هل يجوز للدولة الإسلامية إكراه المسلم على الطاعات؟

16 أكتوبر 2022 17:29

هوية بريس – د. رشيد بنكيران

يتردد على لسان العلماء؛ فقهاء أو أصوليين: عبارةُ: “وهذا من أفسد الأقيسة”، أو “هذا من القياس الباطل”، وهي عبارة تُطلق على قياس لم يستجمع شروط القياس الصحيح. وغالبا يقع ذلك ممن لم يحكم صنعة القياس، واقتحم هذا المقام الكبير وهو ليس أهلا لذلك.

في هذه السنوات الأخيرة بدأ ينتشر فهم منحرف، في غاية الانحراف، سيؤدي إلى نتائج خطيرة جدا إن لم يقوم، سواء على مستوى العقيدة والأفكار، أو السلوك والأخلاق، أو العبادة والمعاملات، اعتمد أصحابه ـ وهم يتبوؤون مقاعد التنظير لبعض الحركات الإسلامية ـ على  قياس فاسد كاسد:

يقولون: إذا كان الإيمان بالله عز وزجل، هو أعظم أصول الإيمان على الإطلاق، وأصل أركان الإيمان الست التي جاء بها حديث جبريل المشهور على الألسن، ورغم ذلك أعطى الله عز وجل للمكلف أو للإنسان حق الاختيار بين الإيمان به من عدمه، إذ لا يجوز إكراهه عليه، ويستدلون بما جاء في القرآن الكريم {‌لَآ ‌إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِ}، وكذلك بقوله تعالى: {فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ ‌فَلۡيَكۡفُرۡۚ}، ويقررون: إذا كان الإيمان بالله، وهو أصل الإيمان فيه تخيير بين الاستجابة له من عدمه، فمن باب أولى أن يكون المكلف مخيرا في فروع الشريعة، أي في التزام أحكام الحلال والحرام، وأوامر الشريعة ومنهياتها، فله الحق أن يفعلها أو لا يفعلها، بناء على حقه الأول في الاختيار، واستعملوا قياس الأولى ليصلوا إلى ما قرروه، وبعبارة مختصرة يقولون:

إذا كان الإيمان بالله سبحانه لا يجوز إكراه أحد عليه، فمن باب أولى أن ينطبق الأمر على ما دون الإيمان بالله من شعائر الدين شرائعه.

قلت: إذا كان هناك قياس فاسد… فهذا من أفسد الأقيسة، ذلك:

أن قياس أصل على أصل لا يصح كما هو مقرر في علم أصول الفقه، يقول الإمام الشافعي: “لا يقاس ‌أصل ‌على ‌أصل”، وقد وقع هنا قياس المؤمن على الكافر، أو قياس المسلم على غير المسلم، أي قياس أصل على أصل؛ قياس الإيمان ومقتضياته على الكفر وما يترتب عنه، وهو قياس مع وجود فارق، بل فروق؛

فالكافر أو غير المسلم هو الذي له حق الاختيار، ولا يجوز إكراهه لا على الإيمان والدخول في الدين، ولا على شعائر الإسلام وشرائعه من باب أولى وإن كانوا مخاطبين بفروع الشريعة على الراجح، أما من آمن بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا ونبيا، واختار ذلك طوعا دون كراهية، فهذا يجب عليه أن يلتزم تعاليم الدين، أصوله وفروعه، شعائره وشرائعه، ولا يجوز شرعا أن نقره على مخالفة ذلك ظاهرا أو باطنا.

