مصادر التلقي والاستدلال في الفكر الصوفي

هوية بريس – نور الدين قوطيط
مبدئياً، يمكن أن أقول: “قل لي مصادر التلقي والاستدلال عندك، أقول لك منهجية تفكيرك، والمسار الذي تسير فيه، والأفق الذي يمكن أن تنتهي إليه”. وذلك لأن المصادر التي يجعلها المرء مراجعه في معرفة الحق والباطل هي العنصر الأبرز والعامل المؤثر في تحديد إطار أفكاره وآرائه.
وأنت مهما نظرت في شتى الفرق والمذاهب، ومختلف الفلسفات والإيديولوجيات، تجد أن أساس التباين ومحرك الصراع بينها يرجع إلى مصادر التلقي والاستدلال، لأنها هي التي تحدد خط أفكارهم وإطار قناعاتهم، وعنها يصدرون، وإليها يتحاكمون، فالحق ما قرّرته والباطل ما رفضته!
ولهذا كانت هذه القضية.. قضية مصادر التلقي والاستدلال.. من القضايا المركزية في الخطاب القرآني النبوي، لما لها من النتائج والآثار كما أشرت. فلقد تكاثرت النصوص الشرعية، تصريحاً وتضميناً، بحصر التلقي والاستدلال في المسائل الشرعية والقضايا القيمية، والمجالات الكبرى في الحياة، في الوحي بشقيه “القرآن والسنة”، حتى صرّح الرب سبحانه في حال التنازع بوجوب التحاكم إلى القرآن والسنة.
قال سبحانه: ﴿فَإِن تَنَـٰزَعۡتُمۡ فِی شَیۡء فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡـَٔاخِرِۚ ذَٰالِكَ خَیۡر وَأَحۡسَنُ تَأۡوِیلًا﴾ [النساء:59]. فانظر كيف ربط هذا الرد إلى القرآن والسنة بالإيمان بالله واليوم الآخر، وبيّن أن هذا المسلك خير في العاجل والآجل. كما جعل هذا التحاكم والاتّباع بتقريرات الوحي سبب الرحمة الإلهية: ﴿وَأَطِیعُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ﴾ [آل عمران:132].
ولهذا أمر بصورة مباشرة باتّباع الوحي والحذر من اتباع مصادر أخرى: ﴿ٱتَّبِعُوا۟ مَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ مِن دُونِهِۦۤ أَوۡلِیَاۤءَۗ قَلِیلا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:3]، وانظر كيف نكّر “أولياء” ليعم النهي كل الأشخاص والجهات التي قد تُتخذ -من دون الوحي- مصادر للتلقي والاستدلال، سواء زعما دين، أو زعما فكر، أو زعماء قبيلة، أو غيرهم.
وهذا المعنى ما زال حاضراً في وعي وخطاب أئمة السلف ومن سار في دربهم، حتى كان ذلك من شعارهم، كما قال أبو المظفر السمعاني: «وأما أهل الحق، فجعلوا الكتاب والسنة أمامهم، وطلبوا الدين من قبلهما وما وقع لهم من معقولهم وخواطرهم، عرضوه على الكتاب والسنة فإن وجدوه موافقًا لهما قبلوه، وشكروا الله عز وجل حيث أراهم ذلك ووفقهم عليه، وإن وجدوه مخالفًا لهما تركوا ما وقع لهم وأقبلوا على الكتاب والسنة ورجعوا بالتهمة على أنفسهم، فإن الكتاب والسنة لا يهديان إلا إلى الحق ورأى الإنسان قد يرى الحق وقد يرى الباطل». [صون المنطق والكلام عن فني المنطق والكلام. تأليف جلال الدين السيوطي، الصفحة 219، مجمع البحوث الإسلامية].
وقال ابن أبي العز الحنفي: «فالواجب كمال التسليم للرسول صلى الله عليه وسلم، والانقياد لأمره، وتلقي خبره بالقبول والتصديق، دون أن يعارضه بخيال باطل يسميه معقولاً، أو يحمّله شبهة أو شكا، أو يُقدم عليه آراء الرجال وزبالة أذهانهم، فَيُوَحّدُه بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان، كما وحّد المرسِل بالعبادة والخضوع والذل والإنابة والتوكل. فهما توحيدان، لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما: توحيد المرسِل، وتوحيد متابعة الرسول، فلا يحاكِم إلى غيره، ولا يرضى بحكم غيره، ولا يقفُ تنفيذَ أمره وتصديقَ خبره على عرضه على قول شيخه وإمامه وذوي مذهبه وطائفته ومَن يعظمه، فإن أذنوا له نفذه وقبل خبره، وإلا فإن طلب السلامة فوّضه إليهم وأعرض عن أمره وخبره، وإلا حرّفه عن مواضعه، وسمى تحريفه تأويلا وحملا، فقال: نؤوله ونحمله. فلأن يلقى العبد ربه بكل ذنب -ما خلا الإشراك بالله- خير له من أن يلقاه بهذه الحال». [شرح العقيدة الطحاوية. تأليف ابن أبي العز الحنفي، الجزء 2 الصفحة 321، مؤسسة الرسالة ناشرون، الطبعة 3/ 1440-2019].
