من يحمي شغيلة الحج المغربية من ابتزاز الشركات السعودية وسماسرة الوكالات؟

31 مارس 2022 18:08

هوية بريس – حكيم بلعربي

لما كانت العربية السعودية عاجزة عن الاكتفاء بمواطنيها والمقيمين على أراضيها لتنظيم موسم الحج فإنها تضطر كل سنة للاستعانة بعمالة موسمية مؤقتة من بلدان أخرى كالمغرب ومصر والأردن… ومن هذه المهن؛ العمال الذين يقومون على خدمة الحجاج في المشاعر المقدسة، والجزارون الذين يتولون ذبح الهدي والأضاحي ومساعدوهم، والعاملون في المجازر ، والحلاقون الذين يحلقون شعور الحجاج كما يقتضي النسك، والسائقون، وكل عمالة مرتبطة بموسم الحج وتنتهي بانتهائه.

الإطار القانوني:

وكَكُلّ عمالة موسمية يفترض في العامل أن يُعفى من مصاريف النقل والسكن وتكاليف التأشيرة إذ يتولى أداء ذلك كله المشَغِّل، وفوق ذلك أن يحصّل دخلا محترما يفسر تركه لبلده تلك المدة وعمله بعيدا عن أهله وأسرته، أو أن يحصل راتبا يغطي مصاريف كل ما سبق من النقل والسكن وما إلى ذلك؛ علاوة عما يفضل للعامل عند عودته لبلده، كما يحصل تماما مع عاملات الفراولة المغربيات اللواتي يشتغلن كل سنة بإسبانيا.
وهذا هو ما يفترض أن يكون عليه الأمر بالنسبة لعمالة الحج الموسمية، وهو ما تقضي به القوانين المنظمة لهذه العملية في المملكة العربية السعودية.

الجزارون نموذجا:

وعلى سبيل المثال نسلط الضوء على مهنة واحدة مما سبق وهي مهنة الجزارة، ليكون الحديث عنها مغنيا عن الحديث عن كل مهنة وتخصص، فالحكم واحد لاتحاد الصورة والحقيقة.

لقد أنشأت الدولة هناك (مشروع المملكة العربية السعودية للإفادة من الهدي والأضاحي) قبل نحو أربعين سنة، وهو مشروع غير ربحي تم إسناد مهمة تنفيذه إلى (البنك الإسلامي للتنمية).

ويهدف هذا المشروع إلى النيابة عن الحجاج في ذبح الهدي أو الفدية وتوزيع اللحوم على الفقراء داخل السعودية وخارجها في ظروف صحية ومثالية وسليمة.

ويقوم البنك الإسلامي بالتعاقد مع شركات سعودية خاصة لتنفيذ العمليات واستقدام وتشغيل العمال المؤهلين للقيام بهذه المهمة على الوجه المطلوب.

ويقوم البنك المذكور بتعيين الشركات عن طريق فتح عروض منافسات تناقصية، ويؤدي البنك مقابلا للشركة الأحسن عرضا، شريطة أن تتكلف بالمهمة التنفيذية، بما فيها نقل العمال وإسكانهم وتشغيلهم وبعد ذلك تسليمهم مستحقاتهم وإعادتهم إلى أوطانهم.

والبنك الإسلامي للتنمية يعتمد في تمويل هذه العملية على الحاج إذ هو من يؤدي الأجور والتكاليف المباشرة المتعلقة بالذبح وأجور الجزارين والعمال، والحكومة تتكلف بباقي التكاليف (غير المباشرة).

ومن مظاهر إسهام الحكومة السعودية في تيسير هذه العملية أنها تعفي عمالة المشروع من أي رسوم للتأشيرة. فمما صدر عن مجلس الوزراء السعودي بتاريخ 22 مارس الجاري 2022 برئاسة العاهل السعودي: “استمرار تحمل الدولة رسم تأشيرة الدخول عن العمالة الموسمية لمشروع الهدي والأضاحي لموسم حج عام (1443هـ)”.

الواقع المؤلم:

لكن الواقع مع الأسف بعكس ذلك تماما، فإن الوقوف على حقيقة ما يقع يجعل الملاحظ يتحسر على حجم الإجرام الذي ترتكبه هذه الشركات وسماسرتها في المغرب في حق هذه العمالة.

