د.بنكيران يكتب عن “حكم شراء الأضحية بالوزن”

19 مايو 2026 18:37

هوية بريس – د.رشيد بن كيران

من المسائل المعاصرة التي كثر السؤال عنها في باب البيوع والأضاحي مسألة بيع الأضحية حية بالوزن، كأن يباع الكبش أو العجل باعتبار وزنه حال الحياة، فيقال: وزن هذا الكبش 80 كيلوغرام، وسعر الكيلو الحي 60 درهما، فيكون مجموع الثمن 4800 درهم. وقد وقع التردد في هذه الصورة بين من أجازها ومن منعها أو تحفظ عليها، ومنشأ ذلك النظر في تحقق الجهالة والغرر من عدمهما.

فأما أصل بيع الحيوان حيا فلا خلاف في جوازه إذا كان الحيوان معلوما بالرؤية أو الوصف المنضبط، وكان الثمن معلوما، لأن الحيوان مال متقوم يجوز بيعه كسائر الأموال.

وإنما وقع الإشكال في جعل الوزن معيارا لتقدير الثمن مع كون الحيوان حيا، إذ رأى بعض أهل العلم أن في ذلك نوع غرر، باعتبار أن الوزن حال الحياة لا يعكس حقيقة المقصود من اللحم بعد الذبح، فقد يكون الحيوان عظيم العظم أو كثير الصوف أو ممتلئ الأحشاء، فيرتفع وزنه الظاهر مع قلة اللحم المنتفع به، فيفضي ذلك عندهم إلى جهالة مؤثرة في المعقود عليه أو فيما هو مقصود المتبايعين.

غير أن هذا التعليل، وإن كان له وجه في بعض صور المعاملات التجارية التي يكون المقصود فيها مجرد اللحم، فإنه يضعف في باب الأضاحي خاصة؛ لأن الأضحية ليست مجرد سلعة من لحم يقصد منها الوزن الصافي أو مقدار اللحم المستخرج، بل هي شعيرة تعبدية تتعلق بعين الحيوان نفسه. فالمضحي لا يقصد اللحم وحده، وإنما يقصد التقرب إلى الله تعالى بإراقة دم هذه البهيمة المعينة، مع ما يتبع ذلك من الانتفاع بلحمها وجلدها وصوفها وسائر أجزائها.

ولهذا فإن محل العقد في الأضحية ليس لحما مجهول العاقبة، وإنما هو حيوان معين حاضر منظور إليه، معلوم الصفات، قد رضي به المشتري على حاله التي رآه عليها، ثم جعل الوزن وسيلة لضبط الثمن وتقديره، لا وصفا مستقلا لمعقود مجهول.

والفرق بين الأمرين ظاهر؛ إذ الجهالة المؤثرة إنما تتحقق إذا كان المعقود عليه مجهولا أو مفضيا إلى نزاع معتبر، أما إذا كان المبيع مشاهدا معلوما، والثمن مضبوطا بالحساب، والعرف مستقرا على هذه الطريقة، فإن الغرر يكون يسيرا مغتفرا لا يفسد العقد.

ويؤكد هذا المعنى أن الشريعة نفسها قد ربطت الأضحية بعين البهيمة لا بمجرد لحمها، قال تعالى: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ﴾، فبيّن سبحانه أن المقصود الأعظم من النسك ليس تحصيل اللحم، وإنما معنى التعبد والتقرب. ومن هنا كان نظر الناس إلى الأضاحي يتجاوز مجرد كمية اللحم إلى صفات أخرى معتبرة في العرف والنسك، كحسن الهيئة، وعظم الخِلقة، وجمال القرون، ونظافة الصوف، وسلامة الأعضاء، وهي أوصاف قائمة بالحيوان الحي نفسه لا بما سيؤول إليه من اللحم بعد الذبح.

وعليه؛ فإن بيع الأضحية حيّة بالوزن لا يظهر فيه مانع شرعي إذا توفرت شروط البيع المعتبرة من العلم بالمبيع والثمن، وانتفاء الغش والتدليس، وكان الوزن معلوما مضبوطا، لأن الوزن هنا ليس بيعًا لمقدار مجهول من اللحم، وإنما هو طريقة حسابية لتقدير ثمن حيوان معين مقصود لذاته في عبادة مشروعة. وهذا هو الأقرب إلى مقاصد الشريعة وأعراف الناس الجارية في معاملاتهم المعاصرة.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
23°
25°
السبت
23°
أحد
22°
الإثنين
22°
الثلاثاء

كاريكاتير

حديث الصورة