عبد الغني أبو العزم.. التوفيق مؤبناً شيخ المعجميين المغاربة: الطيبة والعلم النافع أعظم ما يخلده الإنسان

هوية بريس-عبد الصمد ايشن
تكاملت شهادات نخبة من الأدباء والمثقفين لترسم للشيخ المعجميين المغاربة، الراحل عبد الغني أبو العزم صورة شخصية استثنائية في نزوعها الى الزهد وشغفها بالعطاء خدمة للثقافة المغربية وللغة العربية بوجه خاص.
عطاءات جليلة غمرت حقول الكتابة الروائية والصناعة المعجمية والتحقيق والترجمة والفكر السياسي، تناغمت مع روح محبة وسخية وحاضنة، أجمع عليها رفاق درب للراحل وطلبة وباحثون في لقاء تأبيني احتضنته، أمس الثلاثاء، جامعة محمد الخامس بالرباط، التي كان أبو العزم قطبا من أقطاب درسها اللغوي.
من أحمد التوفيق الأديب الوزير، إلى أحمد شحلان الفقيه اللغوي والمؤرخ، وأحمد شوقي بنبين مدير الخزانة الملكية، وأعلام فكر وأدب آخرين، تواترت شهادات حية عن السيرة الإنسانية والأكاديمية للراحل التي جسدت حلم جيل كامل من شباب مغرب ما بعد الاستقلال المقبل على العلم والطامح الى إرساء دعائم نهضة فكرية وثقافية متجذرة في التراث ومنفتحة على العالم الحديث.
واستحضر وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، في كلمة ألقاها خلال اللقاء التأبيني للراحل، جوانب إنسانية وفكرية من مسيرة الراحل، مؤكداً أنه حضر اللقاء بصفته صديقاً للفقيد وليس بصفته الرسمية. وعبّر التوفيق في مستهل مداخلته عن شكره لرئاسة جامعة محمد الخامس وللمساهمين في تنظيم هذا اللقاء التأبيني، مقترحاً بالمناسبة مبادرة علمية تتمثل في كتابة تاريخ جامعة محمد الخامس منذ نشأتها إلى غاية سنة 1976، باعتبارها محطة مفصلية في تاريخ الجامعة بعد صدور ظهير استقلالها. وأوضح أن هذه المرحلة من تاريخ المؤسسة الجامعية ارتبطت بشكل وثيق بتجربة عبد الغني أبو العزم، سواء خلال فترة دراسته أو في سياق التحولات السياسية والاجتماعية التي عرفها المغرب في تلك الحقبة.
ودعا التوفيق إلى أن ينجز هذا العمل التاريخي وفق مقاربة علمية موضوعية تراعي السياق الوطني العام، مع التركيز على الأصول الاجتماعية للطلبة الذين ولجوا الجامعة خلال تلك الفترة، لما لذلك من أهمية في فهم التحولات الاجتماعية التي عرفها المغرب بعد الاستقلال. كما أشار إلى ضرورة الاعتماد على مصادر متنوعة، من بينها وثائق وزارة التعليم العالي، والأرشيف الصحافي، إضافة إلى المذكرات الشخصية لبعض الفاعلين الذين عايشوا تلك المرحلة، معتبراً أن توثيق هذه التجربة سيسهم في إبراز الدور الذي لعبته الجامعة في تشكيل النخب وفي مواكبة التحولات السياسية والفكرية التي طبعت ستينيات القرن الماضي.
وفي كلمة ثانية خصصها لاستحضار علاقته الشخصية بالراحل، أوضح التوفيق أن علاقته بعبد الغني أبو العزم كانت «علاقة باطنية» قائمة على التفاهم والاحترام المتبادل رغم اختلاف المسارات الفكرية. واعتبر أن ما جمعهما هو البحث عن المعنى وخدمة النفع العام والإصلاح، مشيراً إلى أن الراحل كان مثالاً للإنسان المثالي الذي اجتهد في مجالات متعددة بدافع من طيبته وإيمانه بقيمة العمل العلمي. وأضاف أن أبو العزم ترك أثراً علمياً وإنسانياً من خلال ما خلفه من علم ينتفع به، ومن خلال أسرته التي تواصل الدعاء له، مؤكداً أن أعظم ما يمكن أن يُشهد به للراحل هو طيبته وصدق نواياه في خدمة المعرفة والناس. واختتم التوفيق كلمته بالدعاء للفقيد بالرحمة والمغفرة، معتبراً أن العلم النافع والخلق الحسن هما الإرث الحقيقي الذي يبقى بعد رحيل الإنسان.
يشار إلى أن الوسط الثقافي واللغوي المغربي، فجع يوم 18 مارس 2026، بوفاة الكاتب والمعجمي المغربي عبد الغني أبو العزم، أحد أبرز الأسماء التي كرست مسارها لخدمة اللغة العربية والدرس المعجمي، بعد عقود من العمل العلمي والفكري المتواصل.
ويُعد الراحل من الوجوه البارزة في الثقافة المغربية المعاصرة، إذ ارتبط اسمه بمشاريع معجمية كبرى أسهمت في تطوير البحث اللغوي والمعجمي، وفي مقدمتها معجمه الشهير “الغني الزاهر”، الذي اعتبر محطة نوعية في مسار التأليف المعجمي العربي، بما راكمه من جهد علمي في الجمع والتصنيف والتحديث. وقد سبق أن نال تكريمات متعددة من مؤسسات ثقافية وعلمية مغربية، تقديرا لإسهاماته في خدمة العربية وإغناء خزانتها المعرفية.
كما ارتبط اسم الراحل بمواقفه المبدئية في نصرة القضية الفلسطينية، إذ ظل من الأصوات الثقافية المغربية الداعمة لحقوق الشعب الفلسطيني، والمدافعة عن عدالة قضيته في مختلف المحطات.
وبرحيله، يفقد المغرب مثقفا جمع بين الفكر والالتزام، وبين خدمة العربية والانحياز لقضايا الأمة.



