قراءة في كتاب “تيرّا: أصول الكتابة في المغرب (Tirra)”

هوية بريس – محمد أقديم
سنناقش كتاب “تيرّا: في أصول الكتابة في المغرب” (Tirra: Aux Origines de l’écriture au Maroc) (1) من جانبين:
الأول هو السياق الذي تم فيه إصدار الكتاب.
-أ- السياق العام لصدور الكتاب
بداية لا بد من الإشارة إلى أن هذا الكتاب ، الذي تحدث عنه الأستاذ أحمد سكونتي(2) ( وهو أحد مؤلفيه )، وذكره الأستاذ أحمد عصيد في تصريح له لجريدة الصباح المغربية(3)، “مشيرا إلى أن الإصدار الأول للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية هو كتاب ألّفه علماء مغاربة متخصصون في الأركيولوجيا.. وَيُظهر عراقة هذا الحرف وأهميته”.
وقبل الشروع في قراءة مضامين هذا الكتاب العلمية وقيمتها التاريخية، لا بد من الإشارة إلى مسألة شكلية مهمة، أثارها الأستاذ أحمد سكونتي في مقاله المشار إليه سلفا، حول “جميل الصدف” بين تَبني المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية لأبجدية تيفيناغ لكتابة اللغة الأمازيغية من جهة، وبين إصدار المعهد نفسه للكتاب أعلاه من جهة ثانية، وهي في الحقيقة ليست “صدفة جميلة”، وإنما عمل مُتَسرّع ومقصود، ومحاولة للتعجيل من طرف الإركام لوضع تبرير”علمي وتاريخي” للقرار الذي اتخذه في تَبنّيه لأبجدية تيفيناغ، حتى يُظْهِر للرأي العام، وللمتتبعين والمراقبين على الخصوص، أن قرار المعهد في تبني حرف تيفيناغ ليس قرارا اضطراريا، ولا خروجا بِنِصف الهَزيمة في معركة الخط، التي خاضها أغلبية أعضاء المجلس الإداري للمعهد في جبهة الحرف اللاتيني. ويُمكن الاستدلال على ذلك بـ:
1- الاختلاف، إن لم نقل التناقض، بين تاريخ صدور الكتاب المُبين في أسفل غلافه وهو سَنة 2003، وتاريخ إيداعه القانوني المبين في رقم إيداعه القانوني وهو سنة2004، المُثبت في الصفحة الثانية من الكتاب. فصدور الكتاب حسب رقم إيداعه القانوني كان هو سنة 2004، وليس سنة 2003، سنة “معركة الحرف”، ولنترك للمتخصصين في قضايا الطبع والنشر الكلمة الفصل في ما السابق وما اللاحق منطقيا، هل هو الإيداع القانوني أم الطبع أم النشر؟
2- لم يَتمّ إيراد اسم هذا الكتاب ولا الاستدلال به، من طرف كل الفاعلين الأمازيغيين المنخرطين في تلك النقاشات والسجالات التي عرفتها “معركة الخط”، بما فيهم أحمد عصيد، خلال الفترة الممتدة من شهر أكتوبر 2002 إلى شهر مارس2003، التي تلاها مباشرة قرار اعتماد حرف تيفيناغ . وهذا ما يُثبت بأن الكتاب مازال لم يَصدر بعد خلال تلك الفترة التي أعقبها مباشرة تبني المجلس الإداري للمعهد لأبجدية تيفيناغ ، ومصادقة الملك على ذلك. فالكتاب أتى تاليا لذلك السجال، وبعد اتخاذ قرار اعتماد أبجدية تيفيناغ ، مما يكشف أن إخراجه كان تحت الطلب والحاجة، إلى تبرير قرار سياسي، و خدمة لهدف إيديولوجي، وليس نشرا للعلم وبحثا عن الحقيقة العلمية التاريخية، مما يطرح علامات استفهام كبرى حول الخلاصات والاستنتاجات التي توصل إليها، والتوجه الذي سار فيه.
