“صليب العرعار”.. هل تحول وزير “مهبول أنا” إلى مبشر بالديانة الإبراهيمية؟!

24 مايو 2026 15:32

“صليب العرعار”.. هل تحول وزير “مهبول أنا” إلى مبشر بالديانة الإبراهيمية؟!

هوية بريس – عابد عبد المنعم

لم يكن إهداء لحسن السعدي، كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، صليبا مصنوعا من خشب العرعار إلى الكنيسة الأرثوذكسية بأثينا، مجرد هدية بروتوكولية عادية في سياق أسبوع ثقافي بين المغرب واليونان، بل كان فعلا رمزيا مستفزا، فجّر موجة واسعة من الغضب والاستنكار داخل الأوساط العلمية والإعلامية والسياسية، بالنظر إلى ما يحمله الصليب من دلالة عقدية صريحة تتعارض مع عقيدة المسلمين القطعية في قضية صلب عيسى عليه السلام.

الوزير الذي لم يُعرف بنضال سياسية أو باع ثقافي، سوى كونه مدّاحا لأخنوش، وراقصا على ايقاعات أغنية “مهبول أنا”، برّر خطوته المستفزة في تصريح إعلامي مصور بالشعارات المستهلكة حول التعايش والحوار بين الأديان وبناء جسور المحبة، غير أن عددا من الوجوع العلمية والفكرية والسياسية ترى أن الأمر تجاوز حدود المجاملة الدبلوماسية إلى السقوط في التطبيع العقدي والذوبان الرمزي في الآخر، بشكل لا يراعي خصوصية المغرب الدينية والتاريخية، ولا يحترم مشاعر شعب مسلم يعتبر الإسلام ثابتا من ثوابته الجامعة. فالحوار بين الأديان، كما يؤكد علماء ومفكرون، لا يعني صناعة الرموز العقائدية المخالفة لعقيدة الأمة، ولا تحويل مؤسسات الدولة إلى منصات لتسويق الديانة الإبراهيمية الهجينة التي تسعى إلى تذويب الفوارق العقدية بين الإسلام والنصرانية واليهودية.

الجدل تضاعف لأن الوزير لا يمثل نفسه، بل يمثل الدولة المغربية، ويشرف على قطاع الصناعة التقليدية الذي ارتبط تاريخيا بالهوية الإسلامية المغربية، من الزليج والخط العربي إلى النقش والخشب وغير ذلك. لذلك اعتبر كثيرون أن تحويل حرفيين مغاربة لصناعة صلبان وإهدائها رسميا باسم المغرب يشكل إساءة رمزية لذاكرة المغاربة ولتاريخ طويل من مقاومة التنصير، خاصة وأن المغرب عرف خلال فترة الاستعمار الفرنسي والإسباني حملات تنصيرية شرسة فجّرت انتفاضات شعبية ومواقف علمائية حاسمة دفاعا عن الهوية المغربية الإسلامية.

وفي هذا السياق، أعيد تداول وثيقة تاريخية قوية تعود إلى سنة 1961، وجهتها رابطة علماء المغرب إلى الزعيم علال الفاسي، وزير الشؤون الإسلامية آنذاك، تحذر فيها من خطر التنصير وتدعو إلى التصدي للعدوان الصليبي الذي كان يستهدف المغاربة تحت غطاء التعليم والتطبيب والعمل الخيري. الوثيقة تكشف بوضوح أن النخبة العلمية والوطنية المغربية اعتبرت دائما حماية الهوية الإسلامية جزء من معركة التحرر الوطني، وأن مواجهة الاختراق العقدي لم تكن يوما موقفا هامشيا أو متطرفا، بل كانت من صميم المشروع الوطني المغربي.

الصحفي توفيق بوعشرين دخل بدوره على خط الجدل بانتقاد لاذع، معتبرا أن الوزير تجاوز حدود اللياقة السياسية والثقافية، وأن الانفتاح له حدود، وحوار الأديان له حدود، وحتى الانبطاح له حدود، وفق قوله. وسخر من فكرة أن يتحول الصليب إلى منتج من منتجات الصناعة التقليدية المغربية، مؤكدا أن الحرفي المغربي ظل تاريخيا مرتبطا بثقافة إسلامية عميقة، ولم تكن صناعة الصلبان جزء من ذاكرة الصناع التقليديين بالمغرب.

ولم يتوقف الأمر عند حدود النقد الثقافي، بل ذهب بعض الأكاديميين والباحثين إلى اعتبار ما جرى دليلا على وجود ارتباك خطير في تدبير الملفات الدينية والرمزية داخل الحكومة، حيث صار بعض المسؤولين يتصرفون في قضايا ذات حساسية عقدية دون أي تكوين شرعي أو وعي تاريخي، متجاوزين اختصاصات المؤسسات الدينية الرسمية وعلى رأسها المجلس العلمي الأعلى وإمارة المؤمنين.

وفي هذا الصدد تسائل الوزير المنتدب السابق لدى التعليم العالي د.خالد الصمدي “هل تضم الحكومة المغربية وزيرا مسيحيا؟”.

واعتبر إهداء الصليب “سابقة تحتاج من الحكومة المغربية إلى توضيح يشرح للمغاربة جرأة هذا الوزير على ارتكاب هذا الخطإ الفادح باسم مملكة يرأسها أمير المؤمنين وفي دولة ينص دستورها على أن دينها الرسمي هو الإسلام”.

لقد شكّل المغرب، عبر تاريخه، نموذجا في التعايش بين مكونات دينية وثقافية متعددة، في إطار من الاحترام المتبادل والحفاظ على الخصوصية الحضارية للبلاد. غير أن هذا التعايش ظل دائما قائما على وضوح الهوية والثوابت، لا على تذويب الفوارق العقدية أو توظيف الرموز الدينية في سياقات تثير الجدل والاستفزاز. فـ”مد جسور المحبة” لا يعني التنازل عن الثوابت، كما أن الحوار الحقيقي يُبنى على الاعتراف المتبادل بالخصوصيات الدينية والثقافية، بعيدا عن كل ما قد يُفهم منه مساس بمشاعر المغاربة أو بثوابتهم الراسخة.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
24°
25°
السبت
24°
أحد
26°
الإثنين
27°
الثلاثاء

كاريكاتير

حديث الصورة