وخذ مثالا توضيحيا مبسطا قبل أن أسوق بعض الأدلة التفصيلية في بيان فساد هذا القياس:

لا ينازع أحد في أن للإنسان حق الاختيار في أن يعمل أو لا يعمل، وله كذلك حق الاختيار في نوع العمل الذي يريده، ولكن إذا وقع اختياره على عمل ما فهو مطالب بفعل واجبات ذلك العمل والتزام شروطه، فلو أنه اختار أن ينتمي إلى مؤسسة تعليمية مثلا، فلابد أن يتقيد بقانون العمل لتلك المؤسسة ويخضع له، ولا يصح في الأذهان أن يقال: إذا كان الإنسان يملك الحق في اختيار العمل ـ وهو أصل ـ ويملك أولا حق الانتماء إلى مؤسسة التعليم التي يريد العمل فيها ولا يجور أن يُكرَه على ذلك، فمن باب أولى أن ينطبق الأمر على ما دونه من فروع ذلك العمل وشروطه.

قلت: أي منطق هذا!؟؟ نعم، كان له الحق قبل أن ينخرط في العمل، هل يقبله أو لا يقبله، ومن باب أولى شروط ذلك العمل إذا لم يقبله، أما إذا قَبِل العمل وانخرط فيه فإنه يجب عليه طوعا أو كرها أن يلتزم بمقتضيات ذلك العمل، فالمسألة جد ولست لعبا أو هزلا.

من الأدلة التفصيلية لبيان فساد هذا القياس:

شرب الخمر

أجمعت الأمة الإسلامية على أن شرب الخمر حرام، وأن الشرع رتب على من يشربه من المسلمين عقوبة زجرية، والمسلم إذا ضُبط متلبسا يشرب الخمر فإنه يؤاخذ بتلك العقوبة في الدينا، وإذا شرب ولم يعاقب في الدنيا فهو على وعيد شديد في الآخرة، بين مشيئة الله؛ إن شاء عذبه الله بعدله وإن شاء غفر له برحمته. ولا يختلف اثنان في أن ترك شرب الخمر بنية التعبد من فروع الإيمان، ورغم ذلك عاقب الشرع شارب الخمر بمخالفته لذلك، ولا يصح أن يقال شرعا إذا كان المكلف مخيرا في أصل الإيمان فمن باب أولى فهو مخير في شرب الخمر أو تركه لأنه من فروع الإيمان.

ارتكاب الزنا

والشيء نفسه يقال عن ارتكاب الزنا، فتركها من فروع الإيمان، والمسلم ملزم شرعا بالابتعاد عن الزنا، وإن ارتكبها يعاقب عليها لو برضا واتفاق الزانيين ويكره على تركها، ولا يقال لا إكراه في تركها لأن الشرع لم يكره الناس على الإيمان، فمن باب أولى لا إكراه على فروعه التي منها الزنا.

أداء الزكاة

تعد زكاة الأموال الركن الثاني من أركان الإسلام الخمس ومن أعظم العبادات بعد الصلاة، وأداؤها من فروع الإيمان بالإجماع، وقد أمر الله المسلمين بها، ورهب بالوعيد الشديد لمن امتنع عن أدائها في الآخرة، وفي الدنيا أوْكل الشرعُ مهمة إلزام المسلمين بها للدولة ومعاقبة من تخلف عن أدائها {خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ ‌تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٞ لَّهُمۡۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [التوبة: 103]، وقد أجمعت الأمة على ذلك في عهد خلافة أبي بكر الصديق، ويجب على الدولة أخذها من الممتنعين طوعا أو كرها.  ولا يقال لا يجوز إكراههم على أداء الزكاة، لأن أداءها من فروع الإيمان، وهو مخير في أصله فمن باب أولى له حق التخيير في أدائها، فهذا قياس فاسد كاسد كما سبق توضيحه.

فساد القياس سببه خطأ في التعليل:

ومن التعليل الذي اعتمد عليه أصحاب هذا القول لترويج هذا القياس الفاسد: هو أن الدين لا يكون دينا حقيقة إلا إذا أتاه المرء طوعا وعن قناعة دون أن يجد أي حرج، ولهذا لا يجوز إكراه الناس على شرائع الدين وشعائره.