ورغم ذلك هل يمكن الاعتماد والارتكاز على تلك الخلاصات والاستنتاجات، التي توصل إليها مؤلفي الكتاب، من أجل اتخاذ قرارات مصيرية حول مستقبل هوية المغرب، وثقافته وحضارته، من قبيل اعتماد رموز معينة أبجدية لكتابة اللغة الأمازيغية ؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه من خلال الأتي:
-ب- قراءة و مناقشة في الكتاب و خلاصاته
من الأساسات المنطقية والبديهيات العقلية، أنه لا يمكن الحكم على رموز معينة أو نقوش صخرية ما على أنها حروف للكتابة وأبجدية للقراءة، حتى يتم تفكيكها بالقراءة وفهم مضامينها، وإدراك معانيها والرسائل، التي تسعى إلى نقلها عبر قناة تلك الرموز والخطوط، التي تكون منظمة ومرتبة في شكل كلمات ذات دلالات، وعبارات (جمل) ذات معاني. وكلما تعذر ذلك تبقى تلك الرموز والخطوط قابلة لأداء وظائف أخرى، يمكن أن تكون أي شيء أخر، غير الكتابة والقراءة، وقد تكون جمالية وفنية ودينية على سبيل المثال. وهذا هو شأن مَتنُ الرموز والخطوط المنقوشة والمصبوغة على الصخور، التي تمّ العثور عليها في العديد من المواقع الأثرية بمنطقة شمال إفريقيا عامة وبالمغرب خصوصا، وهي التي اشتغل عليها “فريق البحث في الخطوط الأمازيغية بالمغرب” (GRIAM4) يعتبر كتاب (تيرا Tirra) من الأعمال التي أنجزها هذا الفريق حول النقوش الصخرية بالمغرب. وركّز هذا العمل على ثلاثة عشر”13″ موقعا أثريا بالمغرب، وخاصة في منطقة الأطلس الكبير والصحراء. وتحتوي هذه الثلاثة عشر موقعا على حوالي ستين”60″ لوحا صخريا بما مجموعه مَتْنٌ من ثمانمائة وخمسة وستين”865″ عنصرا أو خطا (5).
القارئ لكتاب Tirra، باعتباره مجهود علمي مُعْتَبر، خاصة في جانب عرضه لجرد مهم من النقوش الصخرية للعديد من المواقع الأثرية بالمغرب، والمتفحص لمضامينه، سيخرج بخلاصة تتمثل في أن البحث الأركيولوجي والأنتروبولوجي واللسني حول النقوش والفن الصخري بالمغرب مازال في مراحله الأولى(6)، من المراحل الأربع الضرورية في الدراسة الشاملة لهذه النقوش الصخرية، المتمثلة:
1- في مرحلة الأولى هي الجرد، من خلال جمع هذه الآثار وترقيمها وتعريفها ووصفها وتصويرها.
2- في مرحلة ثانية تتجلى في الدراسة المقارنة فيما بينها، كمّا وكيفا، عددا ونوعا.
3- فمرحلة ثالثة تتمثل في تحليل ومعرفة إطارها العام، من تركيباتها المادية وسياقاتها البيئية(المناخية والجغرافية القديمة ) والتاريخية البشرية.
4- وأخيرا المرحلة الأساسية والنهائية والحاسمة، والمتمثلة في تفكيك تلك الخطوط والرموز، ببناء العلاقات الممكنة بين عناصرها(الخطوط أو الرموز)، والتي تساعد على قراءتها، ومن خلالها إدراك مضامين كلماتها أو دلالات عباراتها. فهذه المرحلة لازالت بعيدة.
فمعظم الأبحاث والدراسات إلى اليوم لازالت حبيسة المرحلتين الثانية والثالثة، واللتان تعتبران مجالا مفتوحا لكل التأويلات والقراءات من طرف الباحثين، كل من موقع تخصصه العلمي وكذلك من مواقفه الفكري وخلفياته الاجتماعية وأراءه السياسية ونظرته الايديولوجية. ويعترف المؤلفون أنفسهم:
– أولا: بأن بدايات الكتابة في شمال إفريقيا مازالت غامضة، فظهور وتطوّر “الكتابة” الأمازيغية ظل إشكالية رغم بعض محاولات المؤرخين والفلولوجيين واللغويين.
– ثانيا: بأن الحالة الراهنة للأبحاث والمعطيات الأركيولوجية واللغوية والتاريخية تبقى غير كافية للإجابة عن هذه الإشكالية (7).
– ثالثا: كما يقرون -في عدة مواضع بالكتاب- بأن الوضع الحالي للأبحاث التي تم القيام بها، تميزت بقليل من المحاولات لتفكيك شفرة تلك الخطوط (أي قراءتها)، ومن المبكر جدا معرفة مضامينها (8).
– رابعا: وفي موضع أخر من الكتاب يشير المؤلفون الثلاثة إلى أن تحليل المعطيات التي تم جمعها يجب (الوجوب: devra) أن تسمح لهم في البضع سنوات المقبلة بمحاولة لتفكيك تلك الرموز، أي بقراءتها. (elle devra nous permettre d’établir une typologie des styles ; une chronologie des alphabets et un essai de déchiffrement) (9).
