لمحة عن المغرب.. “التعصب الإسلامي” (1909)

هوية بريس – ذ.إدريس كرم
مسلمون ومسيحيون
سيداتي سادتي:
لم يكن سقوط عبد العزيز مفاجئا، بل كان متوقعا، وتعود جذوره إلى ما يقارب ثمان سنوات، بدأ انحداره فور وفاة الوزير ابّا حماد، الذي أبقى عبد العزيز تحت وصاية دقيقة، بالكاد تحرر من هذه الوصاية.
السلطان الشاب استسلم للَهْوِ، ذي طبيعة طفولية إلى حد ما، لهْوٌ حُرٌّ، كان يتسلى، كان يلْهُو كثيرا.
بالقرب منه كان أوربيون مستعدون لتوفير وسائل الترفيه له، وحتى المهتمون بتزويده بوسائل الترفيه استغلوا ذلك، وما كان هذا ليحدث شيئا، لو أنه انغمس في التسلية المعتادة عند السلاطين المغاربة:
كان بإمكان عبد العزيز أن يعيش حياة أكثر انحلالا، وأن يهمل مصالح الإمبراطورية تماما، وأن يحابي المتآمرين وأن يضطهد شعبه، ولن تكون لذلك عواقب، ولكن ما كان أشد خطورة، هو الذي كان يجري في قصور الدراجات (البِشِكْلطات) والسيارات.
هذا هو السبب الأول لسقوط عبد العزيز، أما السبب الثاني، فهو محاولاته إجراء إصلاحات مالية، علينا أن نبحث عن الدافع الثالث، في السياسة المعادية لرجال الدين، التي سبق أن اتبعها ابّا احماد، وواصل مخزنه انتهاجها، فأنتم ترون بوضوح، الطابع الديني القوي المحرك للدوافع الثلاثة، وتتعزز هذه السمة أكثر إذا نظرنا في أسبابها.
من المناسب أن نضيف أن ذلك ينتج عن الطريقة التي وصل بها منافسه إلى السلطة، وتعني الحرب المقدسة، أي الجهاد.
لذا يمكننا القول بأن جميع تصرفات عبد العزيز كانت مدفوعة بسلسلة من الأحداث ذات الطابع الديني، سندرسها تباعا اليوم.
سنبدأ بالسبب الأول، وهو ما يعرف منذ القدم “بالتسلية”، ونتساءل: لماذا تُحرَّم التسلية، ولماذا هي ضارة بالسلطان، إلى هذا الحد من عدم الشعبية؟
تحرم هذه التسلية لأنها تثير التعصب الإسلامي، في الواقع، من خصائص الإسلام، الذي تضرِبُنا أكثر، يعتبر التعصب بالتأكيد في الصف الأول، نحن نرى حقا هذا العيب بسهولة أكثر من غيره، خاصة أننا نراه بسهولة أكثر من أي نوعية أخرى لدا المسلمين، لأنه السمة الأبرز فيهم بلا شك.
ولعل ما يصدمنا أكثر هو وجود نوع من النفور المبهم تجاه المسلمين في أعماق نفوسنا الأوربية، وكأنه بقايا قديمة من عصور مضت، لا نكاد نعيها، لكنها تؤثر على أحكامنا، من جهة أخرى يعجز التشكيك الأوربي عن تصور حالة ذهن المؤمن، ومع ذلك فإن جهدا أساسيا يبذل لفهم الأحداث، التي وقعت في السنوات الأخيرة بالمغرب.
عند الهمَجيِّين والبدائيين، الدين ليس لهم سمة أخلاقية خاصة بهم، أو على الأقل لا ترتبط عندهم مجموعة من المعتقدات التي توصف عادة بالدينية، بالضرورة بالمعتقدات الأخلاقية، بخلاف الأمر في الديانات العالمية الكبرى حيث ترتبط الأخلاق ارتباطا دقيقا بالعقيدة.
