إذا كانت لحكومة المنتخبة عديمة التأثير.. فلماذا يتسابق لوبي الفساد على الظفر بها؟

هوية بريس – د.رشيد بن كيران
إذا كانت لحكومة المنتخبة عديمة التأثير.. فلماذا يتسابق لوبي الفساد على الظفر بها؟
◆ ليس السؤال اليوم: من يحكم المغرب؟ فأبعاد هذا السؤال والجواب عنه معروف لدى كثير من الناس. وإنما السؤال الأهم: ماذا يترتب شرعا وموقفا على تقرير هذه الحقيقة؟ هل تقتضي ترك تدبير الشأن العام، أم تقتضي استثمار ما بقي فيه من مساحات الاشتعال والتأثير؟
▪︎ من أبرز الأسباب التي يحتج بها المقاطعون للانتخابات أن السلطة الحقيقية ليست بيد الحكومة المنتخبة، وإنما بيد ما يصطلح عليه البعض بالدولة العميقة أو المخزن، ويمكن تسميته أيضا الحكومة الدائمة، وأن تداول الأحزاب على تدبير الشأن العام لا يغير في جوهر المعادلة السياسية شيئا، لأن المتحكم الحقيقي في مسار الدولة يظل ثابتا مهما تغيرت مراكز الأحزاب السياسية. وبناء على هذا التصور يرى أصحاب هذا الرأي أن المشاركة في الانتخابات لا تؤول إلا إلى إضفاء الشرعية على واقع الاستبداد وإعادة إنتاجه.
▪︎ وهذا الاعتراض لا يخلو من قدر معتبر من الحقيقة، غير أن الخطأ يقع حين يصبح هذا الجزء من الحقيقة هو الحقيقة كلها. فالإقرار بوجود مراكز قرار تتجاوز الحكومة المنتخبة لا يستلزم القول بأن هذه الحكومة مجرد صورة بلا أثر، كما أن نفي السلطة المطلقة عنها لا يقتضي نفي كل سلطة أو تأثير لها. والواقع السياسي أكثر تعقيدا من هذه الثنائية الحادة؛ إذ إن الحكومة المنتخبة ليست صاحبة القرار المطلق، لكنها كذلك ليست معدومة القرار بالكلية، وإنما هي سلطة ذات صلاحيات محدودة تتحرك داخل هامش معلوم من الاختصاصات والتدبير.
▪︎ بل إن من يقر بوجود ما يعرف في المغرب بوزارات السيادة يكون قد سلم ضمنا بهذه الحقيقة؛ أي بوجود حكومات منتخبة تمارس جزءا من السلطة دون كلها. وهذا هو المعنى العملي لمفهوم وزارات السيادة في التجربة السياسية المغربية. ولعل من أوضح الأمثلة على ذلك قرار التطبيع مع إسرائيل؛ إذ يعلم القريب والبعيد أن هذا القرار لم يكن من صنع الحكومة المنتخبة ولا من صميم برنامجها السياسي ولا مرجعيتها، وإنما صدر من مستوى آخر من مستويات القرار في الدولة، صدر من الحكومة الدائمة.
غير أن التسليم بكون الحكومة المنتخبة محدودة الصلاحيات لا يفضي بالضرورة إلى التسليم بجدوى ترك المجال المتاح لأهل الفساد أو لأصحاب المشاريع المناقضة لهوية الأمة ودينها. فالسياسة الشرعية لا تنظر فقط إلى ما لا يمكن تغييره، وإنما تنظر كذلك إلى ما يمكن التأثير فيه. والجزء الذي لا تملكه الحكومة المنتخبة ليس هو محل التكليف الشرعي والسياسي هنا، وإنما محل التكليف هو الجزء الذي تملكه وتؤثر فيه بالفعل.
▪︎ ومن يتأمل الواقع يدرك أن هذا الهامش المحدود ليس عديم الأثر. فالسياسات العمومية في مجالات الاقتصاد والتعليم والثقافة والإدارة والعدالة الاجتماعية والحريات العامة تترك آثارا مباشرة على حياة الناس. وقد شهد المغاربة في خمس السنوات الأخيرة كيف انعكست خيارات حكومية معينة على أوضاعهم المعيشية، وكيف أسهمت بعض السياسات للحكومة المنتخبة في تغول الفساد المالي، أو في التوسع في مشاريع الانحراف الفكري والأخلاقي، أو في زيادة الأعباء الاقتصادية على الفئات الضعيفة. وكل ذلك وقع داخل ذلك الهامش الذي يقال إنه محدود.
▪︎ ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل تملك الحكومة المنتخبة كل السلطة؟
بل: من الذي سيشغل القدر المتاح من السلطة المتبقية؟ لأن ترك هذا المجال شاغرا لا يؤدي إلى إلغائه، وإنما يؤدي إلى أن يملأه غيرك. والمقاطعة لا تمنع من ممارسة الصلاحيات الموجودة، وإنما تترك ممارستها لمن حضر وشارك ووصل.
▪︎ ولهذا فإن فقه السياسة الشرعية لا يبني أحكامه على المتعذر، وإنما على الممكن المتاح. فالواجب الشرعي ليس تحصيل المصلحة الكاملة التي قد يتعذر وجودها، وإنما تحصيل ما أمكن من المصالح وتقليل ما أمكن من المفاسد. وقد قرر العلماء أن ما لا يدرك كله لا يترك جله، وأن الميسور لا يسقط بالمعسور، وأن العجز عن بعض المقصود لا يسوغ ترك ما يقدر عليه منه.
▪︎ وبناء عليه، فإذا كانت الحكومة الدائمة قد أبقت للشعب مساحة من الاختيار وحملته مسؤولية تدبيرها، فإن مقتضى الشرع والعقل معا ألا تترك هذه المساحة لمن يزيد الفساد فسادا، ولا لمن يعمق الانحراف انحرافا، بل الواجب أن تستثمر في دفع الأشد بالأخف، وتقليل الشر ما أمكن، وتمكين الأصلح فالصالح بقدر المستطاع. فالمسألة في حقيقتها ليست بحثا عن سلطة كاملة، وإنما هي ممارسة للمسؤولية داخل مساحة من التأثير لا يجوز التفريط فيها، ولنا في قصة يوسف عليه السلام خير العبر لمن تدبر.