ولهذا لما كان جيل الصحابة والتابعين والأئمة الأولين قد حصروا مصادر التلقي والاستدلال في القرآن والسنة، كانوا أمة واحدة، وقلوبهم صافية، وعقيدتهم واحدة، ووجهتهم واحدة، لأن أي تنازع كان قد يحدث بينهم في المسائل والقضايا المختلفة كانوا يبادرون برده إلى القرآن والسنة ويحرصون على التحاكم إليهما كما أمرهم ربهم عز وجل، ولم تكن الخلافات تخرج عن هذا الإطار. لكن، الذي حدث أنه في المراحل اللاحقة، بدأت الأهواء تشرئب، والآراء تتكاثر، والاختلافات تتزايد، والمذاهب والفرق تتناسل، والسبب الأصلي والمركزي لذلك هو عدم اقتصارهم كثيراً في مصادرهم في التلقي والاستدلال على الوحي! ثم مع الانغماس أكثر في هذا المسار، كان لابد من أن تُكيّف نصوص الوحي بحسب المصادر الجديدة!
ولقد كان من هؤلاء.. الصوفية! وللتنبيه فهذا المعنى وإن خرج مخرج التعميم، إلا إن المقصود به أصالة الصوفية المنحرفة، فمن المؤكد أن الصوفية ليسوا كتلة واحدة ليأخذوا حكماً واحداً.
المصدر المعرفي في الفكر الصوفي، أو قل إن شئتَ نظرية المعرفة في الفكر الصوفي، يقوم على منظومة ومنهج تلق واستدلال يختلف في كثير من جوانبه عن المناهج المعرفية لأهل الأثر والفقهاء والمتكلمين. فبينما يعتمد هؤلاء على المزواجة بين “النقل” و “العقل” باعتبارهما أدوات رئيسية للوصول إلى الحقيقة، رغم التباينات الواضحة بين كل فريق في مستوى ذلك، يتجه الفكر الصوفي نحو مصدر ثالث، هو “القلب” بجعله أداة معرفية عليا، فيكون الذوق القلبي بروافده المختلفة المصدر الأساسي للتلقي والمرجعية المعيارية للاستدلال، لأننا هنا أمام “علم لدني” لا دور لشيخ الطريقة فيه سوى التلقي من الملأ الأعلى، لأن «الواصلين إلى مرتبة العلم اللدني مستغنون عن كثرة التحصيل وتعب التعليم، فيتعلمون قليلاً ويُعلَّمون كثيراً، ويتعبون يسيراً ويستريحون طويلاً». [الرسالة اللدنية. تأليف أبو حامد الغزالي، الصفحة 55، دار المقطم، مصر/ 1435-2014].
يقول صادق سليم صادق: «مصادر التلقي الرئيسية عند فرق الصوفية -عموماً- ثلاثة مصادر، وهي: الكشف، والذوق، والوجد. وتحت كلٍّ منها أقسام ودرجات. وهذا لا ينفي وجود مصادر أخرى ثانوية غير هذه الثلاثة». [المصادر العامة للتلقي عند الصوفية. الصفحة 183، مكتبة الرشد، الطبعة 1/ 1415-1994] وهذا التحديد للمصادر طبيعي، بل وحتمي في الفكر الصوفي، كما ينقل الصوفية عن أبي يزيد البسطامي أحد كبار مشايخهم وقد كان يرى نفسه ختم الأولياء، يقول للفقهاء: «أخذتم علمكم ميتا عن ميت، ونحن أخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت». [التصوف: المنشأ والمصادر. تأليف إحسان ظهير إلهي، الصفحة 170، إدارة ترجمان السنة، باكستان، الطبعة 1/ 1406-1986]
إذن؛ فالقلب والوجدان عند شيخ الطريقة، يكتسب قيمته وأصالة معياريته لا من مدى التزام الشيخ بقواعد الشرع وضوابط الوحي في التلقي والاستدلال، ولا بالتقيّد بالقرآن والسنة وهدي السلف، بل بما يموج به من أذواق ومكاشفات، وما يتلقّاه من الإلهام والهواتف الغيبية، وبتلك الرابطة الوثيقة المزعومة بسر النبي صلى الله عليه وسلم، ورؤيته يقظته ومناماً، وبما يُمنح في الحضرة القدّوسية أثناء معراج الروح أو خلال الفناء في الله، وجولانهم الروحاني في ملكوت العوالم العلوية والسفلية! وكيف لا، و«كل ما خُصّت به الأنبياء، خُصّت به الأولياء» كما يقول الصوفي الكبير المعروف بان قضيب البان! [المواقف الإلهية. تأليف ابن قضيب البان. الصفحة 17، كتاب ناشرون، الطبعة 1/ 1434-2013].