من المعلوم أن الفلسفة اليونانية بدأت بالسخرية من الآلهة الأسطورية التي تصورها على أنها غير أخلاقية، لأن الأخلاق لا تظهر إلا في الديانات العالمية الكبرى، ومن السهل فهم أن الكافر في هذه الديانات، يعتبر بالضرورة كائنا غير أخلاقيا، وهذا يطبق بشكل خاص على الإسلام.
إذ الشريعة الإسلامية كما ذكرنا قد حددت مسبقا جميع أفعال الإنسان، بتصنيفها وفقا لقيمتها الأخلاقية، وبالتالي فإن الكافر الذي ينظم حياته وفقا لهذه الشريعة، يعد إنسانا غير أخلاقي وخطير، إنه كائن يُرعب المسلم.
لا تزال آثار هذه العقلية موجودة في بلادنا، فهناك دول يُستبعد فيها الملحدون من المجتمع الراقي، ويقال إن هذا ما يزال قائما في العديد من الأوساط في إنجلترا، ولو عدنا بضعة قرون إلى الوراء، لوجدنا بين أسلافنا كراهة للكافر، إذ يمكن تأليف مجلدات ضخمة استنادا فقط، إلى الخرافات التي انتشرت بين مسيحيـي العصور الوسطى عن المسلمين، فقد كان يعتقد أن المسلمين يعبدون الأصنام، وكان على رأسها محمد، وأنهم يرتكبون شتـى أنواع الفظائع، وأنهم يمارسون زنا المحارم وتعدد الأزواج، وانتشرت أكثر الأساطير غرابة وازدراء عن النبي، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فإلى جانب الافتراءات أضيفت المضايقات، فجميع أدبيات محاكم التفتيش في القرن الرابع عشر، ما تزال شاهدا خالدا على مدى التطرف الديني الذي يمكن أن يبلغه، وذلك لأن جوهر الدين، أي التدين هو عاطفة مثل جميع العواطف والمشاعر القوية، تسعى دائما إلى تحويل نفسها إلى واقع، وإلى أن تؤدي إلى العمل، وهدم جميع الحواجز الاجتماعية إذا لزم الأمر.
من الضروري تحقيق ذلك سواء من خلال الدعوة الحماسية لفرانْسيس كاسفيير، أو الاضطهاد المتعصب لتوركيمادا.
هذا هو موقف المسلمين: فتعصبهم بطبيعته يميل إلى الاضطهاد، ويكفي استعراض موجز للتشريعات الإسلامية الأرثودوكسية المتعلقة بالوضع الشخصي لغير المسلمين، في بلاد الإسلام لإثبات ذلك.
كما تعلمون، بحسب القرآن؛ هناك نوعان من الكفار، وهو الذي لا يعترف بالله الواحد الحق؛ يُنبَذ هذا الشخص تماما من المجتمع الإسلامي، ويجب قتله بلا رحمة، وفي أحسن الأحوال يُتسامح معه في حالات معينة، كأن يكون معزولا، أو يسافر في مهمات دولية، أما النوع الآخر من. “الكفار” فهم الذين يومنون بكتاب سماوي، وهم في المقام الأول اليهود والنصارى، في البلاد المسلمة يطلقون عليهم “الذِّمِّي، أو الذِّمِّيون”.
في الشريعة الإسلامية، يواجه اليهودي وضعا صعبا، فلا يجوز له أن يكون ولِيًّا ولا وصيًّا، ويُنازع في حق امتلاك العقارات، ولا يجوز له بأي حال من الأحوال استصلاح الأراضي، دون إذن لتملكها، وشهادته في المحكمة باطلة ولاغية، ويحظر عليه حيازة نسخة من القرآن، ولا يجوز له الزواج من مسلمة، بينما على النقيض من ذلك، يجوز للرجل المسلم الزواج من مسيحية خلافا لما يعتقد أحيانا، إلا أن هذه الزيجات التي ما يزال كثير من المسلمين يقرونها اليوم في مجتمعات شمال إفريقيا، تعتبر مكروهة، أو غير مستحبة، ولذلك لا يجوز الزواج إلا بين امرأة مسيحية أو يهودية ورجل مسلم.
