غلاء المعيشة بين تغول (الليبراليين) وإنسانية الشريعة

هوية بريس – ذ.فؤاد الورياشي
يخفى على كثير من الناس بأن نوعية الفكر الذي يتشبع به الأفراد أو الدول هو الأداة الخفية التي تنسج خيوط التحكم في معاش الناس اليومي.
ونحن اليوم في شهر الصيام تتبدّى أمام أنظارنا ظاهرة اجتماعية أدق ما يمكن وصفها به هو صفة (الانفصام الفكري)؛ ففي الوقت الذي نجد فيه الحكومات تتبنى هوية إسلامية عبر الخطب والبرامج الدينية… نجدها في المقابل ترفع الدعم عن السلع الأساسية، وتترك السوق للمحتكرين والسماسرة من دون رقابة جادة.
وما من شك أن هذه الظاهرة تمثل صراع منظومتين فكريتين متغايرتين (ليبرالية/ إسلامية) تنعكس آثاره على مائدة المواطن البسيط في شهر رمضان.
فبالنظر إلى منظومة الفكر الليبرالي، نجدها لا تعتبر الغذاء والماء والدواء حقوقاً آدمية، بل هي سلع خاضعة لقانون العرض والطلب، كما أنها ترى احتكار السلع لرفع ثمنها في رمضان يمثل ذكاءً تسويقياً واستغلالاً مشروعاً للفرص، ولا ترى فيه مطلقاً خنقاً أو تضييقاً على الناس في قوتهم اليومي.
وبالتبعية لهذه المنظومة الفكرية، نجد الحكومات التي تتبنى هذه الرؤى الليبرالية تنسحب من أدوارها الرقابية والزجرية والرعائية، وتترك المواطنين في مواجهة التغول التجاري الذي يمثله كبار التجار المتحكمين في سلاسل الإنتاج؛ مما سيؤدي عاجلاً إلى القضاء على الطبقة المتوسطة وانعدام الأمن الغذائي لدى العامة.
وإذا كنا نحن المسلمين نتحمل جزءاً من المسؤولية في تكريس هذه الأوضاع بسبب التهافت على شراء وادخار المواد الغذائية قبل رمضان وفي بدايته، مما يخلق مناخاً تجارياً وهمياً يتمثل في ارتفاع الطلب غير المبرر والذي يدفع الأسعار للارتفاع تلقائياً، فإننا لا نبرئ ساحة الإعلام العمومي الذي حول شهر الصيام المبارك عبر الشاشات والإعلانات إلى مهرجان للأكل واستهلاك أي شيء له عائد ربحي.
وبسبب السياسات الدولية المحكومة بفكر يرى الإنسان كائناً استهلاكياً، ويقوم على تعظيم الربح والنمو المادي على حساب أي شيء آخر يهم القيم الإنسانية، قامت مجموعة من التحالفات بين ذوي السلطة وأصحاب رؤوس الأموال، بحيث صارت تشرّع قوانين تخدم مصالح الشركات الكبرى وصندوق النقد الدولي؛ مما يضعف دور الدولة في حماية الفقراء من آثار التضخم وموجات الغلاء المتكررة تحت شعار «حرية السوق».
فالفكر الليبرالي يقوم على فلسفة متناقضة تقلب موازين الحقائق بحيث يشرِّع لـ: (أنسنة الربح) و(تشييء الإنسان)؛ مما أدى واقعياً إلى ضرب المقاصد الشرعية كـ(حفظ النفس) و(حفظ المال) لعامة الناس، موازاة مع حفظ المصالح غير المعتبرة شرعاً لقلة من المحتكرين ومن يليهم من السماسرة (الشناقة).
لكننا بالعودة إلى منظومة الشريعة الإسلامية نجد أن نظام (الحسبة) يمثل نموذجاً متفرداً للرقابة الزجرية التي تخرج مصالح العباد من حيز التنظير إلى حيز التطبيق العادل، فهي مؤسسة تقوم أهدافها على توفير الأمن الغذائي والأخلاقي في أسواق المسلمين، بحيث تمنع الاحتكار، وتراقب جودة السلع، وتفرض «سعر المِثل» كمعيار للعدالة.
إذ يعتبر هذا التسعير نوعاً من إجبار المحتكرين على بيع السلع بما يماثل سعرها عند حاجة الناس وهو واجب شرعي، وقد أورد الشيخ ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» أنه: “إذا امتنع أرباب السلع من بيعها – مع ضرورة الناس إليها – إلا بزيادة على القيمة المعروفة، فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل”.