فإن هذه الشركات السعودية الخاصة تستغل ما تكتسيه شعيرة الحج من مكانة عظيمة في نفوس المغاربة وقدسية وعظمة تجعل كل مؤمن يجعلها من أعلى أمانيه في الدنيا من أجل الفوز بتذكرة تنقله إلى المشاعر المقدسة في موسم الحج، فتعمل على التعاقد مع وكالات أسفار وأشخاص ذاتيين بالمغرب لا يهمهم تمييز الحلال من الحرام فيستحلون المتاجرة في الذمم والتكسب من الرقاب المؤمنة.
فيعمدون إلى شراء هذه التأشيرات من الشركات السعودية وإعادة بيعها للعمال المساكين المتلهفين لحج بيت الله الحرام، بلا ضمير ولا وازع ديني ولا خوف من انتقام الجبار سبحانه وتعالى ولا مجانبة للحرام والسحت الذي يدخلونه جيوبهم ويطعمونه أبناءهم.

على أن بعض المراقبين يتهم عمال ومراقبي البنك الإسلامي بالمشاركة في هذه العملية غير المشروعة، بغض الطرف عن مخالفاتها نظير رشاوي يستلمونها من الشركات المذكورة؛ وإن كنا في إعدادنا لهذا التقرير لم نقف على ما يثبت ذلك أو ينفيه.

رأي القانون السعودي:

إن القانون السعودي واضح في هذا المجال فهو يجرم الاتجار في التأشيرات وبيعها، ويرتب على ذلك عقوبات وجزاءات.

فقد جاء في المرسوم الملكي المعنون بـ(اللائحة التنظيمية لتأشيرات الأعمال المؤقتة والموسمية) الصادر بتاريخ: 31/08/2015.

وفي المادة 16 منه ما نصه:

(كل من يثبت بيعه تأشيرة عمل مؤقت أو موسمي يعاقب بما يأتي:

أ – غرامة مالية لا تقل عن (5000) خمسة آلاف ريـال، ولا تزيد على (15000) خمسة عشر ألف ريـال، وتتعدد العقوبة بتعدد التأشيرات التي بيعت.

ب‌ – استرداد جميع المبالغ التي حصل عليها بسبب هذه المخالفة.

ج – منعه من دخول المنافسات الخاصة بالأعمال المؤقتة أو الموسمية لمدة خمس سنوات…).

إن الشركات السعودية لا تكتفي بأخذ أموال العمالة من البنك الإسلامي للتنمية وهي الأموال التي يفترض أن تصرف على نقلهم وإيوائهم بل تزيد على ذلك بابتزاز هؤلاء العمال في مجال الجزارة ومساعديهم وأخذ أموال زائدة منهم بغير حق.

فتطلب من السماسرة والوكالات في المغرب مبلغا نظير كل عامل -بعد اجتيازه الاختبار الذي يؤهله للعمل في الموسم- لتعمل الوكالات والسماسرة على رفع السعر لصالح أنفسهم، فيطالبون هؤلاء العمال بمبالغ باهضة تتراوح بين 25000 درهم و35000 درهم شطرها يسلم للشركات السعودية وشطرها يذهب لجيوب أرباب الوكالات والسماسرة المحتالين.

ولا يكتفون بذلك بل يلزمون العمال (الحجاج) بالتصريح بأنهم لم يدفعوا أي مقابل لا في المغرب ولا في السعودية، ويطالبونهم بتوقيع وثيقة قبل سفرهم يصرحون من خلالها أنهم ذهبوا مجانا… ويشترطون عليهم عدم إخبار أي مراقبين محتملين في المغرب أو في السعودية بالحقيقة.. فيوقعون الحاج المسكين في الكذب وشهادة الزور في البلد الحرام في الشهر الحرام، وربما وهو محرم يؤدي حجة الإسلام. ما يؤكد أن هذا العمل خارج عن نطاق القانون وهو شبيه بعمل عصابات الاتجار في البشر وبيع الأعضاء ومصاصي الدماء.

شهادات من واقع التجرية:

وقد اتصلت “هوية بريس” ببعض العمال في الوكالات فأكدوا صحة كل المعلومات السابق ذكرها.

(م.ح) صاحب وكالة أسفار بالمغرب أكد لنا أنه قد عرضت عليه هذه الخدمة ليقوم بجمع العمال بمقابل 20 ألف درهم للجزار و21 ألف درهم للمساعد و22 ألف درهم للعامل، على أن يضيف هو ربحه بعد ربح الشركة السعودية والوسيط الأول.

وأضاف ذات المتحدث أنه لما استشعر أن هذه العملية غير شرعية وأنها تقوم على الاحتيال والتزوير والغش والرشوة وأكل أموال العمال بغير حق، عدَل عن الاشتغال لصالح السماسرة المذكورين، واكتفى بالعمل في مجال الحج والعمرة الذي لا يخالف الشرع ولا القانون.
(ع.م) موظف مغربي سبق أن ذهب للحج في موسم 1441هـ بصفته عاملا يقوم بحمل الذبائح ولفها في الأغلفة البلاستيكية قبل إدخالها للثلاجات، أكد لـ”هوية بريس” أن السماسرة ألزموه بتوقيع وثيقة والمصادقة عليها في مصلحة تصحيح الإمضاء يصرح من خلالها كذبا وزورا أنه لم يدفع أي شيء مقابل ذهابه، وهذا يخالف الواقع فإنه صرح أنه ذهب مقابل دفعه لمبلغ 30 ألف درهم.

