الدكتور الفايد: أربعون سنة من نشر الأباطيل الطبية
الدكتور الفايد: أربعون سنة من نشر الأباطيل الطبية
هوية بريس – عبد الإله الرضواني
أربعون سنة من الدجل المتواصل، وأربعون سنة من التضليل واستغلال آلام الناس باسم العلم والدين. محمد الفايد، الذي لا يتجاوز تخصّصه الحقيقي حدود علم الأغذية، لا الطب ولا التغذية العلاجية، نصّب نفسه خبيرًا ومرجعًا علميا في ميادين لم يدرسها ليبيع الوهم تحت غطاء القداسة العلمية والدينية. الحقيقة البسيطة والصادمة في آن واحد: الفايد ليس طبيبًا، لم يدرس الطب إطلاقًا، ولا علاقة له بعلم التغذية بمعناه الحديث الذي يدرس تأثير الغذاء في صحة الإنسان، ومع ذلك يقدَّم على أنه صاحب الكلمة الفصل في علاج الأمراض بالغذاء.
كل ما يروّجه الفايد، وكثير من المتطفلين والدجالين امثاله، من فوائد خارقة لبعض الأغذية أو مكوناتها لا يتجاوز في أحسن الأحوال فرضيات شخصية مبنية عن تجارب مخبرية أولية أو دراسات على الحيوانات. في الغالب، لا وجود لأي تجارب سريرية عشوائية محكمة على البشر تؤكد ادعاءاته أو تبرر جرأته في مخاطبة المرضى بلهجة الطبيب المعالج. هكذا تتحول الظنون والافتراضات، في خطاب الفايد، إلى حقائق نهائية يقدَّمها لجمهور عامي يثق به ثقة عمياء.
سرّ فعالية خداع الفايد ليس في قوة الحجّة، بل في طريقة العرض. فهو يغرق الناس بسيل من المصطلحات العلمية: مضادات الأكسدة، مضادات الالتهاب، الأحماض العضوية، الفلافونويدات، الفيتوستيرولات، الإنزيمات، المركبات النباتية… إلخ. هذه لغة يومية عادية بالنسبة للمتخصصين، لكنها بالنسبة لغيرهم من العامة تبدو دليلًا قاطعًا على أن الرجل عالم كبير. هكذا يقع معظم متابعيه في الفخ، ويُشيَّد حوله وهم الخبير المطلق الذي لا يُسأل عمّا يقول، بينما لا يخضع أي من ادعاءاته للمعايير العلمية التي يلتزم بها الباحثون الحقيقيون.
الخطير أن الفايد وأمثاله يبنون مشروعهم على جهل الناس بطبيعة الأبحاث العلمية والتجارب السريرية. فالغالبية لا تميز بين تجربة مخبرية على أنبوب اختبار أو فأر، وبين تجربة سريرية محكومة على البشر. هذا الجهل يسمح له بتحويل كل نتيجة أولية إلى علاج معجزة، ويحوّل متابعيه إلى ضحايا مشروع استغلال واسع للصحة العامة. والمفارقة أن كثيرًا من هؤلاء الدجالين أنفسهم لا يفهمون تعقيد التجارب السريرية، ومع ذلك يتحدثون بثقة لا يجرؤ عليها العلماء الحقيقيون الذين يقدّمون نتائجهم دائمًا بقدر كبير من الحذر.
أضرار خرافات الفايد لا تقف عند حدود الجسد، بل تمتد إلى العلاقات الأسرية والنفسية. تحكي إحدى السيدات أن أبناءها أصبحوا يكرهونها بعد أن منعت عنهم كثيرًا من الأطعمة استجابةً لوصفاته التي تمنع كثيرا من الأغذية بدون أي سبب علمي وجيه، وأن زوجها هدد بترك البيت بسبب إصرارها على تطبيق تعليماته وحرمان العائلة من أطعمة عادية يستهلكها كل المغاربة. في قصة أخرى أكثر قسوة، تحكي سيدة خضعت لعملية قسطرة قلبية وكانت تتناول أدوية مميعة للدم، أنها أوقفت العلاج كليًا بعدما صدّقت نصائح الفايد، فأصيبت بأزمة قلبية ثانية واضطرت لإجراء قسطرة جديدة. هذه ليست حوادث معزولة؛ لا شك أن حالات مشابهة كثيرة تدفع ثمن الثقة في دجالين يتلاعبون بحياة المرضى من اجل بيع مكملات او خلطات او برامج تنحيف…الخ.
