هذا ما تم تمريره بالندوة السرية لمركز “تكوين” بالرباط

06 أبريل 2026 11:50
تكوين مركز الرباط

هذا ما تم تمريره بالندوة السرية لمركز “تكوين” بالرباط

هوية بريس – عابد عبد المنعم

لم تكن الندوة التي احتضنها فندق STORY Le Carrousel بالرباط، يوم الأحد 05 أبريل 2026، مجرد نقاش أكاديمي بارد حول الفكر السياسي الإسلامي، بل تحولت إلى منصة لإعادة تأطير الإسلام ذاته داخل سردية أيديولوجية بائدة وبئيسة تختزل تاريخه في منطق الغزو والعروبة، والتوظيف السياسي المحض!

الندوة من بتنظيم مؤسسة تكوين الفكر العربي بشراكة مع مركز الدراسات والأبحاث الإنسانية “مدى”، التي أدارَت جلستها الأولى التونسية المثيرة للجدل ألفة يوسف، وشارك فيها كل من علي اليوسفي العلوي، وأحمد عصيد، وإبراهيم عيسى، وعبد الإله الكلخة، أعادت طرح أطروحات صادمة تمس جوهر الوعي الديني والتاريخي في المغرب والعالم الإسلامي.

 

علي اليوسفي: الفتوحات توظيف ديني للغزو

في مداخلة وُصفت بالتصادمية، اعتبر علي اليوسفي العلوي أن الإسلام كان سياسيا منذ نشأته، وأن تأسيس الدولة في المدينة مثّل مشروعا سياسيا متكاملا. لكنه ذهب أبعد من ذلك حين وصف الفتوحات الإسلامية بأنها تضمنت «توظيفا للدين كسياسة من أجل الغزو والحصول على الخراج والجزية والاستعباد».

هذا الطرح لا يقف عند حدود التحليل التاريخي، بل يطبع مع سردية استشراقية قديمة تعتبر الفتوحات الإسلامية جزء من آلية هيمنة دينية، في تجاهل واضح لأسس الفتوحات الإسلامية ورسالتها والطريقة التي تمت بها.

 

أحمد عصيد: الإسلاميون يعطلون الدولة الحديثة

من جهته، حمّل عصيد الحركات الإسلامية مسؤولية تعثر الانتقال الديمقراطي، معتبرا أنها تتبنى الديمقراطية تكتيكيا فقط. وركز في حديثه على مفاهيم مثل الحاكمية والجاهلية، معتبرا أنها تؤسس لرؤية تصادمية مع الدولة الوطنية الحديثة.

أكثر من هذا زعم ذات المتحدث أن المغاربة المحتجين ضد الإبادة بغزة والرافضين لانتهاك المقدسات بالأقصى هم يحتجون ضد النظام المغربي ويوظفون القضية الفلسطينية كورقة ضغط لتمرير أيديولوجيتهم.

لكن هذا اللاديني المثير للجدل، الذي سبق وتورط في فضائح أخلاقية وعلمية، تجاهل أن القضية الفلسطينية قضية دينية بالأساس، والأقصى كان قبلة المسلمين الأولى وهو أحد المساجد الثلاث التي تشد إليها الرحال، كما أن الدولة الوطنية العربية نفسها نشأت في سياقات سلطوية، وفشلها في ترسيخ الديمقراطية سابق على صعود الإسلاميين في كثير من الحالات. من أجل هذا اعتبر أحد المعقبين على مداخلته أن اختزال الأزمة في الإسلاميين تحليل مخل وتسطيح لموضوع ذي معطيات وسياقات معقدة.

 

إبراهيم عيسى: صراع بين وطن حديث وخلافة ممتدة

أما إبراهيم عيسى، مؤلف فيلم الملحد، فقد اعتبر في مداخلته بالرباط أن الدولة الوطنية لا يتجاوز عمرها مئة عام، مقابل أكثر من ثلاثة عشر قرنا من ترسخ نموذج الخلافة في الوعي الجمعي، مؤكدا أن الأزهر والإسلاميين لا يؤمنون فعليا بمفهوم الوطن بل بالأمة العابرة للحدود.

بهذا الطرح يختزل “أبو حمالات” كم يسميه المصريون، التاريخ الإسلامي في مواجهة مفتعلة بين الوطن والأمة، متجاهلا حقيقة أن التراث الإسلامي عرف صيغا متعددة تجمع بين التنظيم السياسي المحلي والانتماء الأوسع للأمة. هذا الطرح لا يعكس التاريخ بل يخدم خطابا استقطابيا يسعى لتضخيم الصراع بدل فهم التداخل المعقد بين الهوية الوطنية والتجربة الإسلامية.