ماذا يعني هذا؟ إنه أنك مع العلماء لديك مرجعية معيارية يمكن التحاكم إليها، لمعرفة صواب الآراء من خطئها، وصحة الفهم أو بطلانه. هذه المرجعية المعيارية هي القرآن والسنة، والأدوات المحققة لذلك، من اللغة العربية، وفهم السلف، وقواعد التفسير، وأصول الإسناد، وضوابط الفهم. الأمور هنا تكون واضحة، والحجة قائمة، وما يجب عليك سوى أن تدلي بقولك مؤيداً بالأدلة وفي إطار المنهجية الموضوعية، فيؤخذ قولك كله أو بعضه أو يُرد قولك كله أو بعضه.
لكن، مع الصوفي الذي جعل الذوق والكشف والإلهام مصدراً له للتلقي والاستدلال فهو هنا مثل الزئبق لا يمكن أن تمسكه، أي لا يمكن أن تحاكمه إلى مرجعية معيارية منضبطة، فتقبل قوله كله أو بعضه، أو ترده كله أو بعضه! فيكفي أن يقول لك: “هذا علم لدني”، أو “هذا كشف يفهمه أهله”، أو “أنت من المحجوبين ونحن خاصة الله وأهله” لينتهي الموضوع. وليت شعري كيف يمكنك أن ترد على شخص يقول لك: “علمي من الله وملائكته ورسوله، وروحي تعرج إلى أحياز الوجود الشاهقة والاطلاع على اللوح المحفوظ، ومشاهدة أنوار الحضرة الإلهية”؟!
نحن لا ننكر أن الله تعالى قد يُلهم عبده المؤمن الصادق شيئاً من العلم والخير، إما مباشرة أو عبر الملَك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن للشَّيطانِ للمَّةً بابنِ آدمَ، ولِلمَلك لَمَّةٌ، فأمَّا لمَّةُ الشَّيطانِ فإيعادٌ بالشَّرِّ وتَكْذيبٌ بالحقِّ، وأمَّا لمَّةُ الملَكِ فإيعادٌ بالخيرِ وتصديقٌ بالحقِّ. فمَن وجدَ ذلِكَ فليعلم أنَّهُ منَ اللَّهِ، فليحمَدِ اللَّهَ، ومن وجدَ الأخرى فليتعوَّذ منَ الشَّيطانِ) [سنن الترمذي]، واللِّمّة من الإلمام، أي خاطر خير وتنبيه حق. غير أن هذا الإلهام لا يكون إلا لِماماً وأحياناً، فالأنبياء عليهم السلام أنفسهم لم يكن الوحي ينزل عليهم على مدار الساعة. ولهذا، فالإشكال يبدأ حين يتحول الإلهام والكشف إلى مرجعية معيارية، وإلى جعله مصدراً يتجاوز القرآن والسنة وهدي السلف ومقررات أئمة العلم. لأن هذا الإلهام والكشف المدعى ما معيار صحته وصوابه؟ بل وما دليل مصدره: فقد يكون خاطراً نفسياً، أو تلبيساً شيطانياً، فحتى المؤمن التقي ليس معصوماً، وكون الصوفي لديه يقين بأنه من الملَك أو من الله فهذا لا يساوي الصدق الموضوعي، فالإنسان قد يكون بالغ الثقة بما رآه أو شعر به، مع كون اعتقاده وشعوره غير مطابق للواقع!
