د.مصطفى قرطاح يكتب: الوزير المسكين والمحامون الفاشلون

20 مايو 2026 08:52
بلاغ مهم من وزارة الأوقاف لمن يهمه الأمر

د.مصطفى قرطاح يكتب: الوزير المسكين والمحامون الفاشلون

هوية بريس – د.مصطفى قرطاح

مسكين هذا الوزير، حاله يبعث على الشفقة حقيقة، ليس من جهة قراراته، ولا من جهة لسانه أو قلمه فحسب، بل من جهة من ينبري للدفاع عنه كذلك، ويجتهد في التماس المخارج لعباراته، وتوجيهها وحملها على المحمل الحسن…

كلما عثر السيد الوزير عثرة، أو زل زلة، إلا انبعث للدفاع عنه محامون قليلو الكفاءة، ضعيفو المرافعة، يحسبون أن ترصيع الجمل وتنميق المقالات وشدة المدح والإطراء للوزير سينسي القارئ جذر القضية وجوهرها، وأن الناقد للوزير زلاته سينكمش فزعا ورعبا من شدة القصف وقوة الاتهام.

وقبل أن نبسط القول في الموضوع، أهمس في أذن هؤلاء المحامين قبل الوزير، وأقول: كنا نتمنى منكم أن تقولوا كلمة واحدة عندما قال أحمد عصيد “إن وجود المجلس العلمي الأعلى هو وصمة عار على هذا البلد”،

أجل، هكذا تحدث عصيد عن المجلس العلمي الأعلى، المؤسسة الدستورية التي يرأسها أمير المؤمنين، وتضم علماء البلد، وتنتج السياسة الدينية الرسمية للمملكة الشريفة، ولكن الحَكَمَةَ، لا الحِكْمَةَ، ألجمت أفواهكم وعقلت أقلامكم، وانخرستم كما لو أنكم أموات في أجداث…

وكنا نرجو أن نسمع منكم كلمة واحدة حين قيل بقرآن بورغواطة، ولكن لا حس ولا أثر، ولعل السبب أن هذا المسلك عديم الجدوى قليل الزلفى إلى معالي السيد الوزير.

واحد من هؤلاء المحامين، هو السيد عبد الخالق حسين، رئيس المجلس العلمي بطانطان، الذي نشر مقالا تحت عنوان: بين النبوة والهداية مرافعة فكرية دفاعا عن السياسة الدينية الرسمية بالمغرب، ولقي استحسانا من قبل بعضهم.

لقد ذهب السيد حسين بعيدا في مرافعته، وصرح بأنه لا يهدف إلى الدفاع عن الوزير فحسب، بل إنه يدافع عن “التوجهات الكبرى لمملكتنا الشريفة في مجال السياسة الدينية من خلال الدفاع عن المسؤول الأول عن تنزيلها”، وهذا بعدما استيقن أن “الهجوم على السيد الوزير عنوان لهجوم يتقصد السياسة الدينية الرسمية برمتها”.

وهكذا تتهاوى مرافعة السيد الرئيس من أول كلمة، وتسقط عنها الصفة العلمية من أول سطر، إذ إن المنهج العلمي يقضي بأن أول خطوة تلزم لمناقشة إشكالية ما هي تحرير محل النزاع، ومحل النزاع هنا هو مدى سلامة القول بأن “النبي صلى الله عليه وسلم بعث هاديا لا غازيا”، وما يتداعى عن هذا القول من آثار في فهم الشريعة، وحسن تنزيلها، وإفهامها للناس. لكن السيد الرئيس المحامي، عوض أن يلزم نفسه بهذا الضابط المنهجي، إذا به يفزع إلى إثارة الشغب حول الموضوع، وتسليط كثير من الضباب حوله، بادعاء أن منتقدي السيد الوزير إنما ينتقدون السياسة الدينية برمتها، وأن ” هذا التوجه مستنكر لكل ماهو رسمي في الشأن الديني”، وهو ادعاء يعتريه من الإجمال ما يجعله غير صالح للاستدلال، فضلا عن كونه اتهاما عاريا عن الأدلة ومجردا من الإنصاف. ولنا أن نسأله: أين هو انتقاد السياسة الدينية برمتها؟ وأين هو استنكار كل ما هو رسمي في الشأن الديني؟ هل دعا أحد إلى ترك الصلاة خلف أئمة المساجد مثلا؟ هل دعا أحد إلى ترك الجمعة والعيدين وصلاة الاستسقاء؟ هل دعا أحد إلى مخالفة مناشدة أمير المؤمنين الشعب المغربي ترك الأضحية في العام الماضي؟ فأين هي” برمتها”؟ وأين هو: “كل ما هو رسمي”؟