 

ألفة يوسف: تفكيك المسلمات

ألفة يوسف، التونسية المعروفة بتطرفها اتجاه الدين والعلماء، وقراءاتها التعسفية للنصوص التراثية، أدارت النقاش في اتجاه تعزيز فكرة واحدة، وهي ضرورة نقد المسلمات وتجاوز التراث باعتباره، وفق ادعائها، عائقا أمام مشروع تنويري. غير أن الإشكال لا يكمن في النقد ذاته، بل في طبيعة الخطاب الذي يميل إلى تقديم التراث ككتلة صماء من العوائق، لا منظومة معرفية تاريخية غنية.

ويرى منتقدو هذا التوجه أن بعض الخطابات اللادينية لا تكتفي برفع شعارات التنوير والقراءات الجديدة ومحاربة الغلو، بل تحوّلها إلى غطاء أيديولوجي لطرح يقوم على التعميم والقطيعة الشاملة مع التراث، دون تفكيك علمي رصين أو وعي بسياقاته التاريخية والمعرفية. فبدل أن يكون النقد أداة للفهم والترشيد، كما قام بذلك عدد من المصلحين والمجددين، يتحول إلى محاكمة كلية تختزل قرونا من الاجتهاد في صورة نمطية أحادية، وهو ما يفرغ خطاب دعاة التنوير من توازنه المنهجي ويستبدل المراجعة الرصينة بنزعة تصادمية لا تميّز بين ما يستحق التقويم وما ينبغي فهمه في سياقه.

 

مركز مثير بتمويل مشبوه

الإشكال الجوهري في الندوة المغلقة لـ”تكوين” و”مدى”، والمؤدى عنها بمبالغ سخية بفندق فاخر بالرباط، لم يكن في طرح الأسئلة، بل في الطريقة التي جرى بها تأطير المداخلات والإجابات، وحتى ننور الرأي العام حول ما جرى بالجلسة الأولى، فقد ركز المتدخلون على الأفكار التالية:

– الفتوحات قُدِّمت بوصفها غزوا واستعبادا..

-الإسلام السياسي صُوِّر باعتباره العائق المركزي أمام الديمقراطية، دون مساءلة بنية الدولة العربية نفسها.

-التراث وُضع في خانة الاتهام الجماعي والعائق أمام التحديث والتنمية.

-مهاجمة الإسلام بكونه ليس له نظرة للطفولة، والفقه ركز فقط على زواج الصغيرة، علما أن مفتري هذا الكذب سبق وخط بيده، تحت رعاية إلاه “ياكوش”، عقد فساد على امرأة متزوجة، وتورط في الاعتداء والعنف الجسدي على سيدة أمازيغية.

-استغلال القضية الفلسطينية من الإسلام السياسي..

-مهاجمة العلماء والمؤسسات الدينية الرسمية..

إن أخطر ما في هذا النوع من الخطاب أنه لا يكتفي بالنقد العلمي المنهجي، بل يعتمد الكذب والتزوير ويعيد تعريف العلاقة بين المجتمع ودينه على أساس سردية صدامية، في أفق إحداث قطيعة وجدانية مع التراث.

إن المعركة اليوم ليست بين تنوير وظلام، كما يُراد تصويرها، بل بين قراءات متباينة لهوية راسخة ذات بعد حضاري ضارب في التاريخ، والخطورة في هذا الاستفزاز تكمن حين يُقدَّم مشروع فكري باعتباره تحريرا! بينما هو في جوهره إعادة تشكيل للمرجعية من خارجها خدمة لأجندات خارجية مسطرة ومعروفة.

وفي هذا الصدد قال د.يوسف فاوزي، أستاذ الشريعة بجامعة ابن زهر بأكادير “للأسف في الوقت الذي تمرُّ فيه الأمة الإسلامية بلحظة تاريخية فارقة تعرف فيها نزيفا حادا في غزة؛ وأمارات حرب عالمية؛ لا زالت هناك أصوات نشاز تصر على غرس بذور الشك في عقيدة المسلمين وثوابتهم”.

وأضاف في تصريح لـ”هوية بريس”: “هذه المرة يطل علينا مركز تكوين المشبوه؛ والممول ماليا من جهات لا تخفي عداءها للإسلام والمسلمين؛ من العاصمة المغربية الرباط؛ في ما سمَّاه بدورة في الأسس الفكرية للجماعات الإسلامية وسبل مناهضتها؛ وهذا دليل كاف على بيان مستوى الفشل والاحباط الذي تعيشه الدوائر المعنية بمجابهة الإسلام؛ حتى ان إحدى المداخلات حملت عنوان: لماذا تفشل المشاريع التنويرية أمام مشاريع التطرف!!”.