كما لا يجوز لليهودي كما المسيحي ركوب الخيل، بل يحظر عليه امتلاكها، ولا يحق له أبدا في أي مكان عام أو خاص، أن يحظى بمكانة مرموقة، وعندما يقابل مسلما لا يجوز له أن يسلم عليه، بل يجب على اليهودي أو المسيحي أن يظهر الاحترام للمسلم، بالتنحي جانبا ليفسح له الطريق احتراما.
لليهود والمسيحيين الحق في ممارسة شعائرهم الدينية، المعترف بها رسميا في الشريعة الإسلامية، بشرط عدم بناء كنائس جديدة، وعدم استخدام الأجراس، فالجرس مكروه لدى المسلمين، لأنه رمز للمسيحيين. عندما تساءل صحابة الرسول عن كيفية دعوة المؤمنين للصلاة، قال بعضهم: فلْندعوهم “بناقوس” بمعنى جرس كالمسيحيين، وآخرون قالوا ندعوهم “ببوق” مثل اليهود، لكن لم يقبل لا الأول ولا الأخير، وبقي المسلمون يكرهون الجرس على وجه الخصوص، وأنتم تعرفون أن الأذان يرفع بصوت رجل دُعِي “المؤذن”وهو الذي اعتمد، ومع ذلك تمتلك كنائس المغرب أجراسا وتدق، وهو امتياز كان الحصول عليه صعبا، ولكنه موجود اليوم في جميع المدن الساحلية.
يُلزم اليهود والمسيحيون، بموجب الشريعة الإسلامية بارتداء شعار أو رمْز محدد للتمييز بينهم، كان هذا الأمر مُشينا في العصور الوسطى، ولكنه لم يعد كذلك.
بينما الكافر في حالة حرب دائمة مع الإسلام، يمكن لأهل الذمة أن يعيشوا بسلام مع أمير المؤمنين، إذا التزموا بجميع الشروط المذكورة آنفا؛ وإلا فهم في حالة حرب مثل الكفار الذين لا يؤمنون بالله.
الجهاد، (الحرب المقدسة)، واجب على المسلمين؛ وهو واجب أمر الله به صراحة المسلمين، لكن ليس من الضروري أن يقوم به جميع المسلمين دون استثناء، بل يكفي أن يكون هناك عدد معين من المسلمين في الدولة يؤدونه، وهذا ما يسمى بالفرض الكفائي، -إذا قام به البعض سقط عن الباقين-هكذا هي الأمور، على سبيل المثال، تلاوة القرآن: يكفي أن يتلوَ الكتاب بعض من الناس.
الحرب ضد الكفار لا يجب أن تتوقف، قدامى الفقهاء لم يتوقعوا الحالة التي سيجرُؤُ فيها الكفار بما يكفي لغزو بلد مسلم، وأن يحكموه كسادة هناك.
وقد سَدَّ الفقهاء المعاصرون هذه الثغرة: فبحسب رأيهم في مثل هذه الحالة، تُعَد الهجرة ضرورية، واستلهموا من هذا المذهب هجرة نحو 15 ألف جزايري إلى المغرب سنة 1830 -سنة احتلال فرنسا للجزاير- وما يزالون يشكلون نواة سكانية هناك لليوم، وهو يُبدون مشاعر فاترة نسبيا تجاهنا، وقد طلبوا حمايتنا أحيانا عندما شعروا بالحاجة إليها، ولكن غالبا ما يكونون أكثر تعصبا تجاهنا من غيرهم من المغاربة.
في الآونة الأخيرة أصدر علماء الشرق فتاوى، أو بالأحرى أجروا مشاورات، خففت من حدة هذا الفقه إلى حد ما، إذ نصت على أنه إذا لم يستطع المسلم التحرر تماما من حكم أمير غير مسلم، فعليه الخضوع مؤقتا؛ ولكن يجب أن يكون هذا الخضوع مؤقتًا فقط، لأنه ما دام هناك أثر للإسلام في بلد ما، مهما كان ضئيلا، فإن ذلك البلد يبقى بالضرورة دار الإسلام، وهذا يفسر لماذا لا ينبغي لنا أبدا، من وجهة نظر عقائدية، أن نتوقع خضوع المسلمين الكامل: فهذا مستحيل تماما في الوقت الراهن؛ فهم لا يخضعون إلا إذا كانت القوة ضدهم.
