د.الودغيري يكتب: لعبة الكرة ولعبة السياسة

25 يوليو 2026 16:23

هوية بريس – د.عبد العلي الودغيري

كنا نعتقد أن لعبة الكرة هي وحدها التي يُشتَرى فيها الأبطال والنجوم فينتقلون من فريق إلى آخر ومن دولة إلى دولة. ولكن الأيام أظهرت لنا العجب. ومن عاشَ رجبًا رأى عجبًا. فإذا بالعدوى تنتقل إلى السياسة. ومن قال إن الكرة ليست سياسة (؟)، وإذا بلعبة الكرة تستهوي أصحاب لعبة السياسة. كلها لَعب في لعب، وكلها كُراتٌ مُتدحرِجة في ميادين مُتَدَرِّجة، وحولها متفرِّجون لا يشاركون إلا في لعبة التفرُّج. نحن المغفّلين وحدنا كنا في ذلك الزمن الذي نحسبه جميلاً، نظن أن العمل الحزبي والسياسي مسألة جدية وشرف ونضال وخدمة تطوعية للبلاد نؤديها راضين مبتهجين ونضحي من أجلها بالغالي والنفيس.

أصبحت الأحزاب (وهي اليوم أشبه بنوادي الألعاب) تبحث عن النجوم اللامعين واللاعبين المحترفين لا عن المناضلين الذين لا يساوون فَلسًا، وتعمل ما في وسعها لاستقطاب أو اختطاف ما تقدر عليه منهم، فلكل نجم ثمنه، والبورصة في تقلّب، والسعر يحدده السوقُ في كل موسم، فضلاً عن الدور الذي يلعبه الشنَّاقةُ المحترفون في التوسّط بين البائع والمشتري. فهم بمجرد ظهور بضاعة جديدة في السوق يستحوذون عليها بثمن بخس ليعيدوا تثمينها وتسويقها، والله يجعل الغفلة بين البائع والمشاري.

أذكر بمناسبة كلمة الشناقة والسوق، تلك الصرخة التي أطلقتها يومًا بدون أن أفكر في الثمن الذي أؤديه بسببها، وذلك حين نهضت من مقعدي في آخر الصفوف، وأنا أحتج احتجاجًا عنيفًا، على فلتةَ لسان جاءت في كلمة للمرحوم الأستاذ محمد بوستة (في زمن مضى) حين تلفظ بعبارة لا أدري من الذي دسَّها في خطابه في تلك المناسبة، فطالب بالتفكير في كيفية تحويل الحزب من حزب نضالي إلى حزب احترافي. استغربتُ يومها بشدة وقوع لفظ (احترافي) على لسان زعيم كبير للحزب، كنت أحسب أن مجرد ذكرها يُعدّ في حد ذاته كبيرة من الكبائر. فانتفضت صارخًا وأنا لا أبالي: «كيف تفكرون في تحويل أكبر حزب نضالي إلى سوق للمحترفين يقف السماسرة في مدخلها بشكائرهم المنتفخة، ليأخذوا من هذا وذاك، ويعطوا لهذا وذاك؟». أحسب أني استعملتُ في صرختي تلك كلمة (سماسرة) وهي تعني ما تعنيه اليوم كلمة (شَنَّاقة).

ولكني عشتُ حتى رأيت الخاطرة التي خطرت للرجل (بحسن نية ربما) في سنة 89 من القرن الماضي، وقد تحولت إلى منهج للعمل الحزبي يحل محل البرامج الحزبية ومرجعياتها النضالية، وترجح فيه كفة (النجوم) المجلوبين أو المختطفين أو الملمَّعين، على كفة المناضلين ولو كانوا من المؤسّسين.

أُفرِغ كل شيء من محتواه ومضمونه، ولم يبق أمامنا إلا الأظرفة والأغلفة المجوَّفة ينفخ فيها الريح من حيث ما هبَّ.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
24°
25°
أحد
26°
الإثنين
26°
الثلاثاء
26°
الأربعاء

كاريكاتير

حديث الصورة