“وحشية” الإنسان و”إنسانية” الوحوش -غزة تباد!-

14 أبريل 2024 17:49

هوية بريس – أحمد العبودي

مشاهد متكررة تقبض فيها أنفاسك تعرضها أشرطة مصورة من الحياة البرية ، مشاهد تجاوزت فيها الوحوش طبيعتها الافتراسية واسلخت منها اختيارا فبدت وديعة رحيمة بمشاعر غريزية راقية كأنها ” إنسان متحضر”، وسنكتفي هنا بعرض ثلاثة من تلك المشاهد الملهِمة:

المشهد الأول : لبؤة تحتضن صغير غزالة كان يلهو بجانب أمه وفي لحظة من اندفاعاته، وجد نفسه بين قوائم لبؤة يتطاير الشرر من عينيها وهي تمنعه بلطف ورقة متناهية من الانفلات والابتعاد عنها دون أن تمسه بأي سوء، تداعبه برفق كأنه وليدها، والصغير لا يعبأ بها ولم يشعر قط أنه بجانب عنوان بارز من عناوين الافتراس القاتل والبطش الشديد ، بينما ظلت الغزالة الأم ـ من بعيد ـ تراقب الوضع عن كثب في ذهول مريب ، لتتأكد أن لا خوف على صغيرها خاصة حين لا حظت وصول الأسد وقد منعته اللبؤة من المس بالصغير فاستجاب طوعا ونأى معرضا مسالما.

المشهد الثاني: نمر مرقط يخطف كالبرق من على الأرض قردا في أسابيعه الأولى ويعتلي به فوق أغصان شجرة ممسكا بالصغير بين مخالب حادة وأنياب كالمسامير من غير أن يلحق بالرضيع أدنى أذى، يبدو أن المفترس قد رَقَّ قلبه للصغير وخشي عليه من الضباع أو من أي شر محتمل، ظل يحتفظ به ويلاعبه فوق الأغصان وهو حريص عليه من السقوط حتى اطمأن الصغير وارتاح وأيقن أنه في مأمن بجوار مفترس جسور .

المشهد الثالث: فرس النهر العملاق بقوته الجبارة يرشح نفسه لمهمة “إنسانية ” نبيلة ويندفع كالدبابة صوب تمساح كاسر ليمنعه من مداهمة الحمار الوحشي الذي راح فزعا يحاول اللحاق بالقطيع، لم يكن الحمار الوحشي يسيغيث ولم يصدر أي صوت للفت انتباه أفراس النهر، غير أن الفرس المغوار تمكن بجهده أن يمنع الحمار المسكين من الوقوع بين أقوى فكين على وجه الأرض.

فإن كان يحلو لبعض نظريات علم النفس التربوي أن تعتبر أن لا فرق بين سلوك الإنسان وسلوك الحيوان إلا من حيث الدرجة والنوع، بما يعني أن الكائن الإنساني يتميزعلى نظيره “الحيواني” من حيث السلوك والأداء بخاصية “النماء” و”التطور” و “الارتقاء “، ولئن صح ذلك نظريا فإن الكائن “الإنساني” البشري  في كثير من الأحيان يختار بمحض إرادته أن ينحط ويسفل إلى أدنى دركات ” الأنواع ” خسةً وحقارة وحقدا، حتى أنك لا تستطيع في بعض الحالات أن تقارن بين قبح وبشاعة السلوك الإنساني وبين ما يصدر عن بعض الأنواع/ الكائنات ـ بمقتضى غريزتها ـ وما يصدر عن ” البشر” من “سفاهة” وعار، بل قد يكون من الظلم أن تدخل في مقارنة بين النوعين، فـ”النوع ” البشري  بتعبير داروين صاحب  نظرية النشوء والارتقاء ومؤلف ” في أصل الأنواع” اقترف ولا يزال ما لا يخطر على غريزة أي حيوان مفترس أو طير كاسر؛ فالوحوش الضارية ، كما في الأمثلة الثلاثة ، تحركت لإنقاذ عجماوات ضعيفة تقتسم معها الأرض والماء والكلأ ، رقت غريزتها فبادرت للتدخل في الوقت المناسب، كأنها أحست بوخز يستفز غريزتها ويندبها لتقديم النجدة المطلوبة فاستجابت على الفور ملبية نداء “ضمير” الكائن الحي، لكن غزة المسكينة المحاصرة على مرأى ومسمع من المنتظم الدولى تتعرض لأبشع أنواع القتل بنرجسة الكيان الصهيوني الغاصب وبمباركة من المنتظم السخيف بكل مؤسساته، لقد خذل العالم غزة وأسلمها لغطرسة كيان سرطاني خبيث خبث الدرجة العليا، يمارس الاجتياح والعربدة في منتهى الوحشية مدعوما على رؤوس الأشهاد بأمريكا البلهاء والغرب الحداثي المنافق وبعض العرب السفهاء الجبناء الذين يعبدون “القوة” ويتملقون للغالب ويخشون الكيان الغاصب، وهم في ذلك لم يأخذوا درسا لا من لبؤة ولا من نمر ولا من فرس النهر، ولا من تاريخ ولا من جغرافيا…

