هل التكوين المعرفي شرط أساسي في بناء الخطاب السياسي؟

24 يوليو 2026 21:19

هل التكوين المعرفي شرط أساسي في بناء الخطاب السياسي؟

هوية بريس – ابراهيم الناية

الكلام عن السياسة وعلاقتها بالمعرفة مسألة في غاية الأهمية، إذ بدون العلم والمعرفة لا يمكن أن يتحقق أي شيء ولذلك كان لزاما على أي ممارس للعمل السياسي أن يكون على جانب كبير من الثقافة والعلم من أجل التواصل ومواجهة قضايا المجتمع، إذ كيف يمكن معالجة المشاكل المختلفة التي يعيشها المجتمع بدون منهجية علمية ورؤية واضحة؟ ولكن المتتبع للخطاب السياسي في مجتمعاتنا يلاحظ أن هناك تردي في الصيغة والمضمون،فهل يعود هذا التردي إلى ضعف المستوى المعرفي للسياسي ؟أم إن الممارسة السياسية لا تقتضي التكوين المعرفي والعلمي؟

إن التكوين المعرفي شرط أساسي في الممارسة السياسية، وهذا ما شهدناه سابقا : إن كل الذين كانوا على رأس المؤسسات أو الهيئات التي تتصدى للعمل بمختلف تشكلاته كانوا على جانب كبير من التجربة والتحصيل العلمي، وإذا كان الإسلام قد حسم الأمر منذ البداية :أنه لا مكان للجهل في أمة الإسلام فإن الأوروبيين بدورهم قد أكدوا بداية منذ عصر النهضة :بالعلم والمعرفة نسيطر على العالم ،ومن ثم عندما تستفحل ظاهرة الأمية الفكرية للمتعاطين للشأن العام فإن الأمر يكون أكثر صعوبة وتعقيدا سيما أن الأخطاء تعود نتائجها على الجميع، ولذلك يمكن الإقرار أن الخطاب السياسي الناجح هو الذي يقدم مشروعا اقتصاديا واجتماعيا وأخلاقيا متكاملا قائما على منظومة معرفية متماسكة يتوخى من خلالها معالجة كل القضايا الاجتماعية بمختلف أنواعها .ولذلك إن العلم والإيمان والمعرفة هم القاعدة الأساس لبناء أي خطاب سياسي أو أية نهضة أو أي مجتمع يريد الانعتاق من الجهل والتخلف، ولكن لا بد من الإقرار أن الفكر الحر والإرادة المستقلة هم الذين يصنعان التوجه الحضاري للأمة التي تريد أن تكون حرة وذات سيادة، وهنا يحضر التوجه لرجل السياسة الذي يريد أن يساهم في بناء المجتمع فتفكيره ينبغي أن يكون من أجل الأمة لا من أجل الغير وكم من شخص يدعي الحداثة والتقدم وهو غارق في التبعية لأفكار مستعمري بلده سابقا. فكيف يكون الإنسان حرا وهو يفكر بعقل غيره ؟وهذا ما يطلق عليه بؤس الخطاب السياسي، لذلك ان السؤال الوجيه :ما هو الأساس العلمي للخطاب السياسي الناجح؟ لأنه عندما يكون هناك تدني وتدهور في الخطاب السياسي ،فهذا ناشئ عن تردي الوضع الفكري عند صاحب المشروع السياسي ،كما أنه عندما يكون الخطاب السياسي محصورا في المطالب المادية للإنسان فإن هذا الخطاب يعيش أسوأ لحظات بؤسه لأنه ترك الجوهر وهو الجانب الفكري والروحي للإنسان. إذ كيف يمكن أن يتم خطاب سياسي ناجح يهتم بقضايا أمته وشعبه دون أن يتسلح بالعلم والإيمان وقائم على الاستقامة إذ بدونها لا يمكن أن يتحقق أي أمر من الأمور؟ كما أن كثيرا من السياسيين اعتقدوا أن علاج مجتمعاتهم يتم وفق ما حصل في المجتمع الغربي وكأن مشاكلنا هي نفس مشاكلهم، وتجدونهم يطرحون قضايا الشباب والمرأة وكأننا في شمال أوروبا ،فهؤلاء السياسيون يفتقرون إلى قراءة التاريخ وطبيعة المجتمع حتى تكون المشاريع التي يقدمونها منسجمة مع الواقع الاجتماعي والتاريخي لبيئاتهم، فمعالجة الفقر والبطالة والعزوف عن الزواج ينبغي أن تخضع للثابت الأساسي الذي يشكل ذاتية الأمة وكينونتها .

فقد زين هؤلاء السياسيون للأمة خبائث الآخرين نظرا لتبعيتهم واستلابهم، ولذلك كيف يمكن قبول استراد الحلول التي نبتت في المجتمعات ذات الطبيعة المختلفة ويتم تقديمها كحلول ناجعة لمشاكل مجتمعاتنا التي تتميز بطبيعة خاصة؟ غير أن المشكل المثير للامتعاض أن كثيرا من السياسيين يرفعون الشعارات من أجل جلب الجماهير، ولكن سلوكهم الواقعي خيب آمال تلك الجماهير التي هتفت لهم وهنا يتجلى البؤس السياسي عندما لا يطابق سلوك السياسي الواقعي مع اقواله.

لكن ما هو واقع الهيئات السياسية في المجتمعات المتخلفة؟ ان هذه الهيئات ليست بالأحزاب ولا بالقبائل إنما هي مجموعة من الانتفاعيين يتلونون بلون المصلحة حيث يدورون مع المصلحة حيث دارت، وهذا ما نشيده واضحا عندما يتغذى بعض الأحزاب على بقايا بعض الأحزاب الأخرى مما يجعلنا نؤكد أن ما يطلق عليه الهيئة أو الحزب هو عبارة عن تجمع بشري دون أن يكون بينهم رابط فكري أو ايديولوجي وإنما الذي يحركهم هو المصلحة ليس إلا. وهذا ما نراه واضحا عندما يكون هدف الهيئة السياسية هو الاهتمام بالجانب المادي من حياة الإنسان فإنه يفقد مشروعيته لأن الإنسان كل لا يتجزأ ،ولا يمكن نجاح أي مشروع إلا إذا قام على بناء الإنسان المستقيم الذي يمكن أن يتحمل المسؤولية فبدون ذلك تبقى العشوائية سيدة الموقف.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
22°
24°
السبت
25°
أحد
27°
الإثنين
27°
الثلاثاء

كاريكاتير

حديث الصورة