هل يكفي أن تقول: أنا مسلم؟

هل يكفي أن تقول: أنا مسلم؟
هوية بريس – شريف السليماني
مع اقتراب العشر الأوائل من ذي الحجة، يعود إلى الأذهان الحديث العظيم الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم:
««ما من أيامٍ العملُ الصالحُ فيها أحبُّ إلى الله من هذه الأيام».»
حديث يفتح أمام الإنسان بابًا واسعًا للتفكير، لا فقط في فضل هذه الأيام، بل أيضًا في معنى “العمل الصالح” نفسه، وفي المكانة التي يحتلها العمل في الإسلام.
لأن المتأمل في واقع كثير من المسلمين اليوم يلاحظ ظاهرة غريبة:
كأن بعض الناس أصبحوا يتعاملون مع الإسلام باعتباره مجرد هوية، أو اسم، أو انتماء ورثوه عن آبائهم، لا مشروعَ إيمانٍ وعملٍ ومسؤولية.
فبعض الناس يطمئن لمجرد أنه وُلد مسلمًا، أو يحمل اسمًا إسلاميًا، أو ينطق بالشهادة، حتى لو كان بعيدًا عن الصلاة، أو غارقًا في الظلم، أو لا يكاد يعرف من الدين إلا اسمه.
مع أن القرآن حين يتحدث عن النجاة لا يقول:
“إن الذين وُلدوا مسلمين…”
بل يكرر دائمًا:
«﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾»
فالإيمان في التصور القرآني ليس مجرد فكرة في الرأس، ولا مجرد انتماء اجتماعي، بل حقيقة تظهر آثارها في السلوك والعمل والأخلاق والعبادة.
ولهذا لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يربّي الناس على الاتكال على الأنساب أو الشعارات، بل على العمل.
حتى أقرب الناس إليه حذرهم من ذلك، فقال:
««يا بني هاشم، اعملوا، فإني لا أغني عنكم من الله شيئًا…
يا صفية عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئًا…
يا فاطمة بنت محمد، سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئًا».»
وقال أيضًا:
««ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه».»
لأن القضية في النهاية ليست: من أنت؟
بل: ماذا قدمت؟
ونحن أصلًا نؤمن أن هناك يومًا توزن فيه الأعمال، وأن مصير الإنسان مرتبط بذلك الميزان:
«﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾»
والسؤال الذي ينبغي أن يخيف الإنسان أحيانًا ليس فقط:
هل سترجح حسناتي أم سيئاتي؟
بل قبل ذلك:
هل في الميزان أصلًا ما يثقله؟
ما الذي قدمته لله ليوضع في هذا الميزان؟
ما الذي سيجده الإنسان هناك غير سنوات طويلة من الانشغال بالدنيا والغفلة والتسويف؟
ومن أخطر ما يجعل بعض الناس يستهينون بالعمل الصالح ذلك الفهم الخاطئ لرحمة الله.
فبعض الناس يعيش مطمئنًا وهو يقول:
“الله غفور رحيم.”
وكأن رحمة الله أصبحت مبررًا لترك الصلاة، وتأجيل التوبة، والإصرار على المعصية.
وقد قال الحسن البصري كلامًا عميقًا في هذا المعنى:
«“إن قومًا ألهتهم أمانيّ المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم، يقول أحدهم: إني أحسن الظن بربي، وكذب! لو أحسن الظن لأحسن العمل.”»
وكان يقول أيضًا:
«“ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل.”»
فالرجاء الحقيقي لا يخدّر الإنسان، بل يدفعه إلى العمل.
ومن الناس أيضًا من يعلّق تقصيره على القدر، فإذا دعوته إلى الصلاة أو التوبة قال:
“إذا أراد الله هدايتي سيهديني.”
مع أن القرآن حكى هذا المنطق نفسه عن المشركين:
«﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾»
والغريب أن الإنسان لا يفكر بهذه الطريقة في أمور الدنيا.
فنحن جميعًا نقول إن الله هو الرزاق، لكن لا أحد يجلس في بيته وينتظر المال ينزل عليه من السماء.
الناس تعمل، وتتعب، وتبحث، وتأخذ بالأسباب.
فلماذا حين يتعلق الأمر بالجنة فقط يريد بعض الناس الوصول بلا صلاة، ولا مجاهدة، ولا توبة، ولا عمل؟
قال تعالى:
«﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾»
ولو كان الإسلام مجرد كلمة تُقال باللسان، لما خافت منه قريش أصلًا كل هذا الخوف.
