تنظيم القضاء في قبائل العرف البربري 1930 (1/2)

16 يونيو 2026 18:50

هوية بريس – ذ.إدريس كرم

في 11 شتنبر 1914 وبناء على اقتراح من الجنرال ليوطي، أصدر السلطان مولاي يوسف ظهيرا يضمن فيه للبربر احترام أعرافهم العريقة، وفي 16 ماي 1930، وبناء على اقتراح السيد لوسيان سان، المفوض والمقيم العام الفرنسي بالمغرب.

أصدر جلالة الملك سيدي محمد، ظهيرا يمنح بلاد البربر وضعا قانونيا في مسائل العدالة، وحتى ذلك الحين كان العرف يحترم بشكل غير رسمي، ومن الآن فصاعدا سيطبق رسميا.

لقد أظهرت 16 ستة عشر سنة من الدراسة والاستماع بيْنَ الظهيرين بوضوح، أن العمل الفرنسي في المغرب، لا يمكن اعتباره عبثيا أو متسرعا، لذلك وإدراكا منا لأهمية التعاون المخلص بين السيادتين، السيد لوسيان سان وسلطان المغرب، لوضع الأسس المتينة، لتهدئة النفوس من خلال احترامهما للوعد المُعطَى للبربر المغاربة.

يمثل تاريخ 16 ماي خطوة هامة في مهمة فرنسا بالمغرب، إذ يشير إلى منعطف جديد في تاريخ المغرب.

ولأول مرة في المغرب، تُظهر فرنسا بمساعدة ملك هذا البلد، رغبتها في اتباع سياسة فعالة وإيجابية، تجاه البربر.

لطالما وجدت سياسة بربرية في المغرب، لوجود البربر على مر التاريخ فيه، إلا أن هذه السياسة كانت سلبية ومستقلة، إذ كانت تهدف لاحتواء البربر أكثر من مهاجمتهم، وكانوا خاضعين لها، ولأول مرة منذ أن اعتلى الشرفاء العرش في فاس أو غيرها، تخضع الأراضي البربرية المغربية، باستثناء الجنوب، بالقوة لطاعة السلطان، لكن لا يمكن اعتبار البربر وهم شعب شرس ومحارب، مسالمين تماما إلا عندما يذعنون، ويخضعون خضوعا تاما للنظام القائم، ومن السبل الوحيدة لتحقيق ذلك، ضمان احترام عاداتهم.

إن اعتراضهم الوحيد على الشريعة، والسبب وراء رفضهم لها رغم كونهم مسلمين، هو أن طاعتها تعد دليلا واضحا، على اندثار أعرافهم.

لقد أدرك مولاي الحسن هذا الأمر جيدا، خلال حملته إلى منطقة سوس عام 1885 حيث وعد الشلوح رسميا بأنهم سيظلون محكومين بأعرافهم وعاداتهم.

علاوة على ذلك، لكسب وُدِّ البربر، وضمان صدق خضوعهم للسلطان الذي وضعناه بين أيدينا، بات من الضروري، تبني سياسة فعالة وممكنة، تجاه هؤلاء الوافدين الجدد على الأسرة المغربية. لم نعد مضطرين لتحملهم: لم يبق لنا إلا غزوهم، ولأجل تحقيق هذا الغرض، وضع ظهير 16 ماي 1930، وبذلك فالعمل الذي بدأه المارشال ليوطي، بات الآن مُؤَمِّنًا، له مستقبلا مشرقا.

في الحقيقة، لا يهدف النص الجديد حاليا، سوى إضفاء الشرعية على وضع قائم، وتحديد الخطوط الكبرى لنظام مستقبلي، تاركا التفاصيل لقرارات وزيرية، تصدر بناء على اقتراح المدير العام للشؤون الأهلية، لمعالجة المبادئ التي تم التنصيص عليها، وتحديدها بكل التفاصيل المطلوبة.

كما أنه يطرح مبادئ مهمة تستحق التسجيل:

أولا: يُلْزم النص رؤساء القبائل بإنفاذ القانون الجنائي وهنا يكمن الحرص على ضمان حصول من يشغل منصب القايد في الشؤون الأهلية، أن يكون اسما مألوفا لديهم، وسنثبت هذه الجزئية في التفاصيل، مع التزامنا والتزام المخزن، بعدم المساهمة في تدمير كل ما هو بربري.

تَمَّ إصدار مرسوم يقضي بتطبيق القانون العرفي في المسائل المدنية والتجارية، والأحوال الشخصية، ومسائل الميراث والعقارات، من قبل المحاكم الابتدائية، وإنشاء محاكم استئناف عرفية، وكانت كلتا المحكمتين تخضعان لإشراف مسؤولين حكوميين، وهم وكلاء فرنسيون للسلطة، يطلق عليهم اسم المفوضين.