إلى جانب الخطاب العلمي الزائف، يستغل الفايد الدين والحكمة الشعبية لتلميع خرافاته. يلبسها ثوب الشرعية الدينية، يستدعي “مغالطة الاحتكام الى حكمة الأجداد” و” مغالطة الاحتكام الى الطبيعة” كأنها أدلة نهائية، متجاهلًا أن هذه الشعارات لا وزن لها في ميزان العلم. لكنها مع ذلك تكفي لخداع العامة، وتكفي لجعل شخص غير مؤهل يتحكم في قرارات علاجية مصيرية قد تودي بحياة الناس.
الأخطر أنه بنى حول نفسه هالة المصلح المضطهد. أقنع متابعيه بأن الأطباء وشركات الأدوية يعادونه لأنه يريد الخير للناس ويوفر لهم بدائل طبيعية ورخيصة. بهذه الحيلة البسيطة، يحوّل أي نقد علمي جاد إلى دليل إضافي على صحة ما يقول، ويزرع في أتباعه عداءً للأطباء والبحث العلمي، ويضاعف من قوة تأثير خرافاته على الصحة العامة. هذه التقنية للأسف تجد قبولا كبيرا في المجتمعات المتخلفة التي ينتشر فيها الجهل والايمان بالشعوذة والخرافة بشكل كبير.
وفوق هذا كله، يدّعي الفايد أنه لا يحتاج إلى اثبات ادعاءاته بالدليل العلمي لأنه هو الدليل والمرجع. يهاجم كل من يطالبه بأدنى برهان، ويحاول أن يحوّل رأيه الشخصي إلى سلطة مطلقة فوق العلم والأطباء والجامعات. حين يتحول رأي شخص واحد إلى مرجع أعلى من الأدلة، ويتقبل المغفلون هذه الترهات، يصبح المجتمع كله مهددًا بخرافات تُقدَّم للناس كأنها يقين لا يقبل المراجعة.
خلاصة أربعين عامًا من هذا المشروع لا لبس فيها: مسار طويل من الادعاءات المضلِّلة، واستثمار ممنهج في خوف المرضى وجهلهم، مع ما ترتب على ذلك من أضرار حقيقية تمسّ صحتهم الجسدية والنفسية والاجتماعية. محمد الفايد ليس مختصًا في الطب ولا في علوم التغذية، بل يقدّم نفسه في غير مجاله، مسوِّقًا وعودًا بلا سند علمي، ومجازفًا بصحة الناس عبر استغلال محدودية المعرفة الطبية لدى فئات واسعة من المواطنين وغياب أدوات التفكير النقدي التي تمكّن من التمييز بين المعطيات العلمية الرصينة والطرح الخرافي.
لقد حان الوقت لفضح هذا النمط من الدجل بلا مواربة. الصحة ليست لعبة في يد من لم يدخل قاعة تشريح ولا مختبر أبحاث سريرية، والدين أسمى من أن يُستخدم ستارًا للتسويق للخرافة، والعلم لا يُستبدَل بآراء شخصية مهما كانت رنانة. كل من يصدّق هذه الأوهام ضحية استغلال صارخ للمرض والخوف والجهل، ومن الواجب الأخلاقي والمهني تسمية الأشياء بأسمائها: محمد الفايد وأمثاله ليسوا مصلحين ولا خبراء، بل دجالون يستثمرون في ضعف الناس وقلقهم لتحقيق مصالحهم الخاصة على حساب حياة الآخرين.