في المغرب يقف القانون إلى جانب المسيحيين، فقد تحرروا تدريجيا من جميع الأحكام الدينية المهيمنة التي فرضها عليهم العالم الإسلامي، لكن وضع اليهود ظل أكثر بؤسا.
إذا أردت معلومات دقيقة جدا عن يهود المغرب فستجدها في كتاب “الفيكنت ديفونتولد”؛ سترى هناك قبل كل شيء مدى هشاشة وضع يهود الجنوب، وفي معظم أنحاء الإمبراطورية، ما يزالون محصورين في أماكن خاصة تدعى “الملاح”.
معظم الأحياء اليهودية قديمة، ومع النمو السريع للسكان اليهود، صاروا يعيشون في ظروف صحية مزرية، بحيث يغادر المرء مذعورا بعد زيارة “ملاح” موكادور، الذي يكون ربما الأكثر بؤسا بينها.
في بلاد السيبة، أي أرض المغرب غير الخاضعة للمخزن يكون وضع اليهود أشد فظاعة، فلكل منهم تقريبا سيد يحميهم، أي يضطهدهم، إذا كان سيدهم صالحا، فذلك أفضل، وإذا كان ظالما فوضعهم مروع، لا يستطيع اليهودي تأثيث منزله دون إذن، يهرب بعضهم شمالا، إذا وصلوا إلى بلاد المخزن “الأرض الخاضعة” ينجون، أما إذا سمحوا بإعادة القبض عليهم، فمصيرهم مروع، حتى لو تم إنقاذهم، فلن يتمكنوا من العودة إلى وطنهم، فإذا تعرف عليهم أحد أقاربهم، سيعاد القبض عليه فورا، ليس هو فقط، بل أبناؤه وأحفاده أيضا، وقد سجلت حالات ليهود سافروا في الصحراء الكبرى وأعيد القبض عليهم بهذه الطريقة باعتبارهم من نسل يهود فروا من بلادهم قبل نصف قرن.
تعيش بعض التجمعات اليهودية مثل تلك التي في واد العبيد، بحالة من البؤس الشديد، إذ لا تتجاوز غرامة قتل يهودي في هذه المناطق 30 فرنكا.
كان المسيحيون أيضا قبل عدة قرون يعيشون في مثل هذه الظروف المزرية، لكنهم اليوم نالوا معظم حرياتهم.
لم يعد ينظر إليهم بازدراء كما كان في السابق، أو على الأقل لم يعد ينظر إليهم علنا، لكن في كثير من النواحي، لا يُعد وضع الأوربيين في المغرب مربحا، فإذا ما أبديت لهم بعض المجاملات، فإنها تقابل بكتم شديد، ويتجنب التواصل معهم، ويترك المسيحي فراغا حوله أينما حلَّ، ونُذَكِّر بوزير مغربي، كان يحرص باستمرار على غسل منزله كل مرة استقبل فيها مسيحيا.
في الواقع يواجه المسيحي المسافر في المغرب، شتى أنواع المشاكل، فهناك أحياء بأكملها في المدن محظورة عليه، وفي فاس تحديدا، تكثر هذه الأحياء، فإذا ما غامر بالدخول إلى زقاق ضيق، فليس من النادر أن يجد ذريعة مسْدُودا من قبل متعصِّب، غالبا بعبارات حادة، كما يُحظر على المسيحي دخول المقابر، لاسيما في الريف، وبالأخص حول الزوايا، ويتعين على المرء توخي الحذر الشديد إذا أراد الرسم أو تدوين الملاحظات، بالقرب من مسجد.