واعتبر د.فاوزي أن الندوة لم تحترم أبجديات العمل الأكاديمي البحثي؛ فقدمت بعض المشاركين بصفة دكتور وهو غير حاصل على الدكتوراه (عصيد)؛ كما أن أحد المشاركين من مصر كانت مداخلته عبارة عن فقرة يرددها أينما حل وارتحل؛ دون إعداد بحثي محكم؛ ويتقاضى عليها آلاف الدولارات؛ وهذا نموذج واحد أمام نماذج كثيرة من النفعيين والمرتزقة الذين وجدوا في هذا المركز بقرة حلوب دون جهد أو كلل”.

وفي ختام تصريحه شدد الأكاديمي المغربي على أن “تسهيل إقامة أنشطة لهذا المركز بالمغرب مؤشر خطير على العبث بالثوابت الدينية للمغرب؛ كما أنه سيعطي صورة سلبية لسمعة التدين المغربي الأصيل؛ فلعل العقلاء في بلادنا يتخذون موقفا حازما بشأنه”.

بدوره علق د.محمد عوام على اللقاء بقوله “مركز تكوين المصري يحط رحاله في المغرب في لقاء مغلق، وهو متخصص في نشر الإلحاد والطعن في الإسلام، مما يسائل الدولة المغربية في شخص وزيرها على الشؤون الإسلامية أحمد توفيق، ألا ينسف هذا المركز ثوابت المملكة؟ ألا يدخل مسلك التشكيك في الإسلام فيما يخالف القانون المغربي زعزعة عقيدة المسلم؟

المشكل حينما تنتهج وزارة الأوقاف سياسة تكميم الأفواه بتوقيف العلماء والخطباء، وتبتدع خطة تصفيد التبليغ، وتحيطها بمجموع من الأغلال والموانع، وينعت من ينتقد هذا المسلك بالخوارج والتنطع، لكن يختفي أي نقد أو موقف تجاه ضرب ثوابت المملكة الدينية، والانتقاص من الإسلام، وازدراء شرائعه وسننه، فلا نكاد نجد لوزير الأوقاف أي موقف بالعبارة أو الإشارة، إذ يخرس لسانه لسان المجالس العلمية”.

وأكد الباحث في أصول الفقه ومقاصد الشريعة على “أن مركز تكوين الذي أثار جدلا واسعا في مصر، وقامت حوله ضجة، أصبح مرحبا به بالمغرب.. مما يؤكد أن حمانا مستباح من قبل اللادينيين والمتصهينين، فلم تعد لنا حماية لمقدساتنا وديننا ووطننا، مما يجعلنا نتساءل أي مستقبل لثوابت المملكة في ظل هذا الانفتاح الممسوخ الذي يجلب الشر، ويحمل الضر لنشئنا وأجيالنا؟ لأنه معلوم ضرورة أن الأمة التي لا تحمي ثوابتها ومقدساتها محكوم عليها بالاندثار، ومصيرها الاضمحلال والانحلال، لأن الثوابت وعلى رأسها الإسلام صمام الأمان لحفظ كينونة المجتمع والدولة معا”.

وفي ختام تدخله تساءل د.عوام “هل ستسعى الدولة ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في إنقاذ ثوابتها بالحد من الإلحاد والفساد والميوعة والانحلال أم أن انفتاحها غير المدروس سيدخلها في غيابات الجب، جب فقدان المقومات الوجودية للاستمرار؟ هذا ما ستكشف عنه الأيام ونرجو أن يتدارك الأمر فينخرط العلماء في حفظ ثوابت الشعب المغربي بدل أن يلتزموا الصمت والسفينة تغرق، لأن قوما يعملون على إحداث ثقب في أسفلها، ويومئذ لا ينفع الندم. “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم””اهـ.

https://howiyapress.com/%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d8%a8%d8%b9%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%af%d9%84-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d8%b5%d8%b1-%d9%84%d9%82%d8%a7%d8%a1-%d9%85%d8%ba%d9%84%d9%82-%d9%84%d9%85%d8%b1%d9%83%d8%b2-%d8%aa/

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
23°
23°
الجمعة
24°
السبت
24°
أحد
25°
الإثنين

كاريكاتير

حديث الصورة