وبعد هذا، لا حاجة بنا إلى التوقف عند الإطراء الذي كاله السيد الرئيس للكلمة الافتتاحية للسيد الوزير، والذي استغرق من السيد الرئيس 169 كلمة، ولكن يكفينا أن نقول: إننا لا نستغرب هذا النهج في هذا الزمن، وقد نجد في قابل الأيام ما هو أشد منه، فلعل القوم يتنافسون في هذا الشأن.

ثم رجع بنا القول إلى مرافعة السيد الرئيس دفاعا عن كلمة السيد الوزير أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ” قد بعث هاديا وليس غازيا”؛ فينهض الرئيس المحامي ليقول في مرافعته بأن هذا “كلام يستقبله ذو اللب – واللب هو العقل إذا صفا – و صاحب الفطرة السليمة، بكل ارتياح وقبول”؛ وهو أسلوب في التعريض بالمخالفين لا يخفى، وقد لخصه المثل العربي: “إياك أعني واسمعي يا جارة!” فأنتم أيها المخالفون راجعوا عقولكم واعملوا على تصفيتها، وانظروا في فطرتكم واعملوا على استعادة سلامتها، فالمشكل فيكم لا في كلام السيد الوزير. وهكذا، عوض أن نبقى في النقاش العلمي واستحضار الأدلة، انزلق بنا السيد الرئيس إلى أحوال القلوب والضمائر كما لو أنه مطلع عليها.

أقر السيد الرئيس بأن خصوم الوزير قد طالبوه بقول “الحقيقة كاملة؛ والحقيقة في نظرهم هي أن النبي صلى الله عليه وسلم “قد بعث هاديا، وغازيا كذلك ” أي أن النبوة جاءت إلى العالمين بلسانها وبسيفها !!”، وهكذا يقر السيد الرئيس بأن الخصوم لم ينكروا الوجه الأول من النبوة، وهو وجه الهداية، ولا كونه هو الأصل في البعثة، ولكن؛ لما نفى السيد الوزير وجه الغزو عن النبوة، دفع ذلك مخالفيه إلى مطالبته بإلغاء ذلك النفي، فكان الوزير بذلك هو المتسبب في الشغب الفكري ومثيره، وليس خصومه. ولنا أن نسأل السيد الوزير ومعه محاميه: ما هي الحاجة الدعوية أو البيانية التي دفعتكم إلى هذا النفي؟

بعض تلك الحاجات المتوهمة ادعاها صاحب المقال، سنذكرها في سياقها ونرد عليها.

ولعل المنعطف الأول في المرافعة هو عندما أسقط السيد الرئيس المحامي من دعوى الخصوم مطلبهم بالجمع بين الهداية والغزو، وقال هكذا بالحرف: ” إن التأمل في طرح النبوة الغازية هذا”. هنا، لا بد أن نُوقِفَ هذا التدليس، ونقول: لا يا سيادة المحامي، تحدث لنا عن النبوة الهادية والغازية معا، ولا تفرق بينهما، فخصومك طالبوا بالجمع كما أَقْرَرْتَ بذلك، ولم يقصوا النبوة الهادية لصالح النبوة الغازية. والحديث عن هذه القضية وحدها تهريب للنقاش، لا يليق بمن يحمل صفة دينية وعلمية. وعليه، فإن ادعاءكم بأن الحديث عن “النبوة الغازية” يحتاج إلى “تقويم ابستيمولوجي ؛…يشتغل على “الآليات المعرفية و المنهجية” التي تنتجه قد فقد محله، وأصبح تشدقا في العبارة فارغ المضمون.