إن جعل الذوق والكشف والإلهام مرجعية معيارية ومصدراً للتلقي والاستدلال يُدخلنا في دائرة مغلقة ضد النقد والمراجعة. فهنا يقال لك: “لا يمكنك فهم هذا الكلام قبل أن تذوقه، ولا يمكنك أن تذوقه قبل أن تسلك الطريقة، ولا يمكنك أن تسلك الطريقة إلا إذا سلّمت للشيخ”. أي إن صدق الطريق مرتبط بالكشف، والكشف مرتبط بسلوك الطريق، وسلوك الطريق يقتضي التسليم المطلق! وهكذا يضع الصوفي في وجهك “فيتو معرفي” من اللحظة الأولى، ويكون اعتراضك أو تشكك دليلاً على أنك لا تزال في ظلمة الحجاب وكثافة النفس، لا على إمكان ضعف حجته، فضلاً عن احتمال مخالفته للوحي، فضلاً عن أن يعترف بأنه قام بنقل حالته النفسية وشعوره الوجداني من كونه خبرة شخصية خاصة تكون صواباً بقدر ما يصادق عليها الوحي وقواعد الشرع وضوابط العلم، إلى تحويلها إلى مصدر متعال لتفسير الوجود!
وقل الشيء نفسه بالنسبة للرؤى والمنامات، وهي تحتل مكانة مركزية في الوعي الصوفي. فقد اتُخذت مصدراً مستقلاً لتلقي العلوم والمعارف، وإثبات المنزلة السامية للشيخ، كما اتُخذت مجالاً لدعوى الالتقاء بالنبي صلى الله عليه وسلم. وما من شك في أن الرؤيا الصالحة ثابتة في الإسلام، ويعترف بها أئمة العلم سلفاً وخلفاً، لكن أيضاً ما من شك في أن أحداً من الصحابة أو التابعين أو الأئمة من بعدهم جعل الرؤى والمنامات مصدراً للتشريع وحسم الخلافات وتأطير السلوك. وذلك لأن الرؤيا تجربة فردية لا يشارك الآخرون صاحبها في إدراكها. كما أن الخطأ قد يقع فيها من جهة تذكر تفاصيلها أو تفسيرها، كما صرّح النبي صلى الله عليه وسلم بخطأ أبي بكر الصدّيق في بعض تفسيره لأحدى الرؤى [الحديث رواه البخاري. وأبو بكر أفضل الخلق بعد الأنبياء بإجماع العلماء].
وأيضاً، فالرؤى قد تختلط بأحلام النفس ومخزون الذاكرة ورصيد الرغبات والمخاوف. أضف إلى أنه لا توجد وسيلة منضبطة للتحقق من دعوى الرائي إلا قوله. وفوق كل هذا، فإن جعل الرؤى والمنامات مصدراً للتلقي والاستدلال يفتح الباب للزنادقة للتلاعب بالوحي وغير الوحي! ولهذا فالخطورة تتضاعف عندما تتحول الرؤيا إلى سلطة، بقول الشيخ: “لقد تلقيت أمراً إلهياً أو نبوياً بتأليف الكتاب الفلاني أو بتأسيس طريقة جديدة أو أُعطيت الورد الفلاني”، هنا تصبح الرؤيا أداة لإضفاء المشروعية الإلهية والنبوية على صناعة بشرية لاحقة!
وهكذا، فحين يقوم الفكر الصوفي (أكرر ما سبقت الإشارة إليه: الكلام عن الصوفية المنحرفة، وهم أكثر بكثير من الصوفية المستقيمة) من خلال تأسيس مصادر التلقي والاستدلال لديه على القلب والوجدان والذوق والكشف والإلهام ودعوى العلم اللدني، فإنه عملياً يقوم بصناعة نظام معرفي موازٍ للوحي كما تلقاه الصحابة والتابعون والأئمة. هذه الموازاة تتمثل في:
** أولاً: تجاوز أُطر التلقي والاستدلال المعروفة عند أهل العلم.
** ثانياً: النص الظاهر للعامة المحجوبين، أما باطنه وسره فتحتكره الخاصة والواصلين.
** ثالثاً: الشيخ الأكبر هو مصدر المعرفة، الصحيح ما صححه وغير ذلك يجب إلغاؤه.
** رابعاً: الرؤى والمنامات لديها سلطة إنشاء الأوراد والتوجيهات.
** خامساً: الاعتراض على الشيخ علامة حجاب أو سوء أدب مع الحضرة الإلهية النبوية.
بهذا كله، يقوم الفكر الصوفي بهدم جهود العلماء والأئمة في ضبط قواعد الفهم لنصوص القرآن والسنة، ومسالك التعامل معهما. نعم؛ القرآن والسنة في الخطاب الصوفي مصدران معترف بهما، إلا إن الذوق والكشف والإلهام والعلم اللدني، كل هذه هي المصادر الفعلية المنتِجَة للمعرفة، ومن ثم يُعاد تأويل القرآن وقراءة السنة بما يوافق ما أنتجته التجربة الباطنية! وهذا -كما ترى- آثاره ليست جزئية، بل كبيرة هائلة، فهي يمس بنية الوحي، ومصدر اليقين، وضوابط الفهم، ومكانة العقل، وحدود الصلاح والولاية، وسلطة الشيخ، والعلاقة بين العامة والخاصة!
