الشوباني: الجهة فضاء لصناعة القرار وليست مجرد آلية للتنمية

هوية بريس- متابعات
قال الحبيب الشوباني، الرئيس السابق لجهة درعة تافيلالت، إن تقييم حصيلة الجهوية المتقدمة لا ينبغي أن يقتصر على المؤشرات الاقتصادية أو التنموية، بل يجب أن ينطلق من فهم الإنسان باعتباره “كائنا سياسيا” له حاجات أساسية تتمثل في الثقة، والمشاركة في صناعة القرار، والعقلانية في توزيع السلطة، معتبرا أن نجاح ورش الجهوية يقاس بمدى استجابته لهذه الانتظارات قبل أي شيء آخر.
وأوضح الشوباني، خلال مداخلة ضمن المائدة المستديرة التي نظمها منتدى المتوسط للتبادل والحوار، أن دستور سنة 2011 أحدث تحولا مهما في فلسفة تدبير الشأن العام، بعدما أعاد توزيع الاختصاصات بين المركز والجهات، وهو ما خلق انتظارات كبيرة لدى المواطنين، ليس فقط على مستوى التنمية، وإنما أيضا على مستوى الشعور بالمشاركة في اتخاذ القرار والتأثير في تدبير المجال الترابي.
وأكد أن المواطن، باعتباره كائنا سياسيا، يتطلع إلى ثلاثة مطالب رئيسية؛ أولها وجود تعاقد سياسي يعزز الثقة بين الدولة والمجتمع، وثانيها إشراكه في صناعة القرار العمومي، وثالثها عقلنة ممارسة السلطة وتحديد مجالاتها بشكل واضح، معتبرا أن هذه الأبعاد تشكل أساس أي تحول ديمقراطي حقيقي، وأن إغفالها يجعل الإصلاحات عاجزة عن تحقيق أهدافها مهما بلغت الاستثمارات الاقتصادية.
وشدد الرئيس السابق لجهة درعة تافيلالت على أن تجربة الجهوية المتقدمة أفرزت، رغم الصعوبات، العديد من “السوانح” أو الفرص التي لامسها المواطنون، حتى وإن لم تكن ذات طبيعة مادية مباشرة، موضحا أن تعزيز المشاركة والانفتاح على المواطنين ساهم في رفع مستوى الثقة في المؤسسات المنتخبة وفي مجهود الدولة لتطوير الحكامة الترابية.
وفي هذا السياق، استحضر تجربة مجلس جهة درعة تافيلالت خلال فترة رئاسته، مبرزا أن اعتماد البث المباشر لدورات المجلس لم يتطلب إمكانيات مالية إضافية، لكنه مكن المواطنين من متابعة كيفية اتخاذ القرارات وتدبير شؤون الجهة، وهو ما اعتبره نموذجا لترسيخ الشفافية وإشراك المواطنين في الحياة العامة، مضيفا أن مثل هذه المبادرات تستحق التقييم بالنظر إلى أثرها في تعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات.
وفي المقابل، سجل الشوباني أن التجربة اصطدمت بمجموعة من “الكوابح” التي حدت من استثمار الإمكانات التي وفرها دستور 2011، معتبرا أن جوهر هذه العراقيل يتمثل في غياب الثقة الكافية في الفاعلين الترابيين، والاستعجال في مراجعة الإصلاحات قبل أن تنضج وتحقق أهدافها.
وأوضح أن أي مشروع إصلاحي يحتاج إلى الوقت الكافي لاختبار فعاليته، محذرا من اللجوء إلى ما وصفه بـ”الإصلاح السريع والتقويم السريع”، لأن ذلك يبعث رسائل سلبية إلى المنتخبين والفاعلين المحليين، ويكرس غياب الثقة في قدرتهم على تحمل المسؤولية، تماما كما يحدث – بحسب تعبيره – عندما يتم تكليف شخص بمهمة مع مراقبته بشكل دائم دون منحه فرصة لإثبات كفاءته.
وأضاف أن الأخطاء التي قد تقع خلال تنزيل الجهوية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها فشلا، وإنما باعتبارها تجارب تكشف مكامن القصور سواء في المنظومة القانونية أو في آليات التدبير أو حتى في مستوى تأهيل النخب، مؤكدا أن الإصلاح الحقيقي يقوم على التعلم من التجربة وليس على التراجع عنها عند أول اختبار.
وانتقد الشوباني المقاربة التي تحصر الإنسان في بعده الاقتصادي فقط، معتبرا أن هذا المنطق يمثل أحد أعطاب النماذج الرأسمالية التي تنظر إلى الإنسان باعتباره عبئا أو مجرد عنصر إنتاج، في حين أن المقاربة الحضارية، بحسب تصوره، تنظر إلى الإنسان باعتباره ثروة وشريكا أساسيا في صناعة التنمية وصنع القرار.
وأكد أن أي إصلاح للجهوية لن يحقق أهدافه إذا لم يسبقه تحول فكري وفلسفي في طريقة النظر إلى المواطن، يقوم على الإيمان بقدرته على الإبداع وتحمل المسؤولية، مشددا على أن بناء الثقة في الإنسان هو المدخل الأساسي لإنجاح ورش الجهوية وتعزيز الديمقراطية الترابية.
وأشار إلى أن أهمية المجالس الترابية لا تكمن فقط في إنجاز المشاريع أو تعبئة الميزانيات، وإنما في ترسيخ شعور المواطنين بأن لهم الحق في التفكير والمناقشة والمشاركة في اتخاذ القرارات التي تهمهم، معتبرا أن هذا الإحساس بالمواطنة الفاعلة يفوق في أهميته إنجاز الطرق أو البنيات التحتية، لأنه يؤسس لعلاقة جديدة بين الدولة والمجتمع.
وختم الشوباني بالتأكيد على أن الجهوية المتقدمة راكمت العديد من المكتسبات والفرص، لكنها ما تزال تواجه معيقات فكرية وفلسفية ينبغي تجاوزها، محذرا من أن استمرار هذه الكوابح سيؤدي إلى إضعاف استثمار ما تحقق من مكتسبات، وإلى تراجع منسوب الثقة في المؤسسات، وهو ما لا يخدم، حسب قوله، أي طرف من أطراف العملية الديمقراطية، داعيا النخب الفكرية والأكاديمية إلى مواكبة هذا الورش عبر إنتاج تصورات عميقة تجعل الإنسان محور الإصلاح والتنمية.