ولم تتوقف طامات السيد الرئيس عند غياب النزاهة الفكرية وسوء الاستدلال، بل تدحرج إلى سوء التمثيل كذلك بإثارة مسيرة الطبيب مثالا، وهنا نعكس له الأمر ونقول له: “ما ذا لو أن حاكيا لسيرة طبيب قال لقرائه ومستمعيه: “إن هذا الطبيب بعد أن يستقصي أسباب العلاج من أدوية ولا تجدي، يجري عمليات جراحية دقيقة وناجحة، ويستأصل الأورام الخبيثة، ونجح بسبب ذلك في إنقاد أرواح الكثير من الناس ممن كانوا على مشارف الموت، وخلصهم من الآلام الشديدة، وأعاد البسمة والطمأنينة إليهم وإلى ذويهم”، ألن يكون ذلك أدعى للإعجاب بتلك السيرة، وحمل النفس على الاقتداء بصاحبها؟

ألن يضر بسيرة الطبيب إذا حذف منها العمليات الجراحية التي أجراها، ونجح بسببها في علاج مرضاه؟ ألن يسوء الاقتداء به إذا اجتزئت سيرته؟

وبعد هذا يتهاوى السيد الرئيس إلى ما هو أسوأ، فيقول: “إن الداعية الذي يعلن بأن النبي بعث غازيا مقاتلا؛ لا يدرك “حجم الرعب” الذي يبثه في قلوب العالمين من هذا النبي؛ إن طبيبا يوصف “بالقسوة” سيجعل الناس يتفادون مجرد استشارته، فبالأحرى تسليم أجسادهم لمبضعه”.

فعلى رأيك أيها السيد الرئيس، امنع الأئمة والمشفعين، المنضوين تحت ولايتك، من قراءة آيات القتال، المبثوثة في القرآن الكريم، حتى لا تصاب قلوب العالمين بالرعب!! وامنعهم من قراءة سورة محمد، فهي تسمى سورة القتال، وقد بدأت بالشدة على الكفار، إذ افتتحها الرحمن الرحيم بقوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: 1]، ثم قال للنبي صلى الله عليه وسلم، الذي بعث رحمة للعالمين، وللمؤمنين المتأسين به: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد: 4].

وأرجو أن لا يشغب علينا لا السيد الرئيس ولا غيره بأن القتال من تصرف النبي صلى الله عليه وسلم بالإمامة أو بالسياسة كما يصطلح عليه، فنحن على علم بذلك، ونحن هنا لا نتحدث عن اتخاذ قرار الحرب والشروع في تنفيذه، وإنما نتحدث عن صفة الغزو في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، فلا داعي للتلبيس وتخليط الأمور.

وعلى ذكر قضية “رعب العالمين” أقول للسيد الرئيس: إن الذي يرعب العالمين حقيقة ليس الإسلام في حد ذاته، وإنما هو ادعاؤنا نحن المسلمين أننا نمثل الإسلام، ونحسن تطبيقه، وندعوهم إلى اعتناقه، وهم يرون التناقض الصارخ بين دعوانا وواقعنا.

إنهم يرون فينا الاستبداد، والفساد، والتخلف، والجهل، والأمية، والتفاوت الطبقي الصارخ، والظلم، وهضم الحقوق، والنفاق والتزلف،…

يرون فينا إذا أردنا الاستشفاء ذهبنا إلى مصحاتهم، وإذا أردنا الدراسة ذهبنا إلى جامعاتهم، وإذا أردنا المال ذهبنا إلى العمل عندهم، وإذا ظُلِمنا لجأنا إلى منظماتهم الحقوقية نستغيث بها.