وهذا الكلام في أصله صواب، إلا أنه لم ينزّل في مكانه الذي دلت عليه الأدلة الشرعية التي بلغت مبلغ التواتر المعنوي، فالدين أو التدين الحقيقي الذي يقبله الله عز وجل هو ما كان برضى صاحبه، ولكن هذا القبول يتعلق باليوم الآخر يوم الحساب والجزاء، فالمكلف لا ينتفع في الآخرة إلا بما أتاه من عمل صالح وبرضاه غير مكره، ولكن في الدنيا فالأمور تجري وفق ما ضبطه الشرع من أحكام ظاهرة وعقوبات منصوص عليها في حالة المخالفة، وأخرى لم ينص عليها بالتعيين ولكن تخضع للسياسة الشرعية العادلة المؤطرة بمقاصد الشريعة، وصدق عمر إذ يقول نأخذ الناس بالظاهر والله يتولى السرائر.

ومن هذا التعليل أيضا الذي يرسلونه إرسالا دون خطام له ولا زمام قولهم إن حمل الناس على شعائر الإسلام وشرائعه كرها دون رضا منهم سينتج لنا أفرادا منافقين، والله عز وجل لا يريد منافقين، بل يريد من يعبده عن إيمان وحب واقتناع.

وهذا الكلام حق من جهة، ولكن ما نوع الإرادة الإهية التي تعلقت بالنفاق هنا؟ إنها الإرادة الشرعية، فالله عز وجل لا يريد منافقين يبطنون الكفر، ولا يريد كذلك كافرين يظهرون الكفر، ولا يريد أيضا مؤمنين عاصين وفاسقين باعتبار فسقهم معصيتهم؛ {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ}، {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ}، وفي مقابل ذلك فإن الله يريد مؤمنين شاكرين {وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}، فالمراد بالإرادة هنا الإرادة الشرعية، ومن خصوصيتها أنها قد تقع وقد تتخلف، فالله عز وجل أراد ذلك من خلقه شرعا لا كونا وقدرا، فمرد تلك الإرادة إلى فعل المكلف وعقيدته.

ولهذا، فإن قولهم إن الله لا يريد منافقين والتركيز عليه لوحده لا معنى له بهذا الاعتبار، والجواب عليه هو أن الله أيضا لا يريد أن يكون المكلفون لا كافرين ولا فاسقين، فالأمر سواء. بل يمكن أن نجزم وفق الدليل الصحيح أن الله عز وجل أقرّ المنافق على نفاقه وأمر المسلمين أن يعاملوه معاملة المسلمين، له ما لهم وعليه ما عليهم وحسابه على الله يوم القيامة، بخلاف الكافر غير المعاهد أو المشرك، فإن الله عز وجل لم يقرهم على الكفر والشرك، وعليه يحمل قوله تعالى: {وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ ‌لَا ‌تَكُونَ ‌فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ}.

وعودا على بدء، فإن قياس المسلم على الكافر في عدم أحقية إلزامه شعائر الدين وشرائعه قياس فاسد من أفسد الأقيسة، ولهذا فمن الواجبات الشرعية التي تجب على الدولة الإسلامية اتجاه رعاياها المسلمين أن تحملهم على الإيمان والأخلاق الحسنة وفعل الطاعات بالترغيب والتربية الحسنة ونشر التعاليم الدينية الصحيحة والحوارات العلمية النافعة، وكذلك بالترهيب وفرض سياسة جزرية للمتخلفين عن أمهات الطاعات أو المجاهرين بالفسق، فإن الترغيب والترهيب جناحان لا يتحقق المقصد من أي تشريع سماوي أو قانون وضعي إلا بهما معا، وقد صح من حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: “مُرُوا صِبْيَانَكُمْ بِالصَّلَاةِ إِذَا بَلَغُوا سَبْعًا، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا إِذَا بَلَغُوا عَشْرًا، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ”.

آخر اﻷخبار
1 comments
  1. جزاكم الله خيرا واحسنتم النشر …..و فسرتم مشكلة جواز المجاهرة بالمعصية من عدمها باسلوب مقنع
    بارك الله فيكم شيخنا الجليل

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M