وفي مزكان، كان هناك برج برتغالي قديم ذو أهمية أثرية، أراد التجار تحويله إلى منارة، لكن المسلمين لم يتقبلوا فكرة هذا التجديد المسيحي، فقرروا تحويل البرج القديم إلى مئذنة (ص165) لمنع المسيحيين من لمسه، ببساطة وبما أنه لم يكن هناك مسجدا، فقد بنوا مسجدا صغيرا، وبذلك أصبح البرج البرتغالي القديم ملاذا للمسلمين، بدلا من منار بحري.
بما أن الصور المجازية محرمة في الشريعة الإسلامية يلجأ المرء إلى شتى الحيل لالتقاط الصور، وهناك أماكن كثيرة لا تخلو من المخاطر، وتعتبر كاميرا التصوير من أكثر الأشياء التي تثير تعصب الأهالي.

هذه هي أنواع الحوادث الصغيرة التي تعد بالمئات، وهي شائعة في العلاقات بين الأوربيين والمسلمين في المغرب، وهناك حالات يصل فيها التعصب إلى مستويات أكبر من هذه الحوادث البسيطة، أتَذكر تخييمي مع قبيلة بلغ فيها الحماس الديني مستويات لا تصدق: قبيلة التَّكْنا، إخوة ماء العينين، على بعد ساعات قليلة من مراكش، تعرضنا لوابل من الإهانات، وقضى حراسنا اللَّيْلِيُون وقتهم في الصراخ علينا، وإرسالنا إلى جهنم بشتائم غريبة، وهنا أُناسٌ استبد بهم هذا التعصب لدرجة أنهم يرددون شهادة الإسلام طوال اليوم، بدون انقطاع، وهم يمارسون أعمالهم اليومية “لا إله إلا الله محمد رسول الله”.
أعلم تماما أن هناك مسافرين، أو على الأقل كتابا يحملون في قلوبهم نزعة متطرفة تجاه المغرب لكنني لا أستطيع أن أعتبرها إلا مفارقة عجيبة، فوجود هذه النزعة لا يحتاج أي دليل ولو كان الدليل ضروريا لتذكرت ببساطة سلسلة الأحداث الدموية التي انتهت بمقتل موشان ومجزرة الدار البيضاء.
الحقيقة أن الريف، بمعنى ما، أقل تطرفا من المدن لأنه أقل تأثرا بالإسلام، كنت أحاول سابقا في بداية هذا الدرس، أن أوضح لكم أن التطرف يمكن تفسيره بالطبيعة العاطفية للدين، لكن من الخطأ الاعتقاد بأن تطرف المغاربة على وجه الخصوص، ليس إلا أسلمة لشعور قديم وكوني؛ كراهة الأجنبـي.
الأجنبي يخشى عموما من جميع الشعوب البدائية في اللغة العربية كما في الفرنسية، فالكلمة نفسها التي تعني. “أن يكون أجنبيا” تعني أيضا غريبا، غامضا، ومثيرا للقلق، إن الخوف من الأجنبي هو شكل من أشكال الخوف من الغموض، من المجهول، وقد ظهر الأجنبي بين الشعوب البدائية كساحر، ككائن ذي حياة استثنائية.
مخلوق خطير خبيث، يُلقي تعاويذ على الأهالي المقبلين عليه بنهم. هذا اعتقاد وجده علماء الإثنوغرافيا لدى جميع الشعوب البدائية على وجه الأرض.
يخشى جميع الأهالي الغرباء، لذا يسعون لحماية أنفسهم من تعاويذهم المزعومة، عبر طقوس سحرية، أو بإخضاعهم لمحن قاسية، سأذكر على سبيل المثال لا الحصر، بعض الأمثلة من كتابات فريزر.
في بعض جزر المحيط الهادي، لا يسمح للغريب بالاختلاط بالأهالي إلا بعد اصطحابه إلى معبد حيث تُقام طقوس استرضاء في بعض مناطق بورنيو، لا يجرؤ السكان الأصليون على النظر إلى الأوربي، إلا بعد تقديم قربان، إذ يعتقدون أنهم سيمرضون بدونه، عندما اقتربت سفينة هولندية من شواطئهم، استخدم سكان بياك (غينيا الجديدة) أصنامهم لتحييد تأثيرها القوي.
