قراءة نقدية في خطبة “تسديد التبليغ” ليوم الجمعة 17 يوليوز 2026

هوية بريس – د.طارق الحمودي
حضرت صلاة الجمعة في مسجد من مساجد قرية أزلا في شمال المغرب ،وكان مما سمعته من الخطيب وهو يقرأ نص خطبة “تسديد التبليغ” أمور أرى أن واضعيها -وفقهم الله- أخطؤوا فيها أخطاء لابد من التنبيه عليها، وأستأذن السادة العلماء الفضلاء في هذه القراءة النقدية الصادقة الهادفة حرصا على تجويد “تسديد التبليغ”…
1- ورد في الخطبة ذكر “الإمامة العظمى” في غير موضعها، والنص في الخطبة: “ندرك حقيقة ما مَنَّ الله تعالى به علينا من الإمامة العظمى التي اختارها الله تعالى لنا منذ قرون لتكون ظلا وارفا على هذه المملكة الشريفة”.
وهذا خطأ، فإن إمامة “أمير المؤمنين” في المغرب إمامة قطرية، أي تخص بلدا محدودا جغرافيا، ويقصد بالإمامة العظمى الإمامة الحاكمة لكل بلاد المسلمين…فوصفها بذلك غلو وتجاوز للعرف الديبلوماسي، فقد يُفهم منها عند المستمع غير المغربي، خاصة السياسيين نوعٌ من الرسائل السياسية السالبة…
فالمرجو عدم إقحام الملكية في مثل هذه الأمور.
2- ورد في الخطبة أن الله اختار ملك المغرب لخلافة النبوة، وهي في النص السابق الذكر!
فإن كان المقصود بالاختيار أن الله قدّر ذلك تقديرا كونيا فكل ما يقع في الكون اختيار الله وإرادته، من خير وشر، وليس في هذا مدح ولا قدح، وإن كان القصد أن الله أحب أن يكون هو ملك البلاد فهذا أمر لا يطلع عليه إلا نبي موحى إليه…واستعمالها بهذا المعنى فيه جرأة على الله.
والصحيح أن ملك البلاد -وفق الدستور المغربي- يُختار من طرف سابقه فيجعله وليا للعهد في حياته، ثم يصير ملكا بعد ذلك بإقامة “البيعة” بينه وبين الشعب عن طريق العرفاء والنواب عن الشعب، وتعني البيعة -من البيع- تعاقدا بينه وبين الشعب يتولى بمقتضاه حفظ دينهم وسياسية دنياهم وفق الشرع والعقل، ويلتزمون هم له بالطاعة التي تقتضي مساعدته على الوفاء بواجبه لهم، وهذه البيعة “تكليف” للطرفين ولا تعني تزكية أو مدحا… والملك وكيل مصالحهم.
3- ورد في نص الخطبة: “ومن أعظم صور هذه الحراسة التزامهم بثوابتهم الدينية الجامعة المتمثلة في: العقيدة الأشعرية المبنية على الكتاب والسنة”…
وفي هذا أخطاء، الأول أن العقيدة الأشعرية ليست من الثوابت، فإن الإمام الأشعري من علماء القرن الرابع الهجري، وقد كانت العقيدة في المغرب قبل ذلك هي العقيدة السلفية أي العقيدة التي كان عليها الصحابة والتابعون والتي أخذوها من القرآن ومن النبي صلى الله عليه… وهي معارضة لما عليه الأشاعرة المتأخرون، وكانت عقيدة الإمام مالك عقيدة سلفية لا أشعرية.
ومع ذلك فتقييدهم لذلك بأنها مبنية على الكتاب والسنة أمر مستحسن، وهذا يعني الرد إلى ما كتبه أبو الحسن الأشعري في “الإبانة” و”مقالات الإسلاميين-عقيدة أصحاب الحديث والسنة في آخر المجلد الأول” لا ما كتبه الباقلاني والجويني والغزالي والرازي والسنوسي، لأن ما في “الإبانة” و”مقالات الإسلاميين” معارض في أغلبه لما عند هؤلاء الأشاعرة المختلفين فيما بينهم.
4- قولهم: “إن طريقة الجنيد مبنية على الإحسان” لا يكفي، بل ينبغي أن يقولوا: مبنية على الكتاب والسنة، كما هو نص الجنيد نفسه: علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة، وهذا لكي نميز بين تصوف الجنيد وتصوف الزندقة الذي عند ابن عربي وابن سبعين وابن الفارض والحلاج الذي عارض الجنيد في مسلكه… فإن الذي نراه اليوم إنما هو التصوف الفلسفي في الزوايا عند الطرق الصوفية في معتقداتهم وأشعارهم التي يتغنون بها في مجالسهم، فهؤلاء هم أول من يناقض ثوابت البلاد الحقيقية…فإنهم على طريقة تعارض طريقة الجنيد… وهم في عقيدتهم مناقضون للأشعرية، تبعا لابن عربي الذي سفه المذهب الأشعري وشكك في أصوله ومسائله، وابن سبيعن أشد في الحط على الأشعري والأشاعرة.
ختما: أرجو أن يتقبل واضعو الخطبة هذا النقد الذي يهدف إلى “تجويد” “تسديد التبليغ”، وقد آلمني ما سمعته في الخطبة، وأسأل الله تعالى أن يسدد تسديدهم في التلبيغ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تنبيه: كل تعليق فيه إساءة لجهة ما فستحذف وسيحظر صاحبها إن وقفت عليه.