ولمزيد إيضاح، فإن مسألة التسعير لها جذورها الشرعية منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم، بحيث جاء في الحديث الذي رواه أنس بن مالك رضي الله عنه قال: غلا السعر على عهد رسول الله ﷺ، فقال الناس: يا رسول الله، سعّر لنا، فقال ﷺ: “إنَّ اللَّهَ هوَ المسعِّرُ، القابضُ، الباسطُ، الرَّازقُ، وإنِّي لأرجو أن ألقى اللَّهَ وليسَ أحدٌ منكم يطالبُني بمظلمةٍ في دمٍ ولا مالٍ” (أخرجه أبو داود والترمذي).
وقد يبدو من ظاهر هذا الحديث أن الأصل في التعاملات التجارية هو حرية التصرف المالي على أساس التراضي، إلا أن ما يلزم فهمه أن هذا المنع من التسعير كان بقصد دفع الظلم عن البائع حين وقوع الغلاء الناتج عن عوامل طبيعية كالقحط أو الجفاف، لا بسبب عوامل بشرية واستغلال (ليبرالي).
وهذا ما أكده الخليفة العادل عمر بن الخطاب على عهده حينما فرض التسعيرة على التجار الذين تغيرت أخلاقهم وفسدت ذممهم، فقد روي أن عمراً رضي الله عنه مرّ بحاطب بن أبي بلتعة وهو يبيع زبيباً له في السوق، فقال له: “إما أن تزيد في السعر، وإما أن ترفع من سوقنا” أخرجه مالك في الموطأ.
فعمر بن الخطاب أدرك أن “الاستغلال” يفسد المقصد من السوق. فإذا كان التاجر يبيع بأقل من (سعر المثل) ليحتكر السوق ثم يرفع السعر لاحقاً، أو إذا كان التجار يتواطؤون بالاتفاقات السرية على رفع السعر إضراراً بالناس، فإن “العدل” يقتضي التدخل. كما كان يفعل عمر بحيث ينزل إلى السوق ومعه “الدرة” (العصا)، لا لمراقبة الأسعار فقط، بل أيضاً جودةَ السلع وعدم الإضرار بالمنافسين.
ولكي يكون (نظام الحسبة) دعامة قوية لحفظ مصالح المسلمين، فإننا لا ندعو إلى جعلها في صورة رجل يحمل عصا فحسب، بل في شكل قوانين مستمدة من الفقه الإسلامي، بحيث يُحدِّد المحتسب العصري الممثل في (وزارة التجارة والتموين) هوامش الربح التي لا ينبغي تجاوزها لدى التجار، وإلزامهم بإعلان الأسعار ومنع التلاعب فيها، كما يلزم مع ذلك إلزام المؤسسات المدنية الفاعلة في (حماية المستهلك) أن تقوم بأدوارها مع متابعتها في تنفيذ أجنداتها المدعومة حكومياً من أموال الشعب.
والظاهر في أيامنا هذه أن الغلاء الحالي ليس قضاءً وقدراً محضين كالقحط أو الجفاف، بل هو خليط من سياسات دولية واحتكارات محلية؛ وبناءً على فقه الشريعة الإسلامية، لا يجوز للحكومات التذرع بـ(حرية السوق)، لتُخلي سبيل المتغولين من التجار وتسمح لهم بالتضييق على معيشة المسلمين. فإذا صار ترك التسعير وسيلة للظلم، فإن الواجب شرعاً هو التسعير المقنن. والفقه الإسلامي يمنح الحكومة “ولاية المظالم” و”الحسبة”، ويجيز لها الشرع عند ضيق حال المسلمين فرض أسعار عادلة، إحقاقاً لمبدأ حفظ النفس الذي هو أولى من حفظ زيادة الأرباح للتجار.
وإنه لمن المؤسف أن تعمل الأجهزة الرقابية بعقلية إدارية جامدة وتتبع إملاءات (السوق الحرة) التي تكبل الحكومة عن التدخل لحماية المستهلكين، في حين أن المفترض هو أن الحكومة ولية من لا ولي له.
فما أحوجنا اليوم إلى الوعي بالآثار الواقعية للفكر الليبرالي المدمرة لاستقرار المجتمعات، وما أحوجنا أيضاً إلى إرادة سياسية حقيقية لا تهتم فقط بوضع القوانين، بل تسعى إلى تحقيق مقصد “المحافظة على ثروات الأفراد وتنميتها”.
وما دامت السياسات المحلية تعمل على إرضاء المؤسسات الليبرالية الدولية وتهتم برفع مؤشرات التنمية بحسب قواميسها الظالمة، على حساب استقرار البنية الاجتماعية والاقتصادية لمواطنيها، فإن الغلاء سيظل سيفاً مسلطاً على رقاب المستضعفين، وسيبقى رمضان موسماً لنزيف الجيوب، عوض أن يكون موسماً لتزكية النفوس.