يستخدم الساحر لدى أهالي أمريكا الشمالية، التعاويذ لجعل الأجانب، وخاصة البيض، غير مؤذين، وقد تعرقلت مهمة ترسيم حدود أفغانستان في بعض القرى، بسبب القرابين أو عمليات التبخر، اسبيك لم يُسمح بدخولها إلى قرية حيث كانت هناك مخاوف من أن الصناديق المعدنية التي ستدخل في أعقابه، والتي كان يحملها رجاله، لا تحتوي على أي تمائم أو شياطين.
بورنو هذه مجرد أمثلة قليلة يمكن تكرارها بسهولة، حسنا! إن هذا الخوف من الأجنبي، وهذا الاعتقاد بأنه كائن غريب وشرير، يتجلى بأوضح صوره بين المسلمين في المغرب -سيكونزاك بين البرابرة، وديفوكو، بين الشُّلُوح- أي بين الفلاحين، كانوا يسألونهم “هل لديكم رجال ونساء هناك؟ هل صحيح أنكم تعيش على جزر وتحرث من البحر؟”، هناك يثير المسيحي نوعا من الدهشة، فمجرد ظهوره ينتاب الناس الخوف، حتى أشجعهم ينفجر ضحكا، لأنه يبدو غريبا بالنسبة لهم، ويضطر المرء إلى أن يقول لهم “لكنه رجل مثلكم”.
على النقيض من ذلك، في البلدان التي اكتمل فيها انتشار الإسلام، حلت كراهية غير المؤمن محل الخوف من الأجنبي “الأجنبي عندها يعلن، غريبا” كما تعلمون فإن كلمة “نجاسة” في الدين الإسلامي، لها دلالة بالغة الأهمية.
إن علماء المسلمين يختلفون حول معناها الدقيق عند تطبيقها على المسيحيين، فمنهم من يرى أنها تشير إلى نجاسة جسدية، كنجاسة الكلب، ومنهم من يرى أنها نجاسة معنوية فقط، وهنا يظهر تطور العقيدة جليا، فقد ابتكر علماء اللاهوت مفهوم النجاسة المعنوية، لمواكبة الوضع المتزايد الحساسية، أما المعتقدات القديمة، فقد كانت نجاسة جسدية مادية.
يرى المسلم البدائي، أن جسد المسيحي قذر، ومثير للاشمئزاز، ولو تأملنا في أنفسنا، لوجدنا آثارا لهذه المشاعر القديمة من النفور بين الأعراق (ص167).
علاوة على ذلك، لا يقتصر خوف الشعوب البدائية على الأجنبي فحسب، بل يشمل كل ما هو جديد عموما، اسمحوا لي أن أستشهد ببعض الأمثلة من كتابات فريزر الواسعة، فقد تسبب وصول مستوطن إلى بورنيو، وهي كمنطقة لم يمسها الأوربيون في حرارة لافحة، وفقا للأهالي، الأمطار الغزيرة التي أعقبت مرور بعثة جغرافية إنجليزية إلى نيكوبار، عقب غضب الأرواح التي أثارتها معدات البعثة، وفي القرن السابع عشر، عزا الأستونيون سلسلة من المحاصيل الضعيفة إلى بناء طاحونة مائية، وأعقب إدخال المحاريث الحديدية في بولندا سنوات عديدة من ضعف المحاصيل الزراعية.
أعلن الفلاحون أن المشكلة تكمن في الحديد، وهو معدن معروف بخصائصه السحرية، وعادوا إلى محاريثهم الخشبية، فهل من عجب إذن أن يكره المغاربة السيارات والدراجات والتصوير؟
فقط، غذَّى التَّأسلُم الخوف من الأجانب والنجاسة الأخلاقية، تماما كما غذَّى الدين الإسلامي الخوف من الاختراعات الأوربية في صورة بدعة، فكل ما هو مبتدع وكل ما لم يُصنَّف ضمن الأمور المباحة في القرآن يعد بدعة، وتحت هذا المسمى، نجد كل مخاوف الشعوب البدائية تجاه ما هو مجهول بالنسبة لها.
