إرشاد الحيران إلى أن سُنّة النبي ﷺ في المحكمات لا في الصدور والأسرار

25 يوليو 2026 16:01
لماذا لا يريدون منع الاختلاط بين الجنسين؟!

هوية بريس – د.عادل خزرون

الحمد لله الذي أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، وأقام الحجة بالبلاغ المبين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، معلماً وهادياً، ترك أمتَه على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.

أما بعد؛ فإن شرف هذه الأمة ومعيار هدايتها موصولان بالاعتصام بالوحيين: كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، ورَدِّ المتنازع فيه إلى هذا الميزان المعصوم. وإن من أضر ما يبتلى به الفكر المنتسب للعلم: إحالة الحقائق الشرعية إلى دعاوى باطنية، وغيبوبة الأسرار المفردة عن ظواهر النصوص ودلائل الألفاظ؛ إذ إن الدين ظاهر مكشوف، والحجة فيه بالدليل لا بالرجال.

ورداً على ما جرى في المقطع المشار إليه من حصر طلب الرسول ﷺ والوصول إلى هدايته في “صدور رجال مخصوصين” وجعل طلب سنته في غير ذلك طلباً لـ”السراب”؛ فهذا تقرير منهجي على طريقة أئمة السلف والعلماء المحققين في نقض هذه الشبهة وتفنيد أصولها بالمنقول والمعقول:

تفنيد دعوى حصر وراثة النبي ﷺ في الأسرار والبواطن

أولاً: تقرير الأصل الشرعي (في كمال البيان وعلانية الدين)

إنّ من أصول أهل السنة والجماعة المتفق عليها بين أئمة الهداية: أن النبي ﷺ قد أبلغ الدين كاملاً، ظاهره وباطنه، ولم يدخر عن الأمة شيئاً يحتاجون إليه في دينهم ودنياهم إلا وبينه أتم بيان، بلسان عربي مبين، لا أسرار فيه تُكتم عن الكافة وتُدخر لخاصة.

قال الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}.

وقال جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}.

وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: «تَرَكَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَمَا طَائِرٌ يُقَلِّبُ جَنَاحَيْهِ فِي السَّمَاءِ إِلاَّ وَذَكَرَ لَنَا مِنْهُ عِلْمًا» رواه أحمد والطبراني بسند صحيح.

فكل دعوى تدعي أن هناك «سراً» يتوارثه بعض الركب خارج حدود هذا البلاغ المكشوف للعامة والخاصة هي دعوى تصادم صريح القرآن والسنة الصريحة.

ثانياً: نقض الشبهة من وجوه (المنقول والمعقول)

الوجه الأول: نقض دعوى «الأسرار والوراثة الباطنية»
ادعاء أن طلب الرسول ﷺ خارج «صدور طائفة مخصوصة» هو طلب لسراب، يُفهم منه غمط القرآن والسنة والتقليل من شأن الدليل الشرعي.

• من المنقول: سُئل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «هَلْ خَصَّكُمُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِشَيْءٍ؟» فقال: «لاَ، وَالَّذِي بَرَأَ النَّسَمَةَ وَذَرَأَ النَّشَمَةَ، إِلاَّ فَهْمًا يُعْطِيهِ اللهُ رَجُلاً فِي القُرْآنِ، وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ» رواه البخاري.

فلو كان ثمة «سر باطني» يُستقل به عن الكتاب والسنة لخص به النبي ﷺ بيت النبوة، ولكن عليّاً رضي الله عنه برّأ ساحة آل البيت من هذه الدعاوى الباطنية.

• من المعقول: لو كان الحق والوصول للرسول ﷺ منحفتاً في صدور رجال بغير معيار من كتاب ولا سنة، لبطلت الحجة على الناس، ولصار كل مبطل يدعي أنه حائز للسر، ولاستوت دعوى المحق والمبطل لعدم وجود الميزان الظاهر.

الوجه الثاني: تعريف «الوراثة النبوية» عند السلف

ليس الوريث للنبي ﷺ من ادعى «سراً» في صدره، بل الوريث هو من حمل علمه وتبعه باطناً وظاهراً.

قال رسول الله ﷺ: «إنَّ العُلَماءَ ورَثَةُ الأنبياءِ، وإنَّ الأنبياءَ لم يُوَرِّثُوا دِينَارًا ولا دِرْهَمًا، إنَّما ورَّثُوا العِلْمَ، فمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بحَظٍّ وَافِرٍ» رواه أبو داود والترمذي.

والعلم عند السلف هو النص والفهم المستمد منه، كما قال الإمام الشافعي رحمه الله:

كُلُّ العُلُومِ سِوَى القُرْآنِ مَشْغَلَةٌ … إِلاَّ الحَدِيثَ وَإِلاَّ الفِقْهَ فِي الدِّينِ
العِلْمُ مَا كَانَ فِيهِ قَالَ حَدَّثَنَا … وَمَا سِوَى ذَاكَ وَسْوَاسُ الشَّيَاطِينِ

الوجه الثالث: الرد على محاولة إهدار حجية أئمة العلم والظاهر

قول المتحدث إن هذا الكلام «قد لا يعجب أهل العلم والثقافة» هو اعتراف مناقض للشرع، يضرب محكمات الشريعة بالظنون؛ إذ يحاول إيجاد وهم مفاده أن هناك شريعة ظاهرة لأهل العلم، وحقيقة باطنة لأهل السر!

• قال الإمام مالك رحمه الله: «كُلٌّ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُرَدُّ، إِلاَّ صَاحِبَ هَذَا القَبْرِ ﷺ».

• وقال الإمام الشاطبي رحمه الله في «الاعتصام»:

«كل طريقة ابتُدعت في الدين تضاهي الشريعة يُقصد باللوك عليها المبالغة في التعبد لله… ومنها إعراضهم عن أدلة الأحكام وإسنادهم الأمور إلى مجرد الوجدان والأسرار».

ثالثاً: مآل هذه الدعوى وخطرها على الدين

إن إحالة طلب النبي ﷺ إلى «صدور الوارثين للسر» وجعل طلب سنته وهديه في ظواهر النصوص «سراباً» يؤدي إلى مفاسد عظيمة:

• إسقاط حجية القرآن والسنة: وجعل المرجع الذوات والأشخاص لا النصوص المعصومة.

• فتح باب الباطنية: التي دخلت منها الفرق المنحرفة لدمدمة أحكام الشريعة بحجة أن للظاهر باطناً، وللتنزيل تأويلاً ولا يعلمه إلا «أهل السر».

• تزكية النفوس بغير حق: وادعاء المقامات والعصمة العملية لمن يُسمون بالمعلمين أو الشيوخ بغير دليل من الشرع.

والقول السديد الذي عليه علماء الأمة: أن من أراد رسول الله ﷺ ورغب في دينه وشرعه وسره وعلانيته، فليطلبه في كتاب الله عز وجل، وفي سنة نبيه المطهرة الثابتة بالأسانيد الصحيحة، بفهم الصحابة والتابعين والأئمة المتبوعين. أما البحث عنه في دعاوى الأسرار الباطنية المنقطعة عن الدليل، فهو عين الضلال والوقوع في السراب الذي يحسبه الظنآن ماءً.

قال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}.

والرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول ﷺ هو الرد إلى سنته بعد وفاته.

هذا وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
24°
25°
أحد
26°
الإثنين
26°
الثلاثاء
26°
الأربعاء

كاريكاتير

حديث الصورة