لماذا حاربوه إذن؟
ولماذا عُذّب المسلمون الأوائل؟
ولماذا قدّم الصحابة كل تلك التضحيات؟
لأنهم كانوا يفهمون أن “لا إله إلا الله” ليست مجرد جملة، بل مشروعُ حياة.
كانوا يعلمون أن الإسلام سيغيّر الإنسان:
عبادته، وأخلاقه، وتجارته، وشهواته، وعلاقاته، ونظرته إلى الظلم والمال والحق والباطل.
أما لو كانت القضية مجرد كلمة تُقال دون أن تغيّر شيئًا، لما خاضوا كل تلك الحروب أصلًا.
وربما كانت قريش تفهم معنى الإسلام الحقيقي أكثر من بعض المسلمين اليوم الذين يريدون إسلامًا بلا التزام، ولا مجاهدة، ولا تغيير.
ومن الأعذار المنتشرة أيضًا عبارة:
“المهم هو القلب.”
ولا شك أن القلب أساس كل شيء، لكن القلب إذا صلح حقًا ظهر أثره على صاحبه.
كيف يكون القلب ممتلئًا بمحبة الله ثم لا يصلي صاحبه؟
كيف يكون نقيًا ثم يظلم الناس أو يغشهم أو يأكل حقوقهم؟
القلب الصالح لا يلغي العمل، بل ينتج العمل.
ولهذا لم يكن الجيل الأول من المسلمين يتعامل مع القرآن باعتباره مجرد نص للحفظ أو التلاوة فقط، بل باعتباره مشروعَ تغييرٍ وعمل.
وقد قال أحد السلف كلامًا عجيبًا يشرح كيف كان الصحابة يتلقون القرآن، فقال:
«“كان الذين يقرئوننا القرآن، كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما، إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات، لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل.”»
ثم إن بعض الناس ينفرون أصلًا من التدين والعمل الصالح بسبب تصرفات بعض المتدينين.
يرون إنسانًا يصلي ويصوم ويحج، لكنه يظلم أو يكذب أو يحتقر الناس أو يؤذيهم، فيقول بعضهم:
إذا كانت العبادة لا تغيّر الإنسان، فما فائدتها؟
لكن المشكلة ليست في الصلاة، بل في الإنسان الذي لم تنعكس الصلاة على أخلاقه وسلوكه كما ينبغي.
قال تعالى:
«﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾»
فإذا رأيت نموذجًا سيئًا، فلا تجعل ذلك حجة لتترك أنت الطاعة، بل كن أنت النموذج الآخر الذي يرى الناس فيه أثر الإيمان الحقيقي:
رحمة، وصدقًا، وأمانة، وتواضعًا، وإحسانًا.
لأن العالم اليوم لا يحتاج فقط إلى من يتحدث عن الدين، بل إلى من يُجسّد الدين في سلوكه.
ومن الأسباب الخطيرة التي تجعل كثيرًا من الناس لا يتحركون نحو العمل الصالح: التسويف.
وأظن أن أغلب من سيقرأ هذا الكلام لن يختلف كثيرًا مع مضمونه، بل ربما المشكلة ليست في الاقتناع أصلًا، وإنما في التأجيل.
لكن السؤال الحقيقي:
ماذا ننتظر؟
ما الذي يضمن أن الأيام القادمة ستكون أفضل من اليوم؟
ومن الذي يضمن أصلًا أن هناك “أيامًا قادمة”؟
ماذا ينتظر الإنسان من الغيب؟
أن تنزل الملائكة مثلًا فتحمله إلى المسجد؟
أو توقظه فجأة وقد تحول بين ليلة وضحاها إلى إنسان آخر؟
لقد أعطاك الله العقل، والصحة، والوقت، والقدرة على أن تبدأ.
فلماذا التسويف إذن؟
كم من سنوات ضاعت من أعمار الناس وهم يقولون:
سألتزم لاحقًا…
سأتغير لاحقًا…
سأتوب لاحقًا…
حتى فاجأهم المرض، أو خطفهم الموت، أو قست القلوب حتى أصبح الرجوع أصعب مما كانوا يظنون.
فالشيطان أحيانًا لا ينجح في إقناع الإنسان بترك الحق، لكنه ينجح في شيء آخر أخطر:
أن يؤجل الإنسان الحق دائمًا.
ولهذا كان التسويف من أخطر أبواب الخسارة.
فلنبدأ…
ولنرجع إلى الله ما دمنا نستطيع.
وتبقى مواسم الخير، كالعشر الأوائل من ذي الحجة، فرصةً عظيمة لمراجعة النفس، وإعادة السؤال من جديد:
ما الذي أعددناه لذلك الميزان؟
وما الذي سنلقى الله به غير الأماني والتسويف؟