مؤسساتنا الأوربية، وإجراءاتنا الصحية، والتطعيم، على سبيل المثال، تعتبر شيطانية، فقد توهم الأهالي في الجزاير لفترة طويلة، أن التطعيم يصيبهم بالعجز الجنسي، وكان تطبيق قانون الأحوال الشخصية لدينا في غاية الصعوبة، فقد أحدث ثورة في بعض مناطق الجزاير تغيير اسم الشخص أمر خطير، فالاسم شيء مقدس وهو انعكاس للروح، ومن يغير اسمه يموت في غضون عام، أتذكر أني سمعت أنه في زمور، مات أحد السكان الأهليين الذي غير اسمه بهذه الطريقة في غضون عام وأنه وجد في قبره وهو يرتدي قبعة عالية!
لكن أكثر الابتكارات المكروهة هو السكك الحديدية، هنا لا يقتصر الأمر على كراهية الكفار فحسب بل يشمل أيضا الخوف من الغازي، إذ يدرك الأهالي ذووا البصيرة أن السكك الحديدية أداة غزو.
وهذا ما يفسر الطبيعة الحادة والعنيفة لحادثة الدار البيضاء، كان خط سكة حديد ديكوفيل، الذي بني لأعمال الميناء، عملا شيطانيا من الكفار، فقد قال المتعصبون الذين قادوا أتباعهم لمهاجمة القاطرة، بأن يقولوا لمن فيها “انتظروا، فسَيُصَفِّرُ علَيْكُم”.
كان التصفير عندهم ذا دلالة بالغة الخطورة، فالتصفير في وجه شخص ما، في نظر هؤلاء المسلمين، ليس مجرد علامة على سوء الأدب، بل كان بمثابة سحر، أدرك الميكانيكي الخطر، فصفَّر قدر استطاعته، فاعتبر السكان ذلك إهانة واستفزازا جديدا. فتخيل الآن مدى كراهة السلطان الذي شجع هذه البدع، التي كانت في اعتقاد العامة ضارة بازدهار المغرب وسمعته.
هل كان عبد العزيز مدركا للكراهة التي كان يجنيها من وراء تلك التصرفات؟ لا أعرف حقا؛ لقد كان مسلما طيب القلب، طويل القامة، ممتلئ الجسم قليلا، ذو أنف مقلوب، وشفتين غليظتين، وعينين واسعتين جميلتين تعبران عن الصدق والنزاهة واللطف، كان لديه فضول طفولي بعض الشيء، كان تعليمه متواضعا للغاية، مقارنة بأخيه مولاي حفيظ، الذي كان عالما مسلما.
كان عبد العزيز شغوفا بركوب الدراجات، كانت الدراجات تُلقى في فناء القصر، وتُبنى لها الجسور من الصناديق والمراتب وأنواع مختلفة من العوائق، وكان السلطان يقضي أياما كاملة يتجول بدراجته في حدايق أكدال، لاحقا، انتقل إلى الدراجة الثنائية tandem ثم السيارة، ومن هواياته المفضلة الأخرى البلياردو: فقد كان يلعب كل وقت عصر، لفترة طويلة مع الفنانين، كان على دراية بالتصوير السينمائي والهاتف، مارس التلغراف دون استخدام جهاز B12000 قبل أن يعرفه الجمهور الفرنسي، وكان يمتلك منطادا قبل أن تُدخل قوات الاحتلال المناطيد إلى الشاوية.
كان المسيحيون المكروهون يترددون باستمرار على المخزن، وقد أثار هذا الأمر غضب العامة بشدة، وألقي اللوم على السلطان بالإجماع، وفوق كل ذلك، كانت هناك عروض الألعاب النارية المؤسفة التي تطلق في الخامسة مساء، حتى قبل حلول الظلام، لشدة استعجال السلطان، كانت عبارة عن انفجارات وصواريخ متواصلة لمدة ساعتين أو ثلاث ساعات، مما جعل السلطان المبتكر مثار ازدراء شعبي، وإثارة لغضب الناس.
