رحيل العلامة الهندي سلمان الندوي.. الأمة تودع أحد أبرز علمائها ومفكريها

هوية بريس – متابعات
فقدت الأمة الإسلامية، صبيحة يوم 29 يونيو 2026 (14 محرم 1448هـ)، واحداً من أبرز علمائها ومفكريها، وهو العلامة الهندي السيد سلمان الحسيني الندوي، الذي وافته المنية بمدينة لكهنؤ عن عمر ناهز 72 عاماً. وبرحيل هذا الطود الشامخ، تطوى صفحة مشرقة من العطاء العلمي والدعوي الذي امتد لنصف قرن.
وشكل النبأ المفجع صدمة في الأوساط العلمية والدعوية عبر العالم، نظراً للمكانة المرموقة التي كان يحظى بها الفقيد. فقد نعته مؤسسات دينية وشخصيات بارزة من الهند إلى تركيا ومنطقة الخليج، معتبرة وفاته خسارة فادحة لساحة الفكر والتربية الإسلامية.
مسار علمي حافل.. من “ندوة العلماء” إلى رحاب العالمية
ولد العلامة الندوي عام 1954 في بلدة “منصور بور” الهندية، لأسرة عريقة في العلم. وتتلمذ على يد خاله المفكر الإسلامي الكبير أبو الحسن علي الندوي، ليتخرج من “ندوة العلماء” عام 1976، ثم نال الماجستير من جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض عام 1980 بإشراف العلامة عبد الفتاح أبو غدة.
وتميز الفقيد بتبحره الواسع في التفسير والحديث، حتى وُصف بأنه “أنور شاه الكشميري” لعصره، إلى جانب إلمامه العميق بالفقه وأصوله. كما ملك ناصية اللغات العربية والأردية والإنجليزية، مما مكنه من تبليغ رسالته ببيان ساحر وخطابة آسرة تجاوزت حدود شبه القارة الهندية.
“إن الأمة اليوم بحاجة إلى التركيز على إعداد المعلمين والمربين أكثر من حاجتها إلى إقامة الحفلات والندوات؛ لأن الحضارات لا تحيا بالبنيان، بل تحيا بما تحويه صدور المعلمين”.
— العلامة الراحل سلمان الحسيني الندوي في إحدى محاضراته.
ولم يكن الفقيد مجرد أستاذ حبيس المدرجات، بل كان رجل ميدان بامتياز؛ حيث أسس “جمعية شباب الإسلام” وجامعة “سيد أحمد الشهيد” بكتولي، وصدح بصوته دفاعاً عن قضايا الأمة الكبرى، مندداً بآلام فلسطين والفظائع المرتكبة في غزة.
مواقف شجاعة.. دعوة مستميتة للوحدة ونبذ للفرقة
وعُرف الندوي بآرائه الإصلاحية الجريئة، ومن أبرزها مقترحه الاستشرافي لحل أزمة “المسجد البابري”، والذي اصطدم بمعارضة أدت إلى استقالته من مجلس الأحوال الشخصية.
كما كرس سنواته الأخيرة للدعوة إلى الوحدة الإسلامية ونبذ الطائفية، مشدداً على مكانة “آل البيت” في الوعي الإسلامي.
وقد جرت هذه المواقف على العلامة الراحل انتقادات حادة ومضايقات من تيارات مختلفة، إلا أنه ظل ثابتاً على مبادئه، رافضاً الانسياق وراء دعوات التفرقة التي وصفها بأنها السلاح الأمضى لأعداء الأمة.
تحدي خلافة “الرجال الكبار”..
ويرى مراقبون أن رحيل قامة موسوعية بحجم سلمان الحسيني الندوي يترك فراغاً مهولاً يصعب سده، ويطرح تحدياً حقيقياً على المؤسسات العلمية في الهند والعالم الإسلامي لإنتاج نخب قادرة على الجمع بين الرسوخ العلمي والوعي الحركي.
ويُنتظر أن تشكل التركة الفكرية للفقيد، والمؤسسات التي شيدها، منارة للأجيال القادمة، استكمالاً لمسيرة رجل وهب أنفاسه لخدمة دينه وأمته حتى آخر ليلة في عمره، والتي أوصى فيها بمطالعة شروح صحيح البخاري.