فما أبلغ “إنسانية” هذه الحيوانات وما أخس البشر الذي ركن إلى ” حيوانيته” وذلته وتخلى طواعية عن “آدميته” في الوقت الذي أصرت الحيوانات أن تنعتق من “وحشيتها” وتتجاوز طبيعتها الافتراسية التي جبلت عليها في لحظة أحست بخطر يداهم مخلوقا ضعيفا أعزل لتخلصه من قبضة فك لا يرحم أو مخالب لا تعرف الشفقة أو أنياب تمزق وتقطع. وبدل أن يقول الغرب : ” يَٰوَيْلَتَىٰٓ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا ٱلْغُرَابِ(الحيوان)” ، راح على النقيض من ذلك  بعقدة تفوقه “الحضاري” ونرجسيته الوهمية وبراغماتيته الجنونية  يشارك بوحشية في الحرب على المدنيين الذين لا يملكون غير إرادة صلبة لا تكسر ولا تلين وإيمانا قويا بعدالة قضيتهم. لقد فضل العالم إفساح المجال للهمجية والوحشية الصهيونية لتغرز أنيابها وأظافرها المسمومة في جسد الأبرياء، وهو في ذلك ـ أي الغرب ـ قد بلغ مبلغا من العتو والظلم كبير، على نحو لاحت معه في الأفق مؤشرات النهاية لأن ” الظلم مؤذن بخراب العمران” كما قرر ابن خلدون، فما جره الغرب على العالم من حروب عالمية ظالمة أذكتها أطماعه ورعونته، ومن استعمارغاشم، ومن مساندة للأنظمة الفاسدة وما ابتدعه من ويلات أخلاقية وانتكاسة فطرية وما جره على العالم من فتن ومحن وبلايا ورزايا لمن شأنه أن يعجِّل بموته ونهايته التي تنبأ بها بعض علمائه ومفكريه كالسياسي الأمريكي بات بوكانان،الذي ألف “موت الغرب ” وهو ما أكده كِتاب “انتحار الغرب”، للباحثين ريتشارد كوك وكريس سميث، حيث يقدمان فيه نقدًا لاذعًا لهذه الحضارة التي يراها الكاتبان تقود الغرب إلى الإفلاس الماحق. ومن قبل ذلك كانت قصيدة للشاعر الإنكليزي ت.س. إيليوت Eliot “الأرض اليباب”، وهي قصيدة تُعبر عن خيبة أمل جيل ما بعد الحرب العالمية الأولى وقرفِهِ أو تَقزٌزه، وتصور الغرب وقد خلق عالماً مثقّلاً بالمخاوف والذّعر والشهوات العقيمة، عالماً ينتظر إشارة ما تؤذن بالخلاص.

إنه طبقا لمنطق الغابة وقانونها الذي يسري على عالم الحيوانانت وباعتبار مظاهر الفتك والافتراس السائدة بين الحيوانات فإن الغرب الحالي ومعه الكيان الغاصب على وجه التخصيص يجسد في ذلك  سلوك ملك الغابة الذائع الصيت، الأسد سكارفيس Scarface   (أسد بِنُدبة فوق عينه اليمنى) أحد أشهر أسود العالم وأقواها على الإطلاق والذي ظل ـ بدعم ثلاثة من إخوته يحكم محميته في وسط إيفريقيا سنوات طوال، وخاض من أجل الهيمنة والسيادة معارك طاحنة سخر فيها كل ما يملك من قوة وغطرسة، فقَتل فيها وشَرَّد وأباد كثيرا من الأسود والحيوانات، لكنه في إحدى المعارك الملحمية أصيب في مقلته وفقأت عينه اليمنى على يد جيل جديد من زمرة الأسود، ضاقت به درعا وقررت الانعتاق والتخلص من جبروته وكبريائه غير المعهود حتى انتهت اقصته بموته (يونيو 2021) بعد أن أصابه الوهن وخارت قواه الجسمية.

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M