موازين 2026.. أين غاب صوت الدين الرسمي وسط الجدل القيمي؟

موازين 2026.. أين غاب صوت الدين الرسمي وسط الجدل القيمي؟
هوية بريس – عابد عبد المنعم
لم يكن الجدل الذي رافق افتتاح مهرجان “موازين.. إيقاعات العالم” لسنة 2026 مرتبطا فقط بضعف الإقبال على بعض السهرات أو باختيارات البرمجة الفنية، بل امتد إلى أسئلة أعمق تتعلق بالرسائل الثقافية والقيمية التي يحملها المهرجان، وبموقف المؤسسات الدينية الرسمية من التحولات التي تعرفها الساحة الفنية والثقافية بالمغرب.
فمع كل دورة جديدة يعود النقاش نفسه، هل يتعلق الأمر بمجرد حدث فني وترفيهي، أم أننا أمام ظاهرة مجتمعية تستدعي نقاشا أوسع حول الهوية والقيم والاختيارات الثقافية؟ وتزداد حدة هذا النقاش عندما تستضيف بعض المنصات فنانين يثيرون الجدل بسبب كلمات أغانيهم أو سلوكياتهم أو الرسائل التي ينقلونها إلى الشباب والمراهقين والجمهور المغربي عامة.
كما تتداول بين الفينة والأخرى صور ومشاهد من المهرجان تؤكد الانفلات الأخلاقي أو التطبيع مع أنماط سلوكية لا تنسجم مع المرجعية الدينية والقيمية للمجتمع المغربي، سواء تعلق الأمر بالعري أو بعض أشكال اللباس أو التعبيرات المستعملة أو الرقصات المثيرة أو المظاهر المصاحبة لبعض السهرات الكبرى.
غير أن المثير للانتباه، بحسب عدد من المتابعين والمراقبين، هو الغياب شبه التام لأي تفاعل أو موقف واضح من الجهات والمؤسسات المكلفة بالشأن الديني، رغم أن هذه الجهات تعلن باستمرار انخراطها في حماية القيم وتعزيز المناعة الأخلاقية للمجتمع. فحين يتعلق الأمر ببعض الفروع وهيئات للصلاة مثلا (السدل والقبض) يحضر الخطاب الرسمي بقوة تصل حد وصف المخالف بـ”الخوارج”، لكن عندما يتعلق الأمر بفعاليات فنية تطبع مع قيم وسلوكات دخيلة، مخلة ومنحلة، يسود الصمت والحياد السلبي.
ويرى محللون أن هذا الوضع يعكس تحولا في طبيعة العلاقة بين المؤسسة الدينية والمجال الثقافي والفني بالمغرب، حيث أصبحت هذه المؤسسة أكثر ميلا إلى تجنب الخوض في الملفات المثيرة للجدل، وهو ما يفسره البعض بخيارات علمانية رسمية تقوم على الفصل بين المجال الديني وبعض الاختيارات الثقافية والترفيهية للدولة. ويستحضر أصحاب هذا الرأي تصريحات سابقة لوزير الأوقاف والشؤون الإسلامية تحت قبة البرلمان، اعتُبرت مؤشرا على هذا التوجه.
لكن السؤال الذي يظل مطروحا هو هل يكفي الصمت لمواجهة التحولات القيمية التي يشهدها المجتمع؟ وهل يمكن لخطط التأطير والتسديد والتبليغ أن تحقق أهدافها إذا كانت تغيب عن التفاعل مع أكثر الفضاءات تأثيرا في الشباب؟
ولعل ما يثير الاستغراب اليوم ليس فقط الجدل الذي يرافق بعض فقرات مهرجان موازين وما يُتهم به من تطبيع مع سلوكات وقيم دخيلة على هوية المجتمع المغربي، وإنما أيضا غياب الصوت العلمي والدعوي الرسمي الذي ظل حاضرا عبر تاريخ المغرب في مواجهة مظاهر الانحراف الأخلاقي والفكري. فقد عرف المغرب على مر العصور علماء ومصلحين لم يترددوا في النصح والبيان والتحذير كلما تعلق الأمر بما يهدد دين الناس وأخلاقهم واستقرار المجتمع. أما اليوم، وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها جل المجال بما فيها الثقافي والفني، فإن الحاجة تبدو ملحة إلى خطاب علمي رصين يجمع بين الحكمة والوضوح، ويؤدي واجب البيان دون مجاملة أو صمت، حفاظا على الثوابت الدينية والقيمية التي شكلت عبر قرون أحد أهم مقومات الشخصية المغربية.