وقد ازداد الوضع سوء في فاس عندما بدأ عبد العزيز يميل إلى استخدام السيارات، ولأنه لم يكن من المفترض أن يرى أحد السلطان، فقد أخليت الأحياء التي كان يمر بها، وكان على الجميع المغادرة في غضون ساعات قليلة.
وفي الحقول المحيطة بالمدينة ولإخفائه عن الأنظار، بنيت جدران كان يمر من خلالها، لكن هذه الجدران قطعت الطريق وعطلت الاتصالات، وأخيرا أنشئت سكة حديد صغيرة ديكوفيل، حيث لم تسيَّر القاطرة قط، ولعل هذا ما أثار حفيظة المسلمين أكثر من غيره.
أثار هذا الأمر فضوله لدرجة أنه فقد صوابه تماما، وأهمل الاستقبالات والاحتفالات الرسمية، في عيد الأضحى عام 1902 انشغل بهذا اللهو، لدرجة أنه وصل متأخرا مما أثار ضجة كبيرة.
عيد الأضحى من أعظم أعياد السنة، في ذلك اليوم تضحي كل عائلة مسلمة بكبش، ولكن لا تذبح هذه الأضحية إلا بعد أن يذبح الأمير أضحيته، وتعتبر أضحية الأمير ذات أهمية قصوى لازدهار البلاد (ص168).
فإن كان فألها حسنا، كان العام حسنا، وإلا كان سيئا.
ثم يذبح الشخص التالي الكبش، وبعد ذلك مباشرة يؤخذ الحيوان ويحمل مسرعا إلى المسجد الأعظم، وفي الطريق يرمى بالحجارة ويضرب بالعصي، إنه حرفيا “كبش فداء”.
عند وصوله إلى المسجد، يفحص القاضي حالة الخروف، إن كان ميتا، فسيكون العام سيئا، وإن كان حيا، فإن العام يعِد بالخير، وإن كان قد عانى كثيرا، وفقد الكثير من الدماء، فسيكون العام ممتازا.
لديك هنا مثال جيد، على قوة الكفارة بالمعاناة وسفك الدماء.
في عام 1903 انشغل السلطان بأموره الترفيهية، لدرجة أنه تأخر نصف ساعة عن موعد ذبح الأضحية التي كانت العائلات المسلمة تنتظر القيام بها، مما اعتبر فضيحة ونذير شؤم للمستقبل.
يدفعنا هذا إلى النظر في ترفيه عبد العزيز من منظور جديد، في ضوء المعتقدات الشعبية المغربية، إذ لا شك أن هذه الترفيهات في نظر المسلمين، تعد بدعا مستنكرة وخطيرة، لكن هذه البدع على بشاعتها، كانت أشد خطورة وأشد إدانة لتطور الأمير فيها، فالمغاربة اليوم يرون أن مصير الإمبراطورية مرتبط بسلوك الأمير، فإذا انحرف عن العقيدة، هلكت البلاد.
ولفهم هذا الأمر بشكل أفضل، علينا أن ندرس خصائص النظام الملكي المغربي، وهذا ما سنتناوله في درسنا القادم، حيث سنرى أن هذه الملكية احتفظت بطابع سحري، مثل ذلك الذي تتمتع به عادة بين الشعوب البدائية، وهذا سيفسر لماذا اعتبرت تسليات عبد العزيز تدنيسا للمقدسات، لأنه لم يكن مجرد فرد عادي، فالخطورة اكتسبت من هذا الاستثناء، إذ الحاكم لا ينبغي له الانغماس في هذا النوع من اللهو المجلوب من قبل الأجنبي، هذا اللهو الذي يعتقد المسلمون أنه قادر على جلب المصائب على الشعب بأكمله. يتبع..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Le fanatisme musulman
Musulmans et chretiens
Renseignements coloniaux et documents publies par le comite de l,afrique francaise et le comite du maroc -n7/1909-pp;163-168