أما الجرائم المرتكبة في المناطق ذات الأغلبية البربرية فكانت تحاكم أمام المحاكم الجنائية المغربية، التي كانت في الواقع، ذات اختصاص مختلط، وكانت هذه المحاكم موجودة في مقر كل محكمة ابتدائية،

وإلى جانب القضاة الفرنسيين، كان يستعان بمُقَيِّمين أهليين، يتمتعون بصلاحيات التصويت، وكانوا يصدرون أحكامهم باسم جلالة السلطان، والشعب الفرنسي.

وفي أجزاء أخرى من الإمبراطورية، لم تكن المحاكم تحاكم المغاربة، إلا إذا ارتكب مغربي جريمة ضد أوربي (كالقتل، أو السطو المسلح، أو التزوير، واستخدام وثائق مزورة) في المناطق الخاضعة للقانون العرفي، وبموجب الظهير الجديد، ستنظر هذه المحاكم أيضا في قضايا الجرائم التي يرتكبها المغاربة، بغض النظر عن النظام القانوني، الذي يخضعون له، ضد مغاربة آخرين.

وبذلك أظهرت فرنسا موقفها الليبرالي، إذ أن المناطق البربرية الخاضعة للقانون العرفي تخضع، وستبقى لفترة طويلة، للأحكام العرفية، نظرا لوجود معارضة، والجرائم المرتكبة فيها تحال عادة على المحاكم العسكرية.

اقترح السيد لوسيان سانت على السلطان الذي وافق محاكمة المجرمين في محاكمنا المختلطة، أمام قضاة من أبناء عرقهم. وبذلك سيحصل مليونان ونصف المليون بربري على دليل ملموس، على التزامنا بمشاركة المخزن، باحترام العادات التي تحكمهم، وسيشعرون بذلك، أنهم لن يفقدوا أبدا حريتهم.

يضفي هذا العمل الرائد شرفا عظيما، للسيد لوسيان سان، ويضعه بين عظماء رجال دولتنا، الذين يتميزون بحكمة التخطيط، وجرأة التنفيذ، ولكن من الإنصاف أن نُقرَّ بأن هذا العمل لم يكن ليتحقق، لولا الجهود الدؤوبة لعدد من الأفراد المخلصين، والكم الهائل من الوثائق التي جمعتها مديرية الشؤون الأهلية، التي لم تدخر جهدا، لتوضيح المسألة البربرية منذ نشأتها، على مدى ثمانية عشر عاما، وفي عزلة ابْلادْ المغرب القاسية، عمل ضباطنا المتميزون في شؤون الأهالي، على صياغة القضية البربرية.

وطيلة سبع سنوات في مديرية الشؤون الأهلية، قام قائد الكتيبة إيزارد بتنسيق الجهود وإعداد التوجيهات التي تخدم (احتياجات الإدارة) والمشاركة في تنفيذ التشريع الجديد.

وكيف لنا أن نغفل ذكر موريس لوكلاي، الذي أحيَـى في مؤلفاته عن بلاد البربر، مناشط هؤلاء القوم الجبليين؟ وكذا القبطان كَنٌّونْ، والذي نشرنا له هنا مؤخرا، دراسة ممتازة حول “جبال البربر”.

وقد أسهم معهد الدراسات العليا في هذا الجهد التعاوني، من خلال عمل أساتذته، ولا سيما من خلال البحث الذي أجراه السيد لاوست، مدير الدراسات البربرية في المعهد، على مدى سنوات عديدة.

ولا ننسى المستشارين المستنيرين، وهم في هذه الحالة الجنرال نوكيس، المدير العام للدائرة العسكرية، وشؤون الأهالي، والسيد بينازيل، مدير الشؤون الأهلية، اللذان أسهما في تطوير هذا الإطار الجديد، بخبرتهما في شؤون المغرب ورجاله.

ونحن على ثقة بأننا بفضل هذه التوجيهات، سنشهد قريبا، الآثار الإيجابية للتشريعات التي يرعاها السلطان، وستعطي للبربر برهانا ملموسا، على صدق فرنسا وكرمها.

لوسيان سانت المقيم العام الفرنسي فوق بلوكوس مدينة ارفود شهر مارس سنة 1932

فيما يلي نص الظهير الصادر في 1930/5/16:

(ملاحظة المترجم: نقلنا الظهير بالحرف من الجريدة الرسمية، الطبعة العربية عدد 919)

الحمد لله وحده

ظهير شريف

يصبح بموجبه قانونا مطابقا للأصول المرعية، سير شؤون العدلية الحالي في القبائل ذات العوائد البربرية. “التي لا توجد فيها محاكم مكلفة بتطبيق القواعد الشرعية”.

يعلم من كتابنا هذا أسماه الله وأعز أمره أنه حيث أن والدنا المقدس بالله (ما سلف من ديباجة الظهير لم يثبته صاحب المقال، وإنما ابتدأ نقله من): بناء على الظهير الصادر عن جلالة والدنا السلطان مولاي يوسف، المؤرخ في 11 شتنبر 1914 (20 شوال 1382) يأمر فيه باحترام ومراعاة النظام العرفي الجاري العمل به في القبائل التي استتب الأمن فيها، وذلك حبا في مصلحة رعايانا، واطمئنان دولتنا الشريفة.