وتقول مليكة حشيد في خاتمة الكتاب باستحالة وعدم قابلية تأريخ هذه النقوش الصخرية بالنسبة للسانيين إلا نادرا ، وكذلك الأمر بالنسبة لتفكيكها بالقراءة(10). وسرعان ما تذهب مليكة حشيد بعيدا في أحلامها المستقبلية(وليس الحقائق الحاضرة)، عندما تكتب وتؤكد على أن الجواب على ظهور الكتابة اللوبية(11) قبل البونيقية واللاتينية سيكون يوما في النقوش الصخرية الصحراوية في الجنوب، بعيدا عن المجال البونيقي –الروماني في الشمال (12).
وفي الأخير – وليس أخيرا- يعترف مؤلفي الكتاب بأن إشكالية (نعم إشكالية) أصل الكتابة في المغرب مازالت مجالا بكرا رغم أن الدراسات حولها تعود إلى أكثر من قرن من الزمن ،حيث تعترضها صعوبات ذاتية لها علاقة بهذه النقوش الصخرية نفسها ، إلى جانب العوائق الموضوعية المرتبطة بما هو إداري وغياب الإرادة السياسية.
ونختم هذه المناقشة للكتاب بكلمة كبرييل كامبس الذي أهدى إليه المؤلفين الثلاثة هذا الكتاب، وردت هذه الكلمة في دراسة في كتاب “ISLAM : société et communauté ” Anthropologies du Maghreb بعنوان “أصل البربر”l’ORIGINE DESBERBERES” حيث قال: “على الرغم من عددها الكبير وقرن من الأبحاث، فان النقوش الليبية تبقى في جزء كبير منها غير مقروءة .”(13) مع العلم أن كامبس خلال هذه الفترة يتحدث عن النقوش الصخرية بشمال إفريقيا عامة، وخاصة بعد الانجازين الكبيرين لكل من الأب شابو J.B.Chabot في سنة 1940 و سنة 1941في Recueil des inscriptions libyques (RIL)، و أعمال ليونيل جالان Lionel Galant من سنة 1966 إلى سنة 2001 (14). فهذين العملين يركزان على النقوش الصخرية في مناطق شمال إفريقيا الخاضعة للتأثير الحضاري الفينيقي و الروماني . في حين توجه عمل فريق GRIAM في كتاب تيرا، إلى التركيز على النقوش الصخرية في المناطق الجنوبية ، الذي يعتقد أنها بعيدة عن التأثير الحضاري الفينيقي الروماني، وذلك من أجل تأكيد فرضية الأصول المحلية للكتابة اللوبية(15)، هذه الفرضية التي ليس هناك ما يؤكدها من الدراسات و البحوث، رغم الجهود الكبيرة المبذولة في هذا الاتجاه، التي يقودها مدير الموسوعة البربرية، الجزائري سالم شاكر(15). وهذا ما سنعود اليه في الجزء الثالث من هذا المقال.
وتفيد هذه الخلاصات بأن البحث العلمي (التاريخي – الأركيولوجي – اللسني – الأنتروبولوجي..). رغم المجهودات الكبيرة المبذولة، لم يحسم بعد أمر هذه النقوش الصخرية أهي فعلا حروف أبجدية لكتابة اللغة اللوبية- البربرية (libyco-berbère)؟ أم هي مجرد رسوم ورموز وخطوط أبدعتها و اخترعتها الجماعات البشرية المستقرة قديما بهذه المناطق، لغايات ووظائف أخرى من غير الكتابة والتواصل ؟ حيث لا زالت أعمال الباحثين تقوم على الفرضيات المختلفة وأحيانا المتناقضة حول هذه الرموز والنقوش الصخرية، لان افتراض كونها حروف أبجدية للكتابة يقتضي منطقيا وواقعيا تفكيك شفرتها، وقراءتها، وفهم دلالاتها ومعانيها ومضامينها، أو رسائلها بلغة علوم التواصل. فالكتابة منتوج وقناة اجتماعية تحمل رسائل (مضامين) من مرسل ( ناقش – كاتب) إلى مرسل إليه( قارئ). وهذا ما لم تستطيع بعد الأبحاث العلمية انجازه بالنسبة للنقوش الصخرية الأمازيغية. فإلى اليوم لا نتوفر ولو على نص واحد ، نثريا أو شعريا كان، أو كلمة (اسم – فعل..) أو جملة واحدة مقروءة وذات دلالة و حاملة لمضامين.
تلكم بعض الاستنتاجات النسبية والفرضيات المؤقتة الواردة في هذا الكتاب، التي تقتضي كل ما هو من ممكن من الحذر المعرفي، والاحتياط العلمي. وقد حولها العمى الإيديولوجي، لبعض الفاعلين الأمازيغيين، إلى حقائق ثابتة، اعتمدت أساسا في اتخاذ قرار يهم مستقبل هوية الشعب المغربي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الإحــــــــالات:



