الفايد من محاولة إثبات صحة النص الديني بالحقائق العلمية إلى التهكم

07 مارس 2026 18:19

هوية بريس – د.محمد لكزولي

تعد قضية “سقوط الذبابة في السائل” حالة جدلية، لما يمثل الذباب في العلم الوقائي المعاصر وفي النص الشرعي وفي خطاب استمر لسنين تصدره الأستاذ الدكتور محمد فايد، حاول لسنوات تبرير الأحاديث عموما (وهذا الحديث خاصة) عبر تبريرات بيوكيميائية ومكروبيولوجية، قبل أن ينقلب هذا الخطاب مؤخراً نحو الاستهزاء بالنص الشرعي وبالمنظومة العلمية ككل. هنا نقف أمام مشروعية طرح السؤال : لماذا انتقل خطاب د.فايد من محاولة إثبات صحة النص الديني بالحقائق العلمية، إلى التهكم على الحديث؟

لفهم حديث الذبابة (الذي يشير لوجود الداء في جناح والشفاء في آخر)، يجب استحضار واقع الجزيرة العربية وما حولها زمن صدور النص، حيث كان المجتمع الصحراوي المعزول، يعاني من شُحّ مفرط في الموارد؛ فلم يكن الحليب أو المرق مجرد ترف غذائي كما نعيش في زمننا هذا، بل كان “عصب حياة لا محيد عنه”، لدرجة أن مجرد التفكير في رمي وعاء كامل (من حليب أو غيره) بسبب سقوط حشرة يُمثل تهديداً معيشياً وهدراً لنعمة قد لا تتوفر مجددا، فجاء الحديث -بعد سؤال شرعي لفهم الدين- كإرشاد يوازن بين “التقذر النفسي” وبين “ضرورة البقاء” في بيئة قاسية.

بعيداً عن الجدل “البيزنطي” الدائر حول فعالية الغمس من عدمها، أثبتت التجارب العلمية الحديثة حقيقة بيولوجية مذهلة تتعلق بجسم الذباب والبعوض، فقد أظهرت دراسات (مثل دراسة جامعة كيرتن الأسترالية [1]) أن الحشرات التي تعيش في بيئات مليئة بالميكروبات تمتلك نظاماً دفاعياً فريداً. وتؤكد أبحاث مخبرية أيضاً [2] وجود مركبات كيميائية ومضادات حيوية طبيعية على سطح هذه الحشرات، ناتجة عن إفراز غدد إفرازية لمواد قاتلة للبكتيريا، وهو ما يتوافق “وظيفياً” مع فكرة وجود “الدواء” في ذات الكائن الذي يحمل “الداء”.

كما تتفق المعلومات السابقة مع الطب الصيني الموثق في مبدأ “استخدام السم لعلاج السم” (Yi Du Gong Du). ففي سجلات هذا الطب التقليدي [3]، تُستخدم أجزاء من حشرات معينة -ومنها الذباب- أو إفرازاتها في تركيبات علاجية، انطلاقاً من فهم يعتبر أن أي كائن يتعايش مع العفن أو الجراثيم يطور داخل جسده “ترياقاً” خاصاً، مانحاً للفكرة التاريخية بعداً فلسفياً وعلاجياً معتبراً.

التحول نحو الاستهزاء وسيلة دفاعية سمجة؛ تحمي المتحدث من عناء تقديم “دليل تجريبي”، أو تفسير ما قاله سابقاً ومقارعته بما يقول الآن. ومن غريب ما أجد في خطابه: ادعاؤه أن العلم الحديث “مؤامرة” أو “قاصر”، لخلق >هالة من القدسية حول رأيه الشخصي، واستعماله بالمقابل لتبرير خطأ الحديث ومحاولة تسفيهه.

إن حديث الذبابة كان حلاً لمشكلة نقص الموارد والتقذر في زمنه، ولا يمكن أن يقاس بمقاييس يومنا هذا، -حيث يدفع مُنْتِجٌ واحد للحليب أكثر من عشرة أطنان لمراكز التعبئة والتلفيف والتحويل-، والتحول نحو الاستهزاء هو محاولة للتغطية على التمايز في التوفيق بين “نص شرعي”، جاء في سياق نقص الموارد و”علم تجريبي” [4] أكد ما فيه من حماية.

إن وجود مضادات حيوية في جسم الذبابة حقيقة علمية مثبتة تجريبياً، ووجودها تاريخياً دليل من دلائل النبوة، ووسيلة هدفت لحماية الناس من الجوع؛ أما محاولة التهكم والاستهزاء وتزييف الوعي، فدليل على تصادم مع ماضي تم التنصل منه؛ فالعلم الذي كشف عن وجود مضادات في جسم الذبابة، هو نفسه الذي حذرنا من “الأوبئة” التي تحمل، والتحفظ العلمي يقتضي قبول الحقيقتين معاً دون استهزاء أو تضليل.

ـــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

[1] Clarke, J. (2002). Surface-active antimicrobial compounds on the common housefly (Musca domestica). Department of Biological Sciences, Curtin University of Technology, Australia.

[2] Yi, H. Y., Chowdhury, M., Huang, Y. D., & Yu, X. Q. (2014). “Insect antimicrobial peptides and their applications”. Applied Microbiology and Biotechnology, 98(13), 5807-5822.

[3] Li, S. (1596). Bencao Gangmu (Compendium of Materia Medica). Traditional Chinese Medicine Records, Beijing. (Motto: Yi Du Gong Du – Using poison to treat poison).

[4] Bulet, P., Hetru, C., Jean-Luc, D., & Hoffmann, J. A. (1999). “Antimicrobial peptides in insects: Structure and function”. Developmental & Comparative Immunology, 23(4-5), 329-344.

آخر اﻷخبار
1 comments

التعليق


حالة الطقس
23°
23°
أحد
24°
الإثنين
23°
الثلاثاء
23°
الأربعاء

كاريكاتير

حديث الصورة