وحيث قد صدر للغرض نفسه ظهير شريف مؤرخ في 19 شوال عام 1340 الموافق 15 يونيو سنة 1922 بتأسيس قواعد خصوصية متعلقة بتفويت العقارات للأجانب، بالقبايل ذات العوائد البربرية التي “لا توجد فيها محاكم مكلفة بتطبيق القواعد الشرعية”.

وحيث أن قبائل عديدة قد أدرجت منذ ذلك الحين بطريقة قانونية من طرف وزيرنا الصدر الأعظم، في عداد القبايل التي ينبغي احترام ومراعاة نظامها العرفي.

وحيث أنه أصبح الآن من المناسب تعيين الشروط الخصوصية، التي ينبغي اتباعها في مباشرة العدلية والقضاء، بين من ذكر، مع احترام العوايد المذكورة.

أصدرنا أمرنا الشريف بما يلي:

الفصل الأول

إن المخالفات التي يرتكبها المغربيون في القبايل ذات العوائد البربرية بإيالتنا الشريفة، والتي ينظر فيها القواد في بقية نواحي مملكتنا السعيدة، يقع زجرها هناك من طرف رؤساء القبائل.

وأما بقية المخالفات فينظر فيها ويقع زجرها، طبق ما هو مقرر في الفصلين الرابع والسادس من ظهيرنا الشريف هذا.

الفصل الثاني

إنه مع مراعاة القواعد المتعلقة باختصاصات المحاكم الفرنسوية بإيالتنا الشريفة، فإن الدعاوى المدنية أو التجارية، والدعاوى المختصة بالعقارات أو المنقولات، تنظر فيها محاكم خصوصية تعرف (بالمحاكم العرفية) ابتدائيا أو نهائيا بحسب الحدود (المقدار) التي يجري تعيينها بقرار وزيري.

كما تنظر المحاكم المذكورة في جميع القضايا المتعلقة بالأحوال الشخصية، أو بأمور الإرث، وتطبق في كل الأحوال العوايد المحلية.

الفصل الثالث

إن استئناف الأحكام الصادرة من طرف المحاكم العرفية، يرفع أمام محاكم تعرف بالمحاكم العرفية الإستئنافية، وذلك في جميع الأحوال التي يكون فيها الاستيناف مقبولا.

الفصل الرابع

إن المحاكم الإستئنافية المشار إليها، تنظر أيضا في الأمور الجنائية ابتدائيا ونهائيا، بقصد جر المخالفات المشار إليها في الفقرة الثانية، من الفصل الأول أعلاه، وكذلك زجر جميع المخالفات التي يرتكبها أعضاء المحاكم العرفية، التي يطوق باختصاصها الاعتيادية رئيس القبيلة.

الفصل الخامس

يجعل لدى كل محكمة عرفية ابتدائية أو استئنافية مندوب مخزني، مفوض من طرف حكومة المراقبة، بالناحية التي يرجع إليها أمره، ويجعل أيضا لدى كل واحدة من المحاكم المذكورة، كاتب مسجل يكون مكلفا أيضا بوظيفة موثق.

الفصل السادس

إن المحاكم الفرنسوية التي تحكم في الأمور الجنائية حسب القواعد الخاصة بها، لها النظر في زجر الجنايات التي يقع ارتكابها في النواحي البربرية، مهما كانت حالة مرتكب الجناية.

ويجري العمل في هذه الأحوال بالظهير المؤرخ في 12 غشت 1913 المتعلق بالمرافعات الجنائية

الفصل السابع

إن الدعاوى المتعلقة بالعقارات إذا كان الطالب أو المطلوب فيها، من الأشخاص الراجع أمرهم للمحاكم الفرنسوية، فتكون من اختصاصات المحاكم الفرنسوية المذكورة.

الفصل الثامن

إن جميع القواعد المتعلقة بتنظيم المحاكم العرفية وتركيبها وسير أعمالها، تعين بقرارات وزيرية متوالية، تصدر بحسب الأحوال، ومهما تقتضيه المصلحة. والسلام.

وحرر بالرباط في 7 ذي الحجة عام 1348 الموافق 16 ماي سنة 1930 محمد المقري.

اطلع عليه وأذن بنشره

الرباط في 23 ماي سنة 1930

القوميسير المقيم العام: لوسيان سان

ــــــــــــــــــــــــــ

انظر: L,organisation de la justice dans

les tribus de coutumes berberes

في: Bulletin du comite de l,afrique francaise 1930 ,pp.345-347

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
21°
28°
الأربعاء
24°
الخميس
24°
الجمعة
24°
السبت

كاريكاتير

حديث الصورة