لقد نزل القرآن الكريم بلسان عربي مبين، والسنة نُقلت وفق أسانيد وطرائق يمكن بحثها، والنصوص الشرعية متاحة للناس، يمكنهم تعلمها وضبط قواعد فهمها، ومن ثم مناقشة دلالاتها وفق أدوات معيارية محددة. أما الكشف فواقعة داخلية وخبرة خاصة لا يحضرها إلا صاحبها، ولا يستطيع الآخرون فحصها أو التحقق منها.
وهذا ما ينتج نظاماً موازياً للوحي كما قلت (راجع الجزء الأول من هذه السلسلة المتعلقة بتضخم الشيخ في الفكر الصوفي). ففي الوحي الحقيقة يمكن إدراكها وفق أدوات معينة لكنها متاحة للجميع، أما في الكشف والرؤى والإلهام، فالشيخ يخبر عن حقيقة لا يمكن أن نصل إليها إلا من خلاله! وفي الوحي الدليل يكون مستقلاً عن صاحب الدعوى فيمكن محاكمة دعواه ومناقشتها، أما في الكشف والرؤى والإلهام، فصاحب الدعوى هو نفسه الناقل لها والمفسر لها والشاهد على صدقها!
زد على هذا؛ فإن جعل الذوق والوجدان والإلهام مصدراً للتلقي والاستدلال، وطريقاً إلى معرفة خاصة متعالية، يجعلنا نقع -وهذا ما وقع في الفكر الصوفي- في ثنائية “الشريعة” و “الحقيقة”، فتكون الشريعة للعامة والحقيقة للخاصة، ويُتعامل مع الوحي -لأنه لا يمكن إلغاؤه- بهذا المنطق، لتكون النتيجة الحتمية هي تفضيل “الحقيقة” الخاصة بالأولياء والواصلين على “الشريعة” الخاصة بالعامة والمحجوين. كما الصوفي أبو الفضل الأحمدي: «لا تقطعوا بما علمتوه من الكتاب والسنة، ولو كان حقاً في نفسه«. [الطبقات الكبرى، المعروف ب “لواقح الأنوار في طبقات الأخيار”. تأليف عبد الوهاب الشعراني، الجزء 2 ص 487، دار ضياء الشام، الطبعة 1/ 1443-2022].
بهذا تنشأ نتائج في غاية الخطورة:
** أولاً. تخفيض منزلة العلم الشرعي. فعلماء الشرع هنا مجرد علماء رسوم وظاهر وحجاب، عكس الشيخ الصوفي فهو واصل إلى الله، وارث السر النبوي، يتلقى العلم والحقائق من الله تعالى أو النبي صلى الله عليه وسلم أو الملائكة عليهم السلام.
** ثانياً. احتكار المعرفة والحقيقة. فإذا كانت الحقيقة الباطنة لا تُكتسب بالدراسة والتعليم، وإنما بالفتح والجذب والكشف والإلهام، إذن فهي حكر على الشيخ والجماعة الذين يقبلهم عنده ومعه.
** ثالثاً. تباين في القيمة الوجودية. فالعلماء وغيرهم الذين يخالفون الشيخ لا يُعتبرون مجرد مخطئين وفق المنهجية العلمية الموضوعية، بل لأنهم محجوبون في عالم الظاهر ومقيّدون في ظلمة النفس.
وكما ترى، فإن هذه الآثار تعمل على تضخيم الشيخ ليكون “نبياً صغيراً” في حس المريدين، وتصوير الطريقة على أنها “باب الله” مَن جاء عبرها وصل ودخل وإلا بقي في عالم الحجاب والظلمة.
وبعد؛ فهذه مجرد شذرات ولمعات حول هذه الأمر الخطير جداً في الفكر الصوفي، ليعلم شباب الأمة أن الأمر ليس كما يُصوّر لهم استغلالاً لعدم اطلاعهم ومعرفتهم، لأن القضية في جوهرها هدم للإسلام باسم الوصول إلى الله وباسم وراثة سر النبي صلى الله عليه وسلم.
نسأل الله التوفيق. ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبارك



