر، بل بمجالين يمسان حياة الناس مباشرة: الدين الذي يشكل وعي المجتمع وهويته، والصحة التي تتعلق بسلامة الإنسان وحياته.

التنوير المزيف: الهجوم على السنة طريق سريع إلى النجومية

في الشأن الديني تحديداً، برز في السنوات الأخيرة نوع جديد من نجوم السوشيال ميديا يقدم نفسه بوصفه مفكراً أو مجدداً أو صاحب مشروع تنويري. غير أن المتأمل في خطاب كثير من هؤلاء يكتشف سريعاً أن المسألة لا علاقة لها بالبحث العلمي أو الاجتهاد الحقيقي، بل بوصفة بسيطة للشهرة: خالف تُعرف، واصدم تُشهر. يخرج أحدهم ليهاجم السنة النبوية أو يشكك في الأحاديث الصحيحة بثقة مطلقة، بينما هو لم يدرس يوماً واحداً علوم الحديث، ولا يعرف شيئاً عن مناهج المحدثين في الجرح والتعديل أو نقد الأسانيد والمتون. ومع ذلك يتحدث وكأنه اكتشف ما عجز عنه علماء أفنوا حياتهم في خدمة التراث وتمحيصه.

إنها مفارقة لافتة: علماء كبار أمضوا عقوداً في دراسة النصوص، ثم يأتي شخص لم يقرأ في هذا العلم إلا عناوين عامة، ليعلن أمام الكاميرا أن عقله لا يقبل هذا الحديث. وهكذا يتحول النقاش العلمي إلى استعراض إعلامي يقوم على الجرأة لا على المعرفة.

ولكي يكتمل المشهد، يحرص هؤلاء على ربط خطابهم دائماً بشعارات مثل التقدم الغربي والعلمانية والعقل الحديث، وكأن الطريق إلى الحداثة يمر حتماً عبر الطعن في التراث الديني أو تفريغه من مضمونه. ويتم تقديم هذا الطرح على أنه تحرير للعقل، بينما هو في كثير من الأحيان مجرد استنساخ سطحي لخطابات فكرية دون فهم عميق لسياقاتها.

وفي الوقت نفسه، تُقدَّم كثير من القضايا الأخلاقية تحت عنوان الحرية الفردية، حيث تتحول الشهوات إلى حقوق مطلقة لا يجوز نقدها أو مساءلتها. وهكذا يُراد للدين أن يتحول إلى نسخة مخففة خالية من أي بعد معياري أو أخلاقي، نسخة يمكن لكل فرد أن يفصلها على مقاس رغباته.

وهنا تبدأ اللعبة الحقيقية. فمثل هذا الخطاب لا يعيش فقط على الجدل، بل يجد أيضاً منصات تحتضنه وتمويلاً يروج له. فهناك من يبحث عن نموذج لدين منزوع الدسم، دين بلا قوة أخلاقية ولا قدرة على النقد، دين يمكن تسويقه تحت شعار الإسلام المودرن. في هذا السوق الجديد، تتحول بعض الأصوات إلى ما يشبه نجوم العرض الفكري: كلما اشتد الهجوم على التراث، زادت الدعوات إلى البرامج والندوات، واتسعت دائرة المتابعين. النجومية هنا لها ثمن واضح: التخلي عن الأصول وبيعها في سوق النخاسة الفكرية مقابل الأضواء والمنصات. إنه مشهد يختلط فيه الطموح الشخصي بالبحث عن الشهرة، ويُستبدل فيه البحث العلمي الرصين بخطاب صادم يجذب الانتباه ويصنع التريند.

طب السوشيال ميديا: وصفات علاجية من مصانع الجهل

وإذا كان التطفل في الشأن الديني يثير الجدل، فإن التطفل في مجال الصحة قد يكون أكثر خطورة. فقد تحولت منصات التواصل إلى ما يشبه عيادة مفتوحة يديرها أشخاص لا علاقة لهم بالطب ولا بالبحث العلمي.

هنا تجد من يزعم أنه اكتشف علاجاً للسكري أو السرطان، وهناك من يحذر من أطعمة قاتلة دون أي دليل علمي، وثالث يروج لوصفات غذائية يزعم أنها تشفي كل أمراض العصر.

وغالباً ما تُقدَّم هذه النصائح بعناوين صادمة من نوع: “الحقيقة التي يخفيها الأطباء”أو “العلاج الذي لا يريدونك أن تعرفه”. والنتيجة أن كثيراً من الناس يقع بين التضليل والخوف والارتباك، بينما الحقيقة العلمية أكثر تعقيداً بكثير مما تقدمه فيديوهات قصيرة تبحث عن المشاهدات.

 من أين تؤخذ المعرفة؟

المشكلة الحقيقية ليست فقط في وجود هؤلاء المتطفلين، بل في تحولهم إلى مصادر معرفة لدى بعض الناس. وهنا يغيب مبدأ بسيط أكده القرآن بوضوح حين قال تعالى: “فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون” (الأنبياء، 7). وأهل الذكر هنا ليسوا أصحاب الحسابات الأكثر متابعة، بل أهل الاختصاص والخبرة: العلماء في الدين، والأطباء والباحثون في الطب والصحة، والميكانيكي والبناء، والكهربائي، والقانوني الخ….. فالمعرفة لا تؤخذ من أكثر الناس ضجيجاً، بل من أكثرهم إلماما وخبرة بميدانه.

بين العالم والمتطفل

العالم الحقيقي غالباً ما يتحدث بحذر ويزن كلماته، لأنه يدرك تعقيد المعرفة وحدودها. أما المتطفل، فيتحدث في كل شيء بثقة مطلقة: في الدين، والطب، والتغذية، والسياسة. إنه يعرف كل شيء… لأنه ببساطة لا يدرك حجم ما يجهله. ولهذا فإن أخطر ما نعيشه اليوم ليس مجرد انتشار الجهل، بل تحول الجهل نفسه إلى سلطة إعلامية، حيث يتصدر المشهد من يجيدون إثارة الضجيج لا من يملكون العلم.

وفي زمن تختلط فيه الأصوات، يبقى على الناس أن يتذكروا حقيقة بسيطة:

العلم لا يؤخذ من أصحاب التريند، بل من أهل الاختصاص.

فالدين ليس ملعباً للهواة، والصحة ليست تجربة يمكن أن يخوضها كل من أمسك هاتفاً وفتح بثاً مباشراً.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
22°
22°
السبت
23°
أحد
23°
الإثنين
23°
الثلاثاء

كاريكاتير

حديث الصورة