(ب.ح) مواطن مغربي آخر سبق أن ذهب بعقد عمل صوري مقابل ما يقارب 50 ألف درهم في عقود مزورة وتأشيرات استصدرت للمتاجرة، وأنهم ألزموه بالدخول لجدة بغير إحرام لأنه لن يسمح لمن في حالتهم بالحج، ثم بعد دخول مكة يحرمون ويؤدون الفدية تكفيرا عن مجاوزتهم الميقات من غير إحرام.

الرأي الفقهي:

إن كثيرا من أرباب هذه الوكالات والسماسرة ربما زين لهم الشيطان أعمالهم، فظنوا أنه لا شيء عليهم وأن الوزر لا يتحملونه إنما يتحمله أرباب الشركات السعودية، والحق أن الشركة السعودي الخاصة ظالمة وآكلة لأموال الناس بالباطل، فكيف يسوغ أن نشتري منها هذا الظلم بمقابل فنبيعه للعامل الحاج المتلهف لهذه الشعيرة بعد زيادة الظلم بل مضاعفته جشعا وطمعا في الربح السريع.

إن فتاوى العلماء المتخصصين من مختلف بلدان العالم الإسلامي قد نصت على تحريم هذا العمل وتحريم الاتجار فيه والتكسب والربح منه، وهي فتاوى منتشرة ومبثوثة على الشبكة بالعشرات، لكن ضعاف الإيمان يَصُمُّون آذانهم عن الحق ويكتفون بتبريرات وتسويغات بعيدة عن الدليل الشرعي، والمنطق السليم والخلق الأصيل الذي لا يقبل صاحبه أن يتاجر في الظلم والمآسي، ويأخذ مقابلا على دفع الرشوة ليستفيد العامل من أداء الركن الخامس من أركان الإسلام وهو الحج.

ألا يخاف هؤلاء قول الله عز وجل كما في الحديث القدسي: “مَن عَادَى لي وَلِيًّا فَقد آذَنتُه بِالحَرْب” [رواه البخاري].

ألا يخافون أن يعلن الله عليهم الحرب لإيذائهم حاجا من حجاج بيت الله ووليا من أولياء الله عز وجل وضيفا من ضيوفه، وفد على بيته مجيبا دعوة سيدنا إبراهيم عليه السلام؟؟

فمن هذا الذي يقوى أن يتصدَّى لحرب الله، وقد قال سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ) [الحج: 38].
ألا يعلم هؤلاء أنهم مهددون بأن يكون الله خصمهم يوم القيامة لأنهم أكلوا أموال العمال بغير حق؟؟

عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره” رواه البخاري.

ألا يخافون من يوم الحساب؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها، فإنه ليس ثم دينار ولا درهم، مِن قبل أن يُؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أخِذَ من سيئات أخيه فطرحَتْ عليه” [رواه البخاري].

لقد عظم الله سبحانه شأن البلد الحرام، حتى توعد من هَمَّ بالظلم فيه بالعذاب الأليم، ولو كان بعيدا عنه فقال: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) [الحج:25].
قال ابن كثير: “وهذا من خصوصية الحرم أنه يعاقب البادي فيه الشر، إذا كان عازما عليه ، وإن لم يوقعه” وعزاه لابن أبي حاتم.

فكيف بمن لم يكتف بالعزم؛ بل أوقع الشر والظلم ولم يوقعه على أي أحد؛ بل أوقعه على ضيوف الله وحجاجه الميامين الوافدين على بلده الأمين.

فهل يرضى الملك الجبار سبحانه وتعالى أن يظلم ضيوفه؟؟

الحكومة المغربية خارج السياق:

ومن جهة أخرى نلاحظ غياب دور الحكومة المغربية وبخاصة وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات ووزارة الخارجية وسفارة المملكة المغربية بالسعودية عن متابعة هذا الموضوع وحماية حقوق هذه الشغيلة المظلومة نظير ما تقوم به الدولة في حماية العمالة الموسمية في قطاع الفراولة بإسبانيا.

آخر اﻷخبار
2 تعليقان
  1. جزاكم الله خيرا، حكى لي شخصين من معارفي استفادوا من هاته العمالة السنة الماضية أنه ذُهِب بهم للعاصمة الرباط لإجراء تحليل لعينة من البول بثمان مئة درهم لدى مختبر معين في حين أن الثمن الحقيقي أقل بكثير من ذلك.
    حسبنا الله ونعم الوكيل

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M