قراءة إجمالية في آية “الإعداد”

هوية بريس – د.ميمون نكاز
(قراءة إجمالية في آية “الإعداد”: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة…} [الأنفال:60])
“آية الإعداد” هذه محلها في سورة الأنفال، ومعلوم محل سورتي “الأنفال” و”التوبة” من السياق الوجودي لأمة الإسلام حيث بلغ التدافع الصراعي والحربي بين “دولة الإسلام المدينية” وبين “القبيلة القرشية ومحيطها الشركي” ذروته وأعلاه، ناهيك عن السياق العدائي الدولي في ذلك الوقت، في ذلكم السياق جاء هذا الخطاب التكليفي بوجوب “إعداد القوة المرهبة الزاجرة” لعدو الله وعدو المسلمين المعلومِين الظاهرين، ولغيرهم من العدو الخفي المندس بين المسلمين، سواء كان منهم (= المنافقون)، أو كان من غيرهم (=المخترقون للبنى السياسية والاجتماعية والثقافية والأمنية للأمة من غير المسلمين)، قلت: جاء هذا الخطاب التكليفي بإعداد “القوة المرهبة الزاجرة” بجامعيةِ دلالَتِها على كل أجناس القوة وأنواعها، أمنيةٍ وعسكريةٍ وسياسية واجتماعية واقتصادية وعلمية وإعلامية وثقافية وروحية، مع التأكيد على مطلوبية “الإنفاق المالي الاستراتيجي” لتحصيل ذلك وتحقيقه- بحسبان مُحَصّلات هذه القوة هي الضمان الحقيقي لحماية الوجود العام، ولانكفاف العدو عن إرادة العدوان، واضطراره إلى الخضوع للسلم الإنساني طوعا أو كرها: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله، إنه هو السميع العليم} [الأنفال:61]، كما جاء التحذير -في السياق نفسه، أقصد سياق النص والواقع- من “خَدعة السِّلم الصُّوري” الذي يمكن أن يتظاهر به العدو مع “إرادة العدوان” و”ابتغاء الكيد والمكر الخفيين” {وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله}[الأنفال ]… هذا الانخداع هو علة سقوط الأنظمة السياسية العربية في قبضة “الكيد الصهيوغربي” في العصر الحديث، الذي هو في خاصتِه علة مشلوليتها أمام ماجريات النوازل الواقعة، بل هو علة انحيازها إلى صفوف العدو ضد مصالح شعوبها في أمتها، كما كان الحال في حرب الخليج، وفي الحرب على أهلنا في الشام وليبيا والسودان وغيرها، وفي الحرب الأخيرة على أهلنا في غزة، وفي الحرب الجارية ذي الأيام على الأمة…
التحدي الوجودي الأكبر والأعظم الذي تواجهه الأمة اليوم يقتضي في “الرؤية الاستراتيجية” مواجهةَ “التفكيكَيْن المُستضعفِيْن العامِلَيْنِ بفَتَاكَةٍ بالغة في مجموع الأمة”: “تفكيك القيادة العامة للوجود السياسي” و”تفكيك الوحدة العضوية للأمة”، حيث جاء النص في تكليف “الإعداد” على “الجماعة السياسية الواحدة للأمة” {وأعدوا لهم…} {…حسبك الله وما اتبعك من المؤمنين} {يا أيها النبيء حرض المومنين على القتال…} فقد جاء التأكيد على وجوب تحصيل “القدرة الذاتية المستقلة” على إرهاب العدو… هذا المطلوب التكليفي تم نقضه بأفعال المسلمين في أنفسهم وأفعال العدو التاريخي فيهم، لذلك فإن “إشكالية الوجود الإسلامي” قبالة التحديات الطغيانية والاستكبارية التي تستهدف “قصعة الأمة” ظاهرة ومنكشفة، و”أفعال النظر والعمل” يجب أن تتجه إلى مواجهة هذين “التفكيكين”، وكل المقاربات الإصلاحية الصغرى تبقى “دَوَّارةً في المتاهة” “محبوسةً في حدود الأفعال الإصلاحية الجزئية ومضايقها” ما لم تتقصد في رؤيتها الإصلاحية والتغييرية إلى رفع هذين “الثقلين المرهقين لعاتق الأمة”، أقصد “تفكيكَ القيادة السياسية العامة” باستعادة “الإرادة السياسية الجامعة لمكونات الأمة”، و”تفكيكَ الوحدة العضوية للأمة” بالقضاء على كل “النزعات التشييعية والانفصالية”، و”العمل الاستتراتيجي” على استعادة “الانتمائية الجامعة لمكونات الأمة”…
ذلك بعض القول في تأويل مقتضى التكليف في “آية الإعداد” من سورة الأنفال، وتلك هي “عقدة الوجود الإسلامي” كما هو صريح أمرها وحالها مع عدوها الظاهر والخفي…الوحي الشريف صريح في نفي “إعجاز العدو” من خلال خطابه التكليفي لتحرير الأمة من “عجزها الذاتي” الذي يجعل من العدو “معجزا” حيث هو في واقع أمره ليس “معجزا”، إذ لا “معجزَ” في الوجود حقيقة إلا الله:
تدبروا النص بتمامه: ﴿وَلَا یَحۡسَبَنَّ (تَحسبن) ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ سَبَقُوۤا۟ۚ إِنَّهُمۡ لَا یُعۡجِزُونَ، وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّة وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَیۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِینَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ یَعۡلَمُهُمۡۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَیۡء فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ یُوَفَّ إِلَیۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ، وَإِن جَنَحُوا۟ لِلسَّلۡمِ فَٱجۡنَحۡ لَهَا وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِیعُ ٱلۡعَلِیمُ، وَإِن یُرِیدُوۤا۟ أَن یَخۡدَعُوكَ فَإِنَّ حَسۡبَكَ ٱللَّهُۚ هُوَ ٱلَّذِیۤ أَیَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِینَ، وَأَلَّفَ بَیۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِی ٱلۡأَرۡضِ جَمِیعا مَّاۤ أَلَّفۡتَ بَیۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَیۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِیزٌ حَكِیم، یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّبِیُّ حَسۡبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ، یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّبِیُّ حَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ عَلَى ٱلۡقِتَالِۚ إِن یَكُن مِّنكُمۡ عِشۡرُونَ صَـٰبِرُونَ یَغۡلِبُوا۟ مِا۟ئَتَیۡنِۚ وَإِن یَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَة یَغۡلِبُوۤا۟ أَلۡفا مِّنَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ بِأَنَّهُمۡ قَوۡم لَّا یَفۡقَهُونَ، ٱلۡـَٔـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمۡ وَعَلِمَ أَنَّ فِیكُمۡ ضَعۡفاۚ فَإِن یَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَة صَابِرَة یَغۡلِبُوا۟ مِا۟ئَتَیۡنِۚ وَإِن یَكُن مِّنكُمۡ أَلۡف یَغۡلِبُوۤا۟ أَلۡفَیۡنِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِینَ﴾ [الأنفال59-66].