لكن هؤلاء العالمين، سيادة الرئيس، يحترمون القوي علميا وتعليميا وإداريا واقتصاديا وعسكريا، ويستمعون إليه، ولعلك سمعت بما أحدثه طوفان الأقصى من رجة في نفوس الغربيين، فجعلهم يعودون إلى القرآن للاطلاع عليه وإعادة اكتشافه، وسبب ذلك هو إعجابهم بصلابة المقاومين، فضلا عن شدة صبر أهليهم، وقوة إيمانهم، وتشبتهم بحياة كريمة لا يخضعون فيها للصهاينة  المجرمين.

إن منهجكم التجزيئي هذا هو الحقيق بـ”تقويم ابستيمولوجي يشتغل على الآليات المعرفية والمنهجية التي أنتجته”، ويكفيه شهادة على اختلاله أنه خلص إلى نتائج تنكرها النصوص الشرعية، منها قولك: “هل فعلا كان هدف هذا النبي هو الغزو وإذلال الأعداء”؟ وجوابا على سؤالك هذا نقول: إن إذلال أعداء الدين مقصد شرعي صرح به القرآن الكريم، فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (20) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: 20-21]، ونسألك تبعا لذلك: ما معنى الصَّغَارِ في قول الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29]؟

ثم، إن كان الغزو قسوة وعنفا، كما يوحي كلامك، فهو حقا قسوة وعنف على المجرمين الظالمين، ولكنه بالمقابل رحمة بالمستضعفين المظلومين، إذ يخلصهم من ظلم الظالمين، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: 75]، وعليه، فالغزو وسيلة لتحقيق رحمة الرسالة لا مناقض لها.

وكنت أرجو أن يراجع السيد الرئيس ما كتب، عسى أن يصحح بعضا من أخطائه، لكنه استرسل في المرافعة، ومضى يلزم المخالفين ما لا يلزمهم، وكأنه جعل لازم المذهب مذهبا. إذ ادعى أن القول بالنبوة الغازية سيقلب الأمور رأسا على عقب، وسيجعل الأصل في مهمة النبي صلى الله عليه وسلم الإكراه في الدين وأن الرحمة بالعالمين ستغدو مجرد استثناء، وأن “إعلان النبي أنه جاء “ليتمم مكارم الاخلاق” وعلى رأسها أخلاق المحبة و التعاون و التسامح؛ ما هو إلا إعلان استدعته حالة ضعف أهل الإسلام في انتظار لحظة الاستقواء”، وأن صبره على المنافقين وترك قتالهم هو “صبر تكتيكي” وليس خلقا أصيلا يمقت الانتقام”، وأن “وثيقة المدينة” التي أرست السلام والاستقرار في المجتمع واعتبرت سكان المدينة أمة واحدة يتعايشون في تعاون و حسن جوار؛ ماهي إلا حيلة سياسية مؤقتة”.

وعلى ذكر وثيقة المدينة، والحديث عن التعايش والتعاون وحسن الجوار، كم كانت المرافعة ستكون جميلة لو أن السيد الرئيس تحدث عن غزوة بني قينقاع وسببها، وما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حينها، لندرك العلاقة بين النبوة الهادية والنبوة الغازية، ولكن قلم السيد الرئيس جف عند هذا الحد، وبدوري أكتفي بهذا القدر، فلعل المعنى قد اتضح والقصد قد تحقق…

وأعود إلى السيد الوزير لأقول: أسفي سيدي الوزير على سوء طالعكم، “راك محزم بالخاوي”، وسبب ذلك هو نهجكم الذي اعتمدتم، وهو تقريب المادحين لا الناصحين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
23°
24°
أحد
22°
الإثنين
23°
الثلاثاء
23°
الأربعاء

كاريكاتير